حمام الملاطيلي.. فيلم لـ"الكبار فقط" ذوقا وعمقا وفرجة

حكاية تبدو مغرية لمراهقي السبعينات، مغضبة لثوريي الستينات، لكنها شديدة الطلائعية والتأصل لدى مثقفي الثمانينات من الليبراليين والمبشرين بثقافة أكثر واقعية.
السبت 2019/12/14
أهم الانتصارات السينمائية التي أنجزتها هزيمة 67

"حمّام الملاطيلي"، وقبل أن يكون فيلما يثير حوله الغبار أينما عُرض، هو رواية كتبها إسماعيل ولي الدين في أواخر ستينات القرن الماضي.

قدم ولي الدين فيها رؤية اعتبرها نقاد آنذاك، قاتمة، موحشة ومغمسة بالعار، لكن بعضهم رأى فيها قراءة جريئة وتحليلا صائبا لواقع المجتمع المصري بعد نكسة 1967. ذلك أن الهزيمة العسكرية والسياسية، لا بد أن تسبقها وترافقها، وكذلك تنجرّ عنها، هزائم وتشوهات اجتماعية صلب الثقافة والعلاقات السائدة.

من هذا المنطلق، كان لا بد للإنتاج الأدبي والسينمائي أن يخلع عنه عباءة الشعارات والتمجيد الزائف للذات المصرية المنكسرة على نفسها بعد مرارة الهزيمة التي أرخت بظلالها على كل شيء.

تناول الروائي إسماعيل ولي الدين (مواليد 1935) الأحداث والتحولات ومصائر الشخصيات من خلال الحمّام الشعبي أي المكان الذي يتعرّى ويتساوى فيه الجميع طلبا للتطهر والبوح، بعيدا عن المواربة والأقنعة النهارية والمفاضلات الاجتماعية.

رؤية من صميم الواقع

الناقد الفني حسن عبدالرسول كتب عن الفيلم في  مقال منشور بالأخبار في 6 يوليو 1973، {لا يرينا صلاح أبوسيف عري الأجساد بل يرينا عري الأرواح}
الناقد الفني حسن عبدالرسول كتب عن الفيلم في  مقال منشور بالأخبار في 6 يوليو 1973، "لا يرينا صلاح أبوسيف عري الأجساد بل يرينا عري الأرواح"

الجديد في هذه الرواية التي قد تبدو في زخم أحداثها ونمطية بعض شخصياتها قادمة من الأربعينات، أن صاحبها تسلح برؤية جمالية خاصة لأحياء القاهرة، مكنته منها دراسته للهندسة المعمارية، بالإضافة إلى حساسية اطلاعه بالمسألتين السياسية والعسكرية.

كان ولي الدين برتبة عقيد في القوات المسلحة المصرية قبل أن يتفرغ للكتابة ويصبح واحدا من أهم كتاب السبعينات ممن تم التعامل مع رواياتهم سينمائيا. إذ كاد أن ينافس إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ، الكاتبين الأكثر شهرة ومجدا، آنذاك.

وقعت هذه الرواية، التي أدارت ظهرها للجمل السياسية المنتفخة، والتفتت إلى تفاصيل الواقع المثقل بالتمزق الاجتماعي والنفسي، بين يدي المخرج صلاح أبوسيف، (1915ـ1996)، وقد كتب لها التقديم الروائي يحيى حقي، بانبهار شديد.

واستعان يحيى حقي بمحسن زايد، وهو أحد تلاميذه، لكتابة السيناريو وقد وجد فيها رائد الواقعية ضالته من أجواء شعبية وتحولات اجتماعية ضاربة في صميم الواقع المصري، وذلك بعد أفلام حاول من خلالها استرجاع توازنه بعد النكسة مثل “القضية 68” و”الزوجة الثانية” و”فجر الإسلام”.

المشهد العام في مصر كان يغري ويشجع على إنتاج فيلم يذكّر الناس بكل شيء ما عدا تلك النكسة الثقيلة، سواء كان من ناحية التطرق إلى قضايا تمس صميم المجتمع وتضع عليه الإصبع كمسبب حقيقي وغير مباشر لانهيار الجبهتين العسكرية والسياسية أو تصرف الرأي العام عبر حالة تنفيس تتمثل في رفع الحظر عن ممنوعات كانت سائدة في المصنفات السينمائية.

في هذا الصدد، تقول اعتدال ممتاز، في كتابها “مذكرات رقيبة سينما”، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إنه صدرت تعليمات رئاسية للرقابة على المصنفات الفنية للسماح بمشاهد الجنس والمخدرات في الأفلام، وعدم حذف أي مشهد منها مهما بلغت درجة جرأته، في محاولة لإلهاء الناس عن الهزيمة وإحباطاتها.

غصّة في قالب قصة

أهم الانتصارات السينمائية التي أنجزتها هزيمة 67
أهم الانتصارات السينمائية التي أنجزتها هزيمة 67

لا وجود لشرخ واسع أو غربة صادمة بين قارئ حمام الملاطيلي كرواية أو المتفرج عليها كفيلم، فحالات الشد والتشويق والإثارة، تكاد تكون نفسها، وعلى ذات السوية ما بين صفحات الكتاب وشاشات السينما، فكأنما الممثل محمد العربي، الذي اختاره صلاح أبوسيف لفيلمه، هو أحمد الذي جعله إسماعيل ولي الدين بطلا لروايته.

أما الفتاة نعيمة التي تمتهن الدعارة، ويتعرف إليها أحمد وتربطه بها علاقة تجمع بين الحب والمتعة، عند قدومه من قريته باحثا عن عمل وراغبا في إتمام الدراسة، فتكاد تكون النجمة شمس البارودي، في مخيلة القارئ قبل مشاهدة الشريط، وذلك بكل ما أوتيت من جمال ورقة وإثارة، خصوصا في تلك المشاهد التي تبدو ساخنة، لكنها مليئة بالشاعرية والرمزية في لقطات لا تجنح نحو الفجاجة بقدر ما تذكيها مهنية عالية في التصوير والتمثيل واختيار المفردات التعبيرية لمخرج معتق ومتمكن من أدواته.

القاسم المشترك بين الشخصيتين المحوريتين في الحكاية، هو القدوم إلى القاهرة سعيا خلف حلم يتحول في النهاية إلى كابوس أو ينتهي بفاجعة من خلال تشابك علاقات يطغى عليها الجشع والتكالب نحو الحلول الفردية في ظل مناخ موبوء ألقت عليه الهزيمة بسحابتها القاتمة، فاضمحل حلم الجماعة الذي كانت تعزف عليه الحقبة الناصرية، واستحال إلى مصائر مفجعة.

الطيبون تحولوا إلى مخدوعين كالمعلّم بدوي، صاحب الحمام الذي تخونه امرأته مع الشاب أحمد بعد أن وظفه لديه وأحسن معاملته. تتشعب القصة لتقدم جل شخصياتها في عداد الجاني والضحية في الوقت ذاته، إذ لا يخلو عالم الدعارة نفسه من هذه اللعنة التي تلحق بالجميع، ضمن لعبة تدرجية استدراجية تتناسل فيها الأسئلة من قلب الأسئلة. وتطرح قضية صراع القيم داخل نسيج اجتماعي مشوه، فكل ضحية تستحيل إلى جلاد.

وكل آثم هو ضحية لمنظومة أخلاقية مهترئة، تتبادل الاتهامات في ما بينها، وتدعو للمحاكمة ولكن أين الحكم؟ حتى نكسة 67 تطل بطيفها في الحكاية كطرف في هذا النزاع الدرامي.. أليست شخصية أحمد ضحية تلك الهزيمة التي أجبرت العائلة على النزوح من الإسماعيلية إلى الشرقية؟

لعل شخصية الفنان التشكيلي ذي الميول المثلية، رؤوف، والتي يلعبها في الفيلم باقتدار الممثل يوسف شعبان، هي من أكثر الخطوط الدرامية حساسية والتباسا، وذلك لما تتميز به من جرأة في قلب طاولة الحوار نحو موضوع لا يزال يصنف ضمن أكثر المحظورات التي تلامسها السينما العربية بحذر شديد، وفي نوع من المهادنة واسترضاء الأغلبية.

قد تكون المبررات التي صيغت في تقديم الشخصية كضحية من ضحايا التفكك الأسري، غير مقنعة في ظل واقع يحترم الآن حقوق المختلفين، لكن النموذج يعطي صورة صريحة لفئة من المثقفين، تعاني العجز والتهميش وتفصح عن خيبات متشابكة، لا خيبة واحدة، وأحادية الجانب.

الابتعاد أو الهجرة هو هاجس كل شخصية من الشخصيات القلقة في حمام الملاطيلي. لكن، إلى أين الهجرة؟ ومن ماذا يمكن الابتعاد؟

تبدو المواجهة ضربا من ضروب العبثية والانتحار، يُخيّل للمتلقي أن الدروب وعرة والمنافذ مغلقة، وأن المتع القصيرة خير بلسم ودواء بعد انسداد الآفاق، وكأن هذا التعري لا يزيدنا إلا تعريا، وهذا الاغتسال لا يضفي علينا إلا اتساخا تسببت فيه سياسات الأكاذيب، وتحميل عجزنا لكل الآخرين.

الحقيقة أن لهذا الشريط مزايا أكبر وأكثر مما صنفها النقاد المتسرعون، ذلك أنه أحسن استخدام مشرطه. وخاطب القوم وهم يتسلون ويستمتعون، على عكس كل “اللطميات” السينمائية والأدبية، بدليل أن الفيلم ينتصر للعودة بعد اجتراع الهزيمة والاستفادة منها.

ويبدو ذلك جليا حين يكتشف أحمد مصرع حبيبته نعيمة على يد عمها وابن عمها، “غسلا للعار”. يدرك المستنقع الذي وقع فيه، وأنه كان سببا، دون أن يدرك، في مقتل نعيمة الطامحة في التطهر، فيقرر العودة لبلدته الإسماعيلية، استعدادا ليوم استرداد الكرامة، واستعادة الأرض المغتصبة.

حدث كل ذلك والفيلم كان يصور عشية حرب أكتوبر 1973 التي حقق فيها الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بعض الانتصار، وهو الذي قيل إنه أول من شاهد فيلم حمام الملاطيلي وأُعجب بصناعته رغم تحامل الكثير من النقاد عليه.

التحدي شكلا ومضمونا

المغامرة لدى صلاح أبوسيف لا تتوقف عند الكاستينغ، ولا حتى اختيار الرواية  بل في التوقيت عند زمن راجت فيه أفكار سينمائية تدعو إلى تناول الموضوعات البسيطة وغير المعمقة وتنأى عن القضايا الحساسة
المغامرة لدى صلاح أبوسيف لا تتوقف عند الكاستينغ، ولا حتى اختيار الرواية  بل في التوقيت عند زمن راجت فيه أفكار سينمائية تدعو إلى تناول الموضوعات البسيطة وغير المعمقة وتنأى عن القضايا الحساسة

التحدي يكمن في أن المخضرم السينمائي ورائد الواقعية صلاح أبوسيف فهم اللعبة وأدرك جوهر الرهان ضمن مقاربة سينمائية لسياسة لم تكن واقعية قبل يونيو 67.

 أدرك صاحب “المنتقم” و”لا تطفئ الشمس” أنّ التحدي لا يكمن إلا في المزيد من التحدي، شكلا ومضمونا وتوقيتا، وطريقة إخراج وتفكير. فبدأ تصوير الفيلم حين كان الشارع يضطرب بمظاهرات تطالب بإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم، وسط أجواء معفرة بالإحباط، فأظهر ممثلين لم يؤدوا أدوارا كبرى من قبل، مثل فايز حلاوة، الذي كان أول اكتشاف له في السينما، والذي قام بدور صاحب الحمام الذي تخونه زوجته.

أما البطولة فكانت من نصيب محمد العربي، الذي أسند إليه صلاح أبوسيف دور البطولة لملاءمة سنه للدور، فقد كان المطلوب شابا صغيرا، خريج ثانوية عامة، ليلعب دور الشاب الذي يأتي القاهرة بحثا عن عمل، ومعه خطاب توصية لشخص لا يلتقيه أبدا.

المغامرة لدى صلاح أوسيف لا تتوقف عند “الكاستينغ”، ولا حتى اختيار الرواية بل في التوقيت عند زمن راجت فيه أفكار سينمائية تدعو إلى تناول الموضوعات البسيطة، غير المعمقة، والتي تنأى في معالجتها عن اللقضايا الحساسة، ولا تذكر الناس بما جرى في يونيو، إلا باستثناءات قليلة، مثل فيلم “الأرض” الذي تم عرضه في يناير 1970.

راهن قيدوم السينما المصرية، وسفيرها إلى العالمية بحكاية تبدو مغرية لمراهقي السبعينات، مغضبة لثوريي الستينات، لكنها شديدة الطلائعية والتأصل لدى مثقفي الثمانينات من الليبراليين والمبشرين بثقافة بنيوية تأسست على أيادي نقاد تفكيكيين، وكتاب ما بعد الحداثة والشعارات الأيديولوجية.

يجدر القول إن هذا الفيلم قد أسقط كل من في يده حجر يحاول به الانقضاض على ثقافة تجنح نحو التفكير المختلف، وترنو نحو سينما تشبه مجتمعها، لا قادته، ولا الحاكمين بأمرهم من المجدفين عكس التيار.. إنه فضيحة في وجه من عارضه وليس من سانده.. ماذا يمكن القول الآن لأشرس معارضيه، الناقد علاء عبدالحميد بقوله “شعرت بأنه كان فضيحة لمن أنتجوه، خاصة في نسخته التي تبقت لنا بعد الحذف والقص، حيث تم تشويهه بالكامل”؟

كيف يمكن الرد على ناقد مقتدر مثل رؤوف توفيق، يكتب مقالا عن الفيلم في مجلة “صباح الخير” يحمل عنوان “صلاح أبوسيف.. في الحمام”؟ وبماذا يمكن أن نجابه، نحن عشاق السينما ومريديها في التسعينات، تسمية أستاذنا الناقد الراحل سمير فريد، في صحيفة  “الجمهورية” للفيلم بأنه “سينما فاضحة”، ودعوة حسن إمام بقوله  “صادروا هذا الفيلم”؟

عزاء عشاق حمام الملاطيلي والمدافعين عنه، وسط زحام المزايدات الثورجية، وأدعياء الفضيلة السياسية والأخلاقية أنّه لا تمتلك إلا أن تشاهده، مثل إصبع شوكولاتة، وأنت جائع، مثل عصير منعش، وأنت عطشان.. كيف تقاوم شريطا يخاطبك بكل حواسك.. عفوا.. لم نقل “غرائزك”.

الذين دافعوا عن الفيلم قلة، لكنها مؤثرة وفاعلة، ولطالما انتصرت  “المنشيفيات” ضد “البوليفيات”، فمن هؤلاء الناقد الفني حسن عبدالرسول، الذي كتب “لا يرينا صلاح أبوسيف عرى الأجساد بل يرينا عرى الأرواح”، وذلك في مقاله المنشور بالأخبار 6 يوليو 1973.

وكتب عادل عبدالجبار مقالا عن الفيلم في جريدة كانت تسمى “الثورة العراقية” قال فيه “حمام الملاطيلي على طريق المواجهة الواقعة بصراحة”.

وفي جريدة الشعب اللبنانية انحاز الناقد سمير نصري للفيلم في مقال عنونه “اصحى يا مصر.. صرخة حمام الملاطيلي، قبل الحرب”.

فيلم عصي على النسيان

الأعمال الكبيرة، يقدر لها، في أحيان كثيرة، أن توضع طي النسيان والتجاهل بسبب تحامل العامة، وتآمر بعض الخاصة والكارهين على غير حق، وكاد فيلم حمام الملاطيلي أن ينسى من تاريخ السينما بسبب نزاعات ونزعات شخصية تخص جهات الكتابة والتمثيل والإخراج والتسويق، فلا يستشعر جسامة المسؤولية إلا النزيهين من النقاد والموثقين.

وظل الآن هذا الشريط الممتع، في ذاكرة مراهقي السبعينات الذين أضحوا اليوم رجالا خمسينيين، يفكرون بواقعية لم توجد في السبعينات.

وهنا، تجدر الإشارة والتنويه إلى أن المنتج محمد راضي اشترى الفيلم من منتجه ومخرجه صلاح أبوسيف عام 1992 ودفع به للعرض من جديد ضمن أحد المهرجانات السينمائية، مذكرا العالم بأن حمام الملاطيلي لا يموت، وذلك بسبب فكرة لا يمكن لها أن تموت، وهي أن ما كُتب بصدق، ومُثل بصدق، وشُوهد بصدق، لا يمكن له الاندثار.. لقد نسيت الأجيال طعم الهزيمة، لكنها لم تنس طعم فيلم أشعل الشاشات، ألهب الأجيال، نظف خطايانا، وأسال الفقاعات.. واسمه حمام الملاطيلي.

كل نقاد الفن السابع اليوم لا يبالون بالخلافات الجانبية التي وقعت بين صناع الفيلم، من جهات إنتاج وكتابة وتمثيل وإخراج.. لا تعنيهم المواقف المرتجلة بين هذا وذاك، وقد صار الكثير من أسرة العمل في عداد الأموات.. إنها السينما التي لا تموت بموت أصحابها.

16