حماقات ذوي العقول النيرة بين رف الكتب

الأحد 2016/01/24
دراسة الحمق تمنع الصياغة المفهومية

ما الأحمق

“في الحمق” عنوان كتيب يضم محاضرة كان ألقاها الكاتب النمساوي روبرت موزيل في فيينا عام 1937، أي سنة قبل الأنشلوس ( أي احتلال ألمانيا النازية للنمسا)، وهي من نصوصه الكبرى في نظره هو نفسه. يقترح دراسة الحمق، معترفا منذ البداية بأن ذلك عمل صعب، لأن “تلك القوة السيكولوجية الضخمة” تتمنع على الصياغة المفهومية، والمشكل الأساس في نظره أن تحليل الحمق معناه ادّعاء الذكاء “والحال أن مثل هذا الاعتراف عادة ما يكون علامة من علامات الحمق".

ومن ثَمّ فإن صاحب “رجل عديم الخصال”، تلك الرواية الرائعة التي تناولت حماقات ذوي العقول النيرة، يصطدم بهذا الغموض البشري، ولو أنه يتوصل في النهاية إلى بعض الاستنتاجات المهمة. هذه الثيمة كانت من محظورات الفكر الكلاسيكي، إذ كان يخشى أن تختل قواعد التأمل إذا ما وضع أمام ضده.

الضحك كوسيلة مقاومة

بعد سلسلته الوثائقية الناجحة “عيسى والإسلام” التي بُثّت مؤخرا على قناة أرتي الفرنسية الألمانية، صدرت لجيرار مورديّا رواية ضخمة بعنوان “فرقة الضحك” يأتلف فيها الخيال المجنّح بالنضال الاجتماعي. وتروي قصة مجموعة من الأصدقاء التقوا بعد تجارب حياتية مريرة، ليسترجعوا ماضيهم، ويدينوا مساوئ اقتصاد السوق.

كوالسكي وبيتي المطرودان من الشركة، روسو أستاذ الاقتصاد، ديلان الشاعر الذي يعجز عن الكتابة، هورال قارئ ماركس، سوزانا الممرضة.. كلهم عاطلون عن العمل لسبب أو لآخر، وجدوا فرصة للتعبير عن استيائهم في افتتاحيات بيير رامو المحرر اللامع بمجلة “القيم الفرنسية”، وكان قد دعا إلى أسبوع عمل ذي ثمان وأربعين ساعة، وأجر دون الأجر الأدنى بعشرين في المئة والعمل أيام الأحد. فقرروا اختطافه وحبسه في معمل لتشغيله عنوة حسبما أوصى به. الرواية تعرية لواقع العمال والبطالة وتهافت المحللين السياسيين والاقتصاديين، وكذب الصحافيين.

صناعة النجوم

“النجوم” عنوان كتاب جديد للفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران يدرس فيه ظاهرة النجومية وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجمالية وحتى الأسطورية. ويتساءل كيف وفي أيّ ظروف ولماذا ظهرت تلك الكائنات الرائعة التي نسميها نجوما. يتناولها موران بوصفها بضائع من جهة ومعبودة الجماهير من جهة ثانية، ربانية متسامية وبشرية قابلة للموت، ليرى الصورة التي تقدمها عن حضارتنا، ومجتمعنا وزمننا، وحتى عن أنفسنا.

وفي اعتقاده أن “الستار سيستم” الذي صنع مجد هوليوود مات، ولكن نجوم الماضي تنبعث من جديد فلويز بروك وغريتا غاربو ومارلين ديتريش ومارليـن مونرو وأودري هيبورن وأفا غاردنر وبيت دفيـس وريتا هايوورث لا يزلن حاضرات في الذاكرة بعد أن حُزنَ حياةً باقية، تلك التي نطلق عليها الخلود. ولا يزال عصرنا ينتج منها المزيد.

إرهاب أم عنف سياسي

الكاتب يعتبر أن الأعمال الإرهابية ظاهرة قديمة لذلك يدعو إلى إعادة النظر في المسائل الاجتماعية الأساسية

“العنف السياسي الشامل” عنوان كتاب جديد لعالم الاجتماع الفرنسي جيروم فيري، الأستاذ المحاضر بجامعة تولوز، الذي عرفناه من خلال كتابه “خوف على المدن”. في هذا الكتاب يطرح فيري موقف العلوم الاجتماعية من عمليات العنف المنظمة التي بدأت منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وفي رأيه أن قدرتها على تفسير عودة أشكال العنف الأشدّ راديكالية كالاعتداءات التي كانت باريس ضحيتها هذا العام صارت محل نظر. أعمال العنف تلك يفضل فيري أن يسميها عنفا سياسيا بدل وصفها بالأعمال الإرهابية.

وفي رأيه أنها لا تمثل ظاهرة جديدة، بقدر ما هي أحداث تدعونا إلى إعادة النظر في المسائل الاجتماعية الأساسية. ويتساءل هل تستطيع العلوم الاجتماعية أن تنير دربنا من جديد، وتفسر العالم وهو يتفكك ويتكوّن؟ ذلك ما يناقشه الكتاب في كامل فصوله.

من مفارقات العولمة

مسألة الحدود ذات راهنية حارقة في الغالب، سواء ما تعلق منها بالفضاء الأوروبي أو وضع المناطق الحساسة تحت المراقبة، أو التحكم في تنقل المهاجرين، أو إقامة جدران عازلة. في كتاب “الحدود المعولمة” ترى صابين دولان، أستاذة التاريخ المعاصر بجامعة ليل الثالثة، أن الحدود تكتنز مفارقات العولمة، فبينما كان زوالها مبرمجا عقب نهاية الحرب الباردة، صار التكثيف المعاصر للتنقل والتبادل يتلاءم بمنظومات تعزيز الحدود، التي صارت مناطق يقع فيها الفرز بين أفواج مرغوب فيها وأخرى غير مرغوب فيها، بين الممتلكات والبشر، عبر تجهيزات مادية وإدارية تشكل جدرانها الملمح الأكثر ظهورا. وبالرغم من كونها مسجلة ضمن مناطق حدودية في خدمة الدول، فإنها تتعرض لأعمال تخريب، ما يجعل الفضاء الحدودي “منطقة رمادية” وفجوة تتمنّع على السلطات القائمة. والعمق التاريخي يسمح بفهم أفضل للنزاعات الحالية التي تنشأ حول هذا الشكل السياسي ذي التغير المستمر.

كيف يتولد التشدد

تحت إشراف التونسي المهاجر فتحي بن سلامة، المحلل النفسي وأستاذ التحليل المرضي السريري، صدر كتاب جماعي عنوانه “المثل الأعلى والقسوة، ذاتية التشدد وسياسته”، ساهم فيه ثلة من علماء النفس والمحللين النفسانيين وعلماء الأنثروبولوجيا لتحليل المنطلقات الذاتية لمسعى التشدد والمرور إلى العنف، على ضوء علم النفس الفردي والجماعي، والسريري والسياسي، بحثا عن التمفصلات التي قد ينبهر من خلالها بعض الشباب بالخطاب الحربي، الذي يسمح لهم في بعض الحالات بأن يتحولوا إلى “قتلة باسم…”. وهي مسارات لا تخضع لنموذج وحيد كما يدّعي بعضهم في الغالب. واختيار مقاربة هذا الموضوع الشائك عبر مسألة المثل الأعلى تسمح بقراءة الكيفية التي ينشأ بها هذا المسعى الذي يطلق الأفعال الأكثر قسوة وفظاعة من خلال تمثل وجهي الضحية والمنتقم.

14