حمامات السباحة المطاطية متعة لأبناء الأسر المصرية الفقيرة

أحواض مطاطية لا تزيد عن المترين تمنح سعادة لا تقلّ عن زائري المنتجعات، لكن الأجهزة المحلية تطارد أصحاب الأحواض بالغرامات التي تصل إلى 600 دولار.
الأربعاء 2019/08/07
السعادة ممكنة رغم الفقر

القاهرة – لجأ سكان أشهر المناطق العشوائية في مصر لإنشاء حمامات سباحة مطاطية للأطفال في الشوارع، تعوّضهم عن عجز أسرهم عن زيارة المدن الساحلية وتحقق رغباتهم في اللهو والسباحة في المياه، حتى لو كان مصدرها الصنبور وفي حوض لا يتجاوز المترين.

وحول أهالي منطقة الدويقة العشوائية في غرب القاهرة واقعهم الاقتصادي الصعب وعجزهم عن التوجه للمدن الساحلية إلى مشروعات تجارية ترفيهية بإنشاء أحواض سباحة مطاطية، يقضي فيها الأطفال اليوم كاملا بمقابل لا يتعدّى جنيهين للساعة.

وتجذب الضحكات واللهو داخل الأحواض سمع الزائرين، ويداعب أصحاب الأحواض المطاطية الخيال بالأسماء التي يطلقونها عليها، ليرفع أحدهم شعار “بورتو الدويقة”، اقتباسًا من اسم علامة تجارية عالمية للمنتجعات السياحية، أو “مارينا الفقراء” تيمنًا بقرية سياحية يتخذها المشاهير والأثرياء مصيفًا بساحل مصر الشمالي.

ويقف الأطفال على الدعامات المعدنية لحوض السباحة، يتخيّلون أنفسهم بمدينة ملاهي مائية، بعضهم يرفع قدميه في الهواء ويقف على رأسه قبل السقوط محدثًا موجة من الرذاذ، والبعض الآخر يصعد أسطح الغرف القصيرة المحيطة ويقفز للأعلى ليدور جسمه في الهواء منتشيًا كبطل أولمبي طاوعته الطاولة الخشبية في القفز فلامس الماء دون أن يهتز سطحه بعنف.

الأحواض التي يسميها أصحابها بحمامات سباحة شعبية تثير جدلا في مصر بين مدافعين عنها، ومنتقدين لها

يمرّ الصغار في مجموعات قبيل الغروب مرتدين ملابس البحر القصيرة بالشوارع الضيقة شديدة الانحدار ليبدو المشهد شبيهًا بالمصائف الساحلية، خطواتهم المبللة على الأرض تقود الطريق للأحواض الصغيرة، التي تتراوح مساحتها بين مترين وثلاثة أمتار، وتوفر لهم قدرًا من السعادة لا تقلّ عن زائري المنتجعات.

لوا يعطي أصحاب تلك الأحواض المائية أسماءهم كاملة للزائرين، هؤلاء يرفضون التقاط صور شخصية لهم، فمعاملاتهم مع الجهات الحكومية تجعلهم يتخوفون دائمًا من أن تصادر ممتلكاتهم لاعتبارات صحية أو حتى يتعرضون للغرامات، في منطقة يتحايل سكانها من أجل إدخال المرافق بصورة غير مشروعة لبيوتهم. وتقول سناء لـ”العرب”، إنها أقامت حوضا داخل منزلها بعدما شاهدته معروضا في أحد المحال التجارية بسعر مخفض، لتقرّر تحويله إلى باب رزق لها ولأبنائها الذين يقطنون منزلا ملوحًا بالأخشاب وبعض القطع المعدنية الخفيفة ولمساعدة أهالي منطقتها في الترفيه عن أبنائهم.

ولا يستطيع الأهالي الاشتراك في نادٍ اجتماعي، وتمثل زيارة المصائف حتى الرخيصة منها حلمًا صعب المنال، فغالبيتهم يجاهدون لكسب قوت يومهم بمنطقة فقد سكانها جزءًا من دخلهم الرئيسي بوقف نشاط تربية الخنازير التي اعتمدوا عليها لسنوات في التهام البقايا العضوية.

ويغيّر ملاّك الأحواض المياه يوميًا وينظفونها بمطهرات لتحاشي نقل الأمراض الجلدية، ويضعون اشتراطات عمرية لا تسمح بنزول أقل من 5 سنوات بمفردهم تفاديا للغرق.

وجهّزت سناء السيدة الأربعينية الحوض لروّاده مع مطلع شهر مايو وتنهي عملها في نهاية شهر سبتمبر المقبل، وتعمل من الثامنة صباحًا وحتى غروب الشمس، وتغيّر المياه مرة واحدة يوميًا، وأحيانا تعيد ملأه في المساء كمتعة شخصية لبناتها وأصدقائهن اللائي يحوّلن السباحة لجلسة سمر.

وتظلّ سناء بجوار الحوض على كرسي قديم متهالك طوال النهار لحماية المتعلقات الشخصية للأطفال، حتى لا تتعرّض للسرقة كالهواتف المحمولة والملابس والأحذية، وذروة الموسم بالنسبة لها في الأيام الأولى للعام الدراسي فمع دق أجراس المدارس، حيث يلقي التلاميذ حقائبهم ويحصلون على فترة استرخاء للعقول داخل حوضها الصغير.

بمقابل لا يتعدّى جنيهين للساعة
بمقابل لا يتعدّى جنيهين للساعة

وتعطي الأحواض فرصة للأطفال لكسر حالة الخوف المستمرة التي يتربون عليها، فأَهل المناطق العشوائية يعيشون حالة من التوتر والخوف بسبب إقاماتهم في هذه الأحياء. وجذبت تلك الأحواض أطفال مناطق أخرى قريبة جاؤوا إليها للاستمتاع، فالعنصر المشترك بين جميع من يدخل مياهها الانتماء إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها، بعضهم تلاميذ بالمدارس يعانون فراغًا في الإجازة الصيفية، والبعض لم ينل تعليمًا وتم إلحاقه بسوق العمل مبكرًا في تصليح السيارات أو جمع القمامة ليغسل عبر مياهها قبيل الغروب آلام اليوم وعناء الإجهاد.

ويقول شاب ثلاثيني، يملك حوضًا، لـ”العرب”، إن الأجهزة المحلية تطارد أصحاب الأحواض بالغرامات التي تصل إلى 600 دولار بحجة أن نشاطهم غير مشروع ويفتقر للتراخيص رغم أن مكاسبهم ضئيلة، ويهدفون إلى رسم البهجة في نفوس الأطفال.

ولا تزيد تكلفة تجهيز حوض السباحة الواحد عن 5 آلاف جنيه لكنه يحتاج إلى مساحة كبيرة ونظام خاص لصرف المياه وملؤها ما يجعل أصحابها يلجؤون إلى الشوارع الجانبية لإقامتها فأسطح منازلهم البسيطة لا تستطيع تحمل وزنها ممتلئة، والكثير من شبكات المياه الموجودة بالمنازل ضعيفة.

وتثير تلك الأحواض التي يسميها أصحابها بحمامات سباحة شعبية جدلاً في مصر بين مدافعين عنها، باعتبارها تمنح الأطفال حق الحياة والمتعة، وبين منتقدين بحجة مخالفتها للاشتراطات الصحية اللازمة وإمكانية تحولها إلى وسيط لنقل الأمراض.

وتظل أحواض السباحة محاولة لانتزاع الفرح من رحم المعاناة لأطفال صغار نشأوا في بيوت تفتقر إلى أبسط الخدمات وتعتمد حتى الآن على حمامات الحفرة البدائية، ومنطقة ارتبط اسمها التاريخي بالفقر، فظلت معروفة حتى وقت قريب بعزبة “الصفيح” الذي يناسب طبيعة مبانيها المؤسسة من الخشب والمعادن.

21