"حماقة ماركيز" رواية عراقية عن واقع سوريالي

الأربعاء 2014/10/08
يعيد عواد علي التذكير ببوادر الانتفاضة الكردية ضد نظام صدام في بداية التسعينات

يدوّن العراقيّ عوّاد علي في روايته الجديدة “حماقة ماركيز”، الصادرة عن دار فضاءات، الأردن 2014، سيرة بلد ينزف، بنوع من الرثاء الفجائعيّ غير المباشر، وبعيدا عن البكاء على الأطلال، يستعيد جروح أبنائه وضياع أعمارهم في صراعات كان من شأنها إتلاف مقدرات البلد وتدميره، ودفعه إلى الهاوية بتسارع رهيب، ذلك أنّ الجرح يظلّ مفتوحا، دائم النكء، ويظلّ حنين الناس إلى أمسهم المنشود بعيدا عن قيود الحرب وجرائمها، محطّ اهتمام، ومبعث أمل دائم.

يهدي عواد علي روايته إلى روح غابرييل غارسيا ماركيز (1927- 2014) الذي يصفه بعملاق الأدب الذي أعطى إشعاعا عالميا لخيال قارّة كاملة. ويحضر اسم ماركيز موصوفا بحماقة ما لا تستهدفه، بل هي حماقة بطل الرواية المتماهي معه.

سلمان البدر بطل الرواية الحاضر الغائب، هو متخصّص في الأدب الأسبانيّ، ظلّ شغوفا بماركيز وأعماله كلّها، يحاول محاكاته في حلّه وترحاله، يصحب معه رواياته، ويعرّف أصدقاءه بها كأشياء غالية في متحفه الشخصيّ. ينقل عدوى شغفه وتعلّقه بماركيز إلى أصدقائه والمحيطين به، ما يدفعهم إلى تسميته بماركيز، وإطلاق أسماء بعض أبطال ماركيز عليه.


آثار الحرب


يرصد عوّاد علي أحوال ثلّة من الشباب الجامعيين ممّن اضطرّوا لمغادرة قاعات الدراسة والالتحاق بالجيش إبّان الحرب العراقيّة الإيرانيّة، التي دامت ثماني سنوات، وخلّفت شروخا عميقة تظلّ آثارها متفعّلة متجدّدة لعقود، ذلك أنّها لم تستثن أحدا من تداعياتها وإفرازاتها ونتائجها، وبخاصّة أولئك الذين كانوا في خطوط المواجهة الأولى، وعلى الجبهات، وتأثير ذلك المستقبلي عليهم وعلى المحيطين بهم، أو على من بعدهم في حالة الرحيل.

"حماقة ماركيز" سيرة بلد ينزف، بنوع من الرثاء الفجائعيّ غير المباشر، وبعيدا عن البكاء على الأطلال

الحرب التي لم يكن لأيّة شخصيّة من شخصيّات الرواية يد في إشعالها، تكوي الجميع بنيرانها، وتتحوّل إلى كابوس يجثم على الصدور.

فبدلا من استكمال الدراسات الجامعية والعليا، يحتلّ التركيز على السلاح المكانة البارزة، ويصبح همّ الخلاص من أتون الحرب هو المتحكّم والطاغي، ولا سيّما في حالة أولئك الذين تركوا خلفهم آمالهم وطموحاتهم، الحياتيّة والأدبيّة، ذلك أنّ الأمل ظلّ يحدوهم بأيّام هادئة بعد عنف الحرب.

لا يتوقّف الأمر عند معالجة وتناول مواقف وأحداث على هامش الحرب الأولى، بل ينتقل إلى التذكير بحرب الخليج الثانية، والمعارك التي دارت رحاها بين العراقيين أنفسهم أيضا، بين كردستان وبغداد، تلك التي شهدت انتفاضة سلمان الذي يفترض أنّه لاقى حتفه في أواخر الحرب.

يعود إلى الواقع بما يشبه الحلم أو المعجزة، ويختلط الحلم بالواقع لدى الشخصيّات “مراد، نورهان، فرهاد، صوفيا، ألماس..” تلك التي تصبح غريبة عن نفسها وعمّن حولها، حين تصرّ على أنّ سلمان قد هاتفها وتحدّث معها، وخاصة “مراد، نورهان”، وأخبرها أنّه قادم، وهو بصدد لقائهم.

وهذا ما يضفي على الرواية مسحة من الغرائبية، بحيث يكون في إعادة الميت من قبره محاولة لكسر نمطية الزمن الكئيب، بعد الحرب الوحشية التي ألقت بظلالها على البلد وأهله.

رواية تكشف صراع الوطن والحرب


العودة من الموت


يعود سلمان من موته المفترض، ويعيد إلى أصدقائه بعض الأمل وكثيرا من التخبّط، ويصبح أحدهم في موضع المشكوك في سلامة عقله، وأنّه على أعتاب الهذيان والجنون، فكيف بميت أن يعود ويتكلم ويعد ويواعد، وينتظر اللقاء ليقدم التفسيرات المنطقية لحالة غير منطقية.

النعش الهارب أو المفقود لا يضمّ جثمان سلمان، بل هو جثمان غيره، بينما هو في الأسر، وبذلك يصبح الميت في نظر الجميع، وحين يعود يصدمهم ويفاجئهم، ويكتشف بدوره كثيرا من الأشياء المفجعة له، تلك التي لا تقلّ قسوة وإيلاما عن الأسر.

يترك البطل المغيّب أحلامه بكتابة رواية قريبة من أجواء ماركيز، ويرجو أن يتسنّى له إطلاع ماركيز عليها، لكن الحرب تمنعه من تحقيق حلمه، وتبعده عن حبيبته التي تتزوّج، وتنجب ابنة تسميها صوفيا، تيمّنا باسم شخصيّة من “مئة عام من العزلة” لغابريال غارسيا ماركيز.

صوفيا الصغيرة تكبر على الشغف بأعمال ماركيز، ينتقل إليها الحبّ والتمرّد. تبحث لنفسها عن مستقرّ آمن بعيدا عن الأوضاع المتفجّرة في بلدها.

العائد من الموت لم يكن قد مات في المعركة على الجبهة، كما قيل حينها، يظهر أنّه كان أسيرا طيلة سنوات طويلة في معسكر ناء في إيران.

يعود إلى بلده ليشهد التحوّل الكبير الذي طاله، والتغيّر الشديد الذي تعرّض له، وانتقاله من براثن نظام شموليّ إلى أتون عنف طائفيّ لا يرحم.

وتكون الخاتمة بدورها سورياليّة حين يصاب على هامش تفجير وما تلاه من إطلاق عشوائي للنيران. وصرخة نورهان وموتها دلالة على تداخل السحريّ بالواقعي لإنتاج عالم روائيّ.

رواية تبرز سوريالية وغرابة الواقع، في ظلّ واقع عراقي يتفوق في غرائبيته وسورياليته على أي خيال أدبي


أحاج وألغاز


الحماقة التي يضيفها الروائي إلى ماركيز، ترمز إلى حماقة البطل المتماهي مع ماركيز في واقعيته السحرية، وتكمن الحماقة التي تمهّد لسلسلة من الحماقات في التحرك دون احتراس على خط الجبهة، ووقوعه في مرمى نيران الأعداء، وبعدها افتراض موته، وحين نقل جثمانه يضيع التابوت، أو يهرب الميت، أو يسرق، تكون الأحجية مثيرة للتساؤلات، ومدعاة للاستغراب والسخرية في الوقت نفسه.

ينتقل علي بأبطاله من حرب إلى أخرى، وصولا إلى بداية الاحتلال الأميركيّ وإسقاط نظام صدّام، وما تبعه من انقسام بين العراقيين أنفسهم، ودخولهم معمعة عنف وحشيّ غير مسبوق، بحيث أنّ الحرب الكبرى بين الدولة والدول المجاورة، أو بين النظام ومعارضيه، انتقلت إلى عنف متبادل بين أبناء البلد الواحد.

حلّ التناحر محلّ التقارب، والتباغض محلّ التوادد، وأصبح البلد فرقا متحاربة، انتشرت الفوضى والمحسوبية، وانتقل العراق إلى مستنقع طائفيّ بعد مستنقع الاستبداد والظلم والطغيان وكوارث الحروب وأهوالها.

يعيد الكاتب عواد علي التذكير ببوادر الانتفاضة الكرديّة ضدّ نظام صدّام في بداية التسعينات، وما تبع ذلك من إجراءات دوليّة، وفرض واقع جديد على المنطقة، وبداية عهد جديد للعراق، رغم أنّ الآليّات ظلّت تدور في فلك الوقائع نفسها، ثمّ ما تلا ذلك من أحداث مفصلية.

كما يبرز في روايته “حماقة ماركيز” سوريالية الرواية وغرابة الواقع، في ظلّ واقع يتفوّق في غرائبيته وسورياليته على أيّ خيال أدبي، ويكون التحليق بالخيال في تناسب عكسيّ مع التعمّق في الواقع، ودواخل ضحاياه التي تبقى جثثهم ملقية على قارعة الطريق ومنفتحة على الهواجس والمخاوف التي لا تنتهي، بالموازاة مع الغوص في نشر هواجس الأمس والحاضر، بكلّ ما يعترك فيه من تخبّط وصراع.

15