"حماقة ماركيز" سرد عجائبي ينتصر للحب ضد الكراهية

الثلاثاء 2017/09/05
الكتابة عن سكرات الموت والأمل بعودة الروح

بيروت - “حماقة ماركيز” هي الرواية الأخيرة من ثلاثية الحب والاحتلال للروائي العراقي عواد علي، تتجلى فيها وجوه أرابخا (الإسم السومري لمدينة كركوك)، من خلال تداخل العشق والأحلام والحروب. ويمثّل وجود بطل الرواية “سلمان البدر”، المتراوح بين الموت والحياة، منذ الحرب العراقية الإيرانية حتى الاحتلال الأميركي للعراق، مركزا للسرد تنطلق منه الشخصيات في تأمل حاضرها وماضيها، والاحتلال الذي تنوء تحته.

يجري الحدث الرئيسي في الرواية، الصادرة حديثا عن منشورات ضفاف والاختلاف في بيروت/ الجزائر، في مدينة “أرابخا” خلال يوم واحد في شتاء عام 2009، لكن الشخصيات تسترجع أحداثا تمتد إلى 23 عاما، وتتوزع فضاءاتها على جبهات الحرب العراقية الإيرانية ومدن عراقية أخرى وتركيا واليونان والمكسيك وكولومبيا، في سياق سردي يجمع بين المنحى الواقعي والعجائبي.

بعد مرور 23 عاما على اختفاء جثة بطل الرواية الجندي “سلمان البدر”، في ظرف غامض، أثناء نقلها من جبهة الحرب إلى “أرابخا”، لدفنها هناك، يعود صاحبها إلى أهله في يوم شتائي، ويبدأ بالبحث عن حبيبته “نورهان”، التي تزوجت بعد استشهاده وأنجبت بنتا أسمتها “صوفيا”، تيمّنا باسم شخصيّة من رواية “مئة عام من العزلة” لماركيز، لكنها ترمّلت بعد الاحتلال إثر مقتل زوجها. وعندما يحصل على رقم هاتفها يتحدث معها، فتضطرب بشدة حين تسمع صوته، وهي غير مصدقة.

وحين تطلب منه أن يعطيها تفسيرا صغيرا لعودته، يعدها بأنه سيكشف لها عن السر حالما يلتقيان بعد ساعة عند مرقد “بغدة خاتون”، وهو مكان لهما فيه ذكرى عزيزة. ثم ينهي سلمان المكالمة فتصاب نورهان بذهول شديد، وتتهاوى على سريرها وتغطي وجهها بكفّيها، فتشتعل في أعماقها نار ذكراه، وتبدأ باستعادة لهيبها مذ رأته، أول مرة، في يوم ربيعي من شهر اللوز قبل خمس وعشرين سنة، وكانت خامدة طوال العقدين الماضيين اللذين عاشتهما زوجة لرجل حاول أن يسعدها ويعوضها عما فقدته.

لكن سلمان البدر يصاب، وهو في طريقه إليها رفقة أخيه بسيارته، برصاص دورية أميركية، ويفارق الحياة في المستشفى، بينما يُجرح أخاه، ومنه تكتشف “نورهان” أن حبيبها لم يعد من الموت، كما توهمت، بل كان أسيرا في إيران طوال 23 عاما، وقد أُفرج عنه قبل بضعة أيام فقط! ويجري بينهما هذا الحوار الذي يحل عقدة الرواية القائمة على لغز موت سلمان البدر وعودته العجيبة:

-" كان سلمان أسيرا طوال ثلاثة وعشرين عاما؟ لماذا لم يكتب إذن أية رسالة؟ آلاف الأسرى كانوا يتبادلون الرسائل مع أهلهم.

– لم يكن مسجَّلا في الصليب الأحمر.

– لماذا؟

- كان الإيرانيون غاضبين عليه فوضعوه في قفص ناء قرب الحدود الأفغانية، ومنعوا لجان الصليب الأحمر من زيارته".

تنتصر الرواية لعلاقة الحب السامية بين البشر ضد الكراهية من خلال التساؤل الذي طرحه ماركيز “ألا يستحق الحب أن نجنّد أعمارنا من أجله بدلا من الكراهية؟”، وذلك عبر سرد بوليفوني (متعدد الأصوات)، على غرار رواية الكاتب الأولى “حليب المارينز” (2008)، تتناوب عليه شخصيات الرواية التي تنحدر من مكونات إثنية ودينية وشرائح متنوعة في المجتمع العراقي (سلمان العربي، نورهان التركمانية، فرهاد الكردي، مراد التركماني، بولينا الكلدانية، فادي الآشوري).

وتأخذ الرواية عنوانها من اسم الروائي الكولومبي ماركيز، المهووس به بطل الرواية “سلمان البدر”، خريج اللغة الإسبانية، على نحو جنوني، فيحمل كتبه بلغتها الأصلية حتى في الخط الأمامي للجبهة، ويسميه أحيانا بلقبه الشعبي “غابو”، ويحلم بكتابة رواية على غرار رواياته.

يقسم عواد علي روايته إلى فصول عدة، لكل فصل منها عنوان، يحمل اسم إحدى شخصياتها البارزة، مثل “نورهان” و”مراد” و”فرهاد” و”صوفيا”، و”ألماس”، في حين يغيب اسم سلمان البدر عن هذه العناوين، ولم يخصص له علي ولو فصلا واحدا أسوة بغيره من الشخصيات على الرغم من أنه هو بطل الرواية، ويحتل فيها موقع المركز من الدائرة.

وعلى هذا النحو نجد في كل رواية من روايات الشخوص شيئا جديدا يختلف عن رواية الآخر، وإن كانت في عمومها تشترك اشتراكا بينا في روايتها لحكاية سلمان البدر، ورجوعه من الموت.

يبرز علي في “حماقة ماركيز” سوريالية الرواية وغرابة الواقع، في ظلّ واقع يتفوّق في غرائبيته وسورياليته على أيّ خيال أدبي، ويكون التحليق بالخيال في تناسب عكسيّ مع التعمّق في الواقع، ودواخل ضحاياه الذين تبقى جثثهم ملقية على قارعة الطريق، ومنفتحة على الهواجس والمخاوف التي لا تنتهي، بموازاة مع الغوص في نشر هواجس الأمس والحاضر، بكلّ ما يعترك فيه من تخبّط وصراع.

15