حمام "مرجوش" الشعبي.. "سونا" الفقراء و"جاكوزي" الأغنياء

الخميس 2014/02/27
قاعة «المسلخ» ينسلخ المرء فيها عن ملابسه للاستحمام

القاهرة – (خاص العرب)- رغم كونها واحدة من سمات عصر مضى منذ سنوات طويلة، إلا أن عدداً من الحمامات الشعبية في القاهرة لا يزال يحمل نبضاً مصراً على البقاء على قيد الحياة، متحديا مراكز ونوادي وبيوت التجميل العصرية، التي باتت تنتشر في الأحياء المصرية الراقية.

لقطت أذني منذ الصغر حديث الأطفال بمدرستي، والمقيم بعضهم بشارع “باب البحر” بالقاهرة، عندما كانوا يستعدون لدخول موسم الأعياد الذي ينتظرونه بفارغ الصبر، لكي يذهبوا “ليلة الوقفة” للاستحمام بـ “الحمامات الشعبية”، وتدور بينهم المشادات عن أيهم الأفضل من حيث السعر والنظافة، حيث استقر الأطفال البسطاء على الذهاب إلى حمام “باب البحر” الأقل سعرا والأغنياء رفعوا رؤوسهم زهوا بأنهم سيذهبون إلى الحمام الأغلى سعرا والأنظف مكانا وهو حمام “مرجوش".

وفي مدخل حمام “باب البحر” أو حمام الغلابة، كما يسمونه، كتب على لافتة معلقة بأنه مغلق، وأخرى مكتوب عليها بخط اليد أن الاستحمام مرة واحدة بعشرة جنيهات (نحو دولار ونصف الدولار).

وتقول السيدة لبنى التي تجلس بجوار الحمام وتبيع البالونات والصفارات: “الحمام مقفول، لكن حمام “مرجوش” بمنطقة النحاسين بالقاهرة القديمة مفتوح، غير أنه أغلى سعرا من “باب البحر".

مدخل حمام "مرجوش" وسط القاهرة

وما إن تطأ قدماك الحارة التي يوجد فيها حمام “مرجوش” حتى ينتابك إحساس غريب بأنك انفصلت عن الواقع الذي تعيشه، حيث تتمازج دقات مطارق تشكيل الأواني والمشربيات النحاسية مع رنين صاجات حامل العرقسوس.

ويقع حمام “مرجوش” على الجهة اليسرى في منتصف شارع أمير الجيوش المتعرج من النحاسين. وتصطف أمامه يوميا السيارات الفارهة التي تتسابق لكي تجد مكانا لدخول الحارة الضيقة، وتنزل منها سيدات من “الهاي كلاس″ يقصدن الحمام من أجل “الفاشن” و”النيو لوك”، وتجاورهن أخريات فقيرات الملبس مصطفات لكي يأخذن دورهن.

وعند دخول الحمام يعترضك باب أثري، وكأنه من بوابات ألف ليلة وليلة، يليه ممر قاتم متهالك بعض الشيء يتساند على نفسه من كثرة عوامل التعرية التي أصابته، ويفضي إلى دهليز ضيق مغطى برخام له نتوءات مدببة ليجد بعدها الزائر قاعة واسعة يطلق عليها “المسلخ”، نظرا إلى انسلاخ المرء فيها عن ملابسه، جيدة الإضاءة، بها العديد من الأرائك الخشبية لاستقبال الزبائن.

وداخل الحمام توجد سيدة ممتلئة بعض الشيء ذات بياض ناصع تعتلي مصطبة ترتفع عن الأرض بأربعة سلالم رخامية، تدعى زينب، وهي “المعلمة الكبيرة” وتجاورها زوجة ابنها “المعلمة الصغيرة".

وكل زبائن الحمام سواسية في الداخل، حيث يوجد الأغنياء والفقراء، المثقفون والراقصات، لا تستطيع العين أن تفرق بين واحدة وأخرى، الجميع في أوضاع مختلفة، من تستحم، ومن تستلقي على ظهرها لكي يتم تدليك جسمها.

وتقول حبيبة، وهي مصرية مقيمة بالكويت، إنها كلما جاءت إلى مصر تحرص على الحضور إلى هذا الحمام، لكي تستمتع بعملية التدليك والاسترخاء التي تستمر معها لعدة أسابيع، وتمنحها الحيوية والنشاط.

وعندما دقت السابعة، وهو الوقت المحدد للفترة المسائية التي يرتادها الرجال، دخل “المعلم” زينهم بسمرته المصرية وتلقائيته العفوية. وجلس على مقعده الملوكي من وجهة نظره قائلا: يا أستاذة الحمامية بشوات مخفية”، موضحا كلامه أن سبب تلك المقولة هو الإقبال الشديد عليه من الناس للاستحمام والعلاج من بعض الأمراض، مثل الروماتيزم وآلام العظام والفقرات والرطوبة والأملاح، وهو ما جعل الحمام معروفا باسم أطلقه الأتراك عليه وهو “العلاج الأبكم”، لأن الحمامات الشعبية تعالج الإنسان مثل الدكتور دون أن تتكلم.

ويعتبر حمام "مرجوش" الأكثر شهرة وبعده يأتي "حمام قلاوون" و”حمام السلطان إينال” و”حمام باب البحر".

قاعة الاستحمام تتسع للكبار والصغار

ويقول المعلم زينهم بحسرة، إنه “بالرغم من شهرة الحمامات واستخدامها في بعض الأفلام السينمائية، كفيلم “حمام الملاطيلي”، إلا أن الزمن جار عليها فبعد أن كانت مصر القديمة تضم وحدها 1350 حماما شعبيا في العصر المملوكي، تقلص العدد إلى 16 حماما أثريا وأهليا في القاهرة، وأربعة حمامات فقط هي التي تعمل حتى اليوم وتقف صامدة".

ويضيف: "نحن نخوض حربا شعواء مع الأندية الرياضية ومراكز التجميل التي يسمونها “سونا".

وتوجد داخل الحمام قاعة كبيرة مثل قاعة الاستقبال، وبها أرائك عديدة للزوار من أجل الانتظار والراحة واستبدال الملابس، ويجلس فيها المعلم والناطور، وهو الحارس الذي يستقبل المستحمين ويقدم لهم الأدوات الخاصة بالاستحمام.

كما يضم الحمام قاعة واسعة تتوسطها أحواض ومصطبة دائرية يجلس عليها الزبائن للتدليك والتكييس والاستحمام بواسطة المكيساتي أو اللاونجي، الذي يقوم بتدليك الجسم.

بالإضافة إلى الجزء الداخلي وله “مغطس مستدير” تتدفق فيه المياه الساخنة إلى درجة الغليان، وسقف هذا الجزء على شكل قبة كروية بها فتحات مستديرة لدخول الهواء والنور.

ربما تكون هناك بعض المحظورات التي تفرضها الضرورة على الحمامات الشعبية، لكنها تتراجع أمام الخبرة المتوارثة والمتراكمة للعاملين بها والمواد الطبيعية المستخدمة فيها، وهي تتشبث بقوة لكي تحتفظ بمكانتها في عالم الأجهزة الحديثة والتكنولوجيا.

20