"حمام بغدادي" عرض مسرحي يشتبك مع الجحيم العراقي

بعد مرور ست سنوات على تقديم المخرج جواد الأسدي مسرحيته “حمام بغدادي”، التي أنتجها المسرح السوري، ومثلها فايز قزق والراحل نضال سيجري، في بيروت ونيويورك ومدينة كورك الأيرلندية، أعاد مؤخرا إخراجها مع ممثلين عراقيين هما حيدر أبوحيدر وعبود الحركاني، وعرضها أواخر أبريل الماضي في فضاء التياترو بالعاصمة التونسية.
الأربعاء 2015/05/27
أداء مسرحي يستقي حرارته من نار الحمام وبخاره

العرض الأول لمسرحية “حمام بغدادي” للمخرج العراقي جواد الأسدي في نسختها الجديدة، قدّم في الدورة الثالثة عشرة لمهرجان دمشق المسرحي أواخر عام 2005، ثم في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، وأيام عمّان المسرحية، ومهرجان الشارقة.

ويقدم عرض “حمام بغدادي” حكاية أخوين عراقيين (مجيد وحميد)، يمثلان نموذجين للشعب العراقي في اختلاف وجهات نظر أبنائه للاحتلال الأميركي، وأسلوب التعامل معه، وهما ضحيتان رغم اختلاف الجاني: الأول ضحية حاكم مستبد، والثاني ضحية محتل، يختلفان في كل شيء، وحين يلتقيان يكون الحزن هو المعادل الموضوعي الوحيد الذي يجمع في ظلاله العراق كله.

ويسلط العرض الضوء على شريحة سائقي الحافلات، الذين يعملون بين عمّان وبغداد، ويهدف إلى تشريح هذه الشريحة وتحليلها، ورصد تحولاتها وتغيراتها في ظرف جحيمي يعيشه العراق، من خلال تاريخ حافل بالألم.

من منظورين مختلفين

يحيل العرض، عبر أسلوب المسرَحَة وليس الانعكاس المرآوي، إلى الواقع العراقي بعد الاحتلال بكل تداعياته على الحياة العامة، ويبرز حالة التناقض التي تعتري هذا الواقع من خلال منظورين مختلفين تجاه الاحتلال.

فـمجيد (الأخ الأكبر) شخص براغماتي انتهازي، صيّاد فرص، يتعاون مع الشيطان من أجل كسب رزقه، عمل مع النظام السابق، ويعمل الآن مع الأميركان، واضعا سيارته في خدمة نقل المؤن والعتاد من وإلى السجون، ويرى في الاحتلال صفقة رابحة لإنعاش تجارته وأعماله، بعد ضياع أحلامه في التعلم ورغبته في أن يصبح مغنيا مشهورا، وتوجهه إلى الملذات والنساء.

في حين أن حميد (الأخ الأصغر) شخص بسيط، مستلب، مسحوق، مشوّش الرأس، جراء ما وقع عليه من هول في العهد السابق، فظل أسير خوف ورعب سيطرا عليه وامتلكاه عندما شهد أحداثا دموية رسخت في ذاكرته، وشكّلت لديه نوعا من عقدة الذنب.

فقد شارك بصورة قسرية في مجازر جماعية تحت وطأة التهديد والقتل، وهو أيضا ضحية جشع واستغلال شقيقه الأكبر الذي يغتصب حقوقه، ويتخلى عن أسرته إلى درجة عدم مشاركته في تشييع جنازة والده، أو حتى زيارة والدته المسنة.

جواد الأسدي: العرض يؤسس منصة جمالية سينوغرافية عبر مناخات حمام بغدادي

سعى جواد الأسدي في مقاربته الدرامية إلى كشف ما يعتري هاتين الشخصيتين قبل الاحتلال وبعده، ونبش ماضيهما، وإضاءة مناطق معتمة في باطنيهما، ومن خلالهما النفس الإنسانية العراقية، بين حنينها إلى الماضي، وانخراطها في واقع لا يمت إلى تاريخها الحضاري بصلة، وبين انجرافها إلى مستقبل مجهول.

في المشهد الأول من العرض يدور الحدث في الحمام، حيث يشير الفضاء إلى الخراب الذي انتهى إليه العراق بعد الاحتلال، وفيه يتغلغل الأسدي إلى الماضي بكل أحداثه ومشاهده الجميلة والمحزنة في آن معا، ويكشف عن مكونات كل شخصية على حدة، وعن الصراع الفكري بينهما.

وفي المشهد الثاني ينتقل العرض إلى فضاء يمثّل الحدود الفاصلة بين عمّان وبغداد، ويجري فيه التعبير عن حالة الفساد والانتخابات السياسية الوهمية، حيث الجثث العابرة للحدود، والذل والهوان الذي يتعرض له المواطن العراقي إلى درجة أن يقدم حميد كل أشكال التذلل للقوة الأميركية المسيطرة على الحدود، لإدخال رجل ملياردير ينوي ترشيح نفسه للانتخابات، بهدف الحصول على مكسب مادي.

ومع ذلك يموت الملياردير على الحدود لتتحول هذه الجثّة إلى كابوس يقزّز حميد ويثير أعصاب مجيد، فيطلب الثاني من الأول أن يذهب إلى المجنّدة الأميركية لإقناعها بأنهما يحملان جثّة مرموقة، مرشّحة بقوّة للانتخابات، إلاّ أن الأول يعلن رفضه الفكرة وتقزّزه من المجنّدة، وبعد نزاع عنيف بينهما يقرّر الأخ الأصغر العودة إلى عمّان، بينما يهمّ الأكبر بنبش الجثّة التي تنفجر فيه.

أما في المشهد الثالث فيدور الحدث في فضاء المشهد الأول نفسه، وفيه يحاول حميد التطهر من العمى الذي ربما سيقود إلى البصيرة. ويختتم العرض بمشهد تلاشي الشخصيتين، موظفا التشكيل البصري عبر لوحة فنية للفنان التشكيلي العراقي جبر علوان، وتركيب صورة سينمائية لتصاعد البخار في الحمام.

تجريب سينوغرافي

ركز الأسدي في عرضه على التجريب في السينوغرافيا والمؤثرات الضوئية والصوتية والأداء، مؤكدا أن عرضه “يسعى إلى تأسيس منصة جمالية سينوغرافية عبر مناخات حمام بغدادي”، وتكوين علاقة رمزية بين العري في المساحة وعري النفوس ذات الأجساد المتفجرة، حيث يشكّل الحمام رمزا لحمام الدم الذي يعيشه العراق تحت الاحتلال في جحيم بغداد المفتوح.

المخرج يسعى في مقاربته الدرامية إلى كشف ما كان يعتري الأخوين قبل الاحتلال الأميركي للعراق وبعده

وصف المخرج العراقي مناضل داود “حمام بغدادي”، بعد مشاهدته له على مسرح الحمراء في عرضه الأول، بأنه “نبش وتعرية، ونزاعات أخوية، تحول الحمام إلى مرتع شبهات واختلافات، وتجعل الأداء المسرحي مشحونا وكأنه استقى حرارته من نار الحمام وبخاره”.

ويواصل داود: “هول الانفجارات التي تدوي في المسرح تجعل المشاهد أكثر التحاما وقربا من روح العرض، بحيث يتحول المكان، المنصة وصالة العرض إلى شحنة متشابكة، يقوم خلالها الأسدي باستدراج جمهوره إلى طقوسية ضوئية، صوتية، وأدائية”.

وكشف الأسدي أن من بين الأسباب التي دفعته إلى كتابة نص “حمام بغدادي”، هو مقتل أخويه اللذين كانا يشتغلان في قيادة الحافلات على طريق (بغداد- دمشق- عمّان) بسبب غليان النزاع الطائفي ووصوله إلى اقتتال وحشي…

لذا حاول قدر الإمكان أن يرسم صورة من خلال شخصين -أخوين- يقودان الحافلات ويلتقيان في حمام للاغتسال، ومن ثمّ ينزلقان إلى كشف البؤس والعذابات والآلام التي سُلطت على الشعب العراقي عبر حكايات بسيطة ينبشان من خلالها اختلافاتهما ومشاكلهما.

16