حماية الأسرة التونسية تقتضي تمديد إجازات الوالدين

تمديد عطلة الأمومة والأبوة يحقق التوازن النفسي للطفل ويهدف إلى تقاسم تربية الأبناء بين الوالدين.
الأحد 2018/12/16
الأم تتحمل وحدها أعباء رعاية الأبناء

يتصاعد الجدل في الأوساط الاجتماعية التونسية حول مقترح قانون جديد يهدف إلى إطالة فترة إجازة الأمومة والأبوة والتمديد في فترة الرضاعة للأمهات العاملات، وتنطلق فلسفة القانون من حاجيات الأطفال التي باتت تستدعي المزيد من الاهتمام من قبل الأسرة والدولة ومن السعي إلى مزيد تشريك الأب في مهمة تربية الأبناء.

تونس - طالب المجتمع المدني في تونس الحكومة بالتسريع في المصادقة على قانون إجازة الأمومة الذي يحمل تعديلات تقضي إلى تمديد الإجازة بشهر قبل الولادة وشهرين بعدها، يترك فيها الاختيار بين الزوج والزوجة.

وقالت وزيرة المرأة التونسية نزيهة لعبيدي، إنّ “مشروع قانون إجازة الأمومة بصدد الدراسة لدى مصالح رئاسة الحكومة قبل المصادقة عليه في المجلس الوزاري في الأيام القليلة القادمة”.

ويسمح القانون بتمديد عطلة الأمومة إلى 14 أسبوعا في القطاعين العام والخاص، مقابل ما يقارب 10 أسابيع في القطاع العمومي وشهر واحد في القطاع الخاص، حاليا. ويمنح نفس النص القانوني، عطلة أبوة مدتها 15 يوما، مقابل يومين فحسب معمول بها حاليا، وفق مقتضيات القانون المعمول به.

كما ينص مشروع القانون أيضا، على الترفيع في حق التمتع بـ”ساعة الرضاعة” إلى 12 شهرا في القطاعين العمومي والخاص، مقابل 9 أشهر، حاليا، في القطاع العام و6 أشهر في القطاع الخاص.

ويرى خبراء أن دعوات التسريع في تطبيق القانون الجديد تكشف عن وعي المجتمع المدني والجهات الرسمية بحجم النقائص التي يعاني منها الأطفال مرحلة الطفولة المبكرة بسبب انشغال أهاليهم في العمل.

ومن شأن هذه الإجراءات حماية الأسرة التونسية من التفكك وتعزيز الروابط بين أفرادها. وتأتي هذه الدعوة في إطار جهود المجتمع المدني لترسيخ ثقافة المساواة بين الجنسين في تقاسم مسؤولية تربية الأطفال.

الكثير من الأمهات العاملات اضطررن لإيداع أطفالهن في مؤسسات عشوائية لا تخضع للرقابة لظروفهن المادية

وقال معز الشريف رئيس الجمعية التونسية للدفاع عن حقوق الطفل في حديث لـ”العرب”، إن “المطالبة بتمديد عطلة الأمومة والأبوة هدفها تقاسم تربية الأبناء بين الوالدين، إذ لم يعد مقبولا أن تتحمل الأم بمفردها عبء تربية الأبناء”، وتابع “طالبنا بتمديد عطلة الأمومة أو الأبوة وهو أمر اختياري بين الطرفين بهدف توفير حاجيات الأطفال خاصة أولئك في مرحلة الطفولة مبكرة، ويعتبر هذا المطلب أحد أشكال المساواة”.

ويعتقد الشريف أنه من شأن تمديد الإجازة أن “يحقق التوازن النفسي للطفل وحتى لا يجد نفسه محروما من والديه منذ الصغر، خاصة وأن ظروف عمل الوالدين تستغرق ساعات طويلة من اليوم، إلى جانب الوقت الذي يضيع في التنقل من مقر السكن إلى مقر العمل ما يؤدي إلى إنقاص وقت الوالدين مع أبنائهم وبالتالي إلى صعوبة في التواصل بين أفراد العائلة الواحدة”.

ولفت الشريف إلى أن زيادة أيام الإجازة يعد حلا لمواجهة النقص الفادح في مؤسسات رعاية الطفولة من رياض أطفال ومحاضن. وأوضح أن “عدد رياض الأطفال المتوفر حاليا في تونس غير كاف لاستيعاب كل الأطفال حيث يتردد 40 بالمئة فقط منهم عليها”.

ويحرم الكثير من الأطفال من التسجيل في مؤسسات رعاية الطفولة لأسباب متعددة أهمها بحسب الدراسات الاجتماعية والاقتصادية ارتفاع التكلفة وضعف المقدرة المالية لدى عدد هام من الأسر التونسية بسبب غلاء المعيشة.

ونتج عن هذا الوضع حالة من التمييز إذ ليس بوسع كل الأسر التونسية أن تودع أبناءها في رياض أطفال خاصة من ذوي الدخل المادي الضعيف، ولا يختلف وضع المحاضن كثيرا عن رياض الأطفال إذ ما يزال انتشارها ضعيفا كما تفتقد لشروط الرعاية الآمنة للطفل.

وأكد الشريف أن هناك نقصا فادحا في محاضن الأطفال في تونس سواء في القطاع الخاص أو العام، لافتا إلى أن الكثير من الأمهات العاملات يجدن أنفسهن مضطرات لإيداع أبنائهن في مؤسسات عشوائية لا تخضع لرقابة الدولة ولا توفر الحماية اللازمة للأطفال. ودعا الشريف إلى ضرورة مراجعة قانون رياض الأطفال والمحاضن، وطالب الحكومة بالتدخل بقوة وبشكل مباشر في ميدان رعاية الطفولة.

ومن المقرر أن ينظر البرلمان التونسي في الفترة القادمة في مشروع قانون محاضن ورياض الأطفال والذي يهدف إلى تنظيم القطاع من الناحية الإجرائية ومن النواحي البيداغوجية إضافة إلى تنظيم الرقابة والمتابعة الصحية وحماية الأطفال من العنف الذي يتعرّضون له داخل هذه المؤسسات خاصة أن الأرقام الأخيرة سجلت ارتفاعا في نسب العنف المسلّط عليهم.

مسؤولية مشتركة

وينصّ مشروع القانون على عقوبات زجرية ضدّ المحاضن ورياض الأطفال المخالفة للقانون، ويتضمن خطايا مالية وعقوبات بالسجن.

ويتسق رأي معز شريف مع رأي مسعود الرمضاني رئيس المنتدى الاجتماعي والاقتصادي في تونس، الذي صرح لـ”العرب”، أن “رياض الأطفال تعاني من نقائص سواء على مستوى الفضاء التربوي أو على مستوى الاختصاص وتفتقد لبنية أساسية سليمة”.

وأكد أن “هناك أزمة في الأسرة التونسية كنواة المجتمع تستدعي التمديد في إجازة الأمومة والأبوة في القطاع العام والخاص لتجنب إهمال الأطفال”.

ولا تبدو الفترة المعتمدة حاليا كافية لتوفير الرعاية اللازمة للأبناء أمام تفاقم المشاكل العائلية وارتفاع معدلات الطلاق وجرائم الاعتداء على الطفل… وأضاف الرمضاني “إذا أردنا أن نكوّن جيلا أفضل لا بد من تمديد إجازة الأمومة، إذ من شأن هذه الخطوة أن تكون ذات فوائد كبيرة على الطفل وأن تلعب دورا حاسما في تكوين شخصيته”.

وأكّدت مليكة الورغي مديرة شؤون الأسرة في وزارة المرأة والأسرة والطفولة، الجمعة، أنّ تعديلات أدخلت على مشروع قانون إجازة الأمومة في القطاعين العام والخاص الذي تمت صياغته في العام الماضي.

وكشفت الورغي في حديثها لإذاعة محلية خاصة عن تحفظ القطاع الخاص على مشروع القانون الجديد، حيث أفصحت منظمة أرباب العمل على مؤاخذات حول مشروع القانون، اعتبارا لوجود ”أثر مالي” قد يعيق مهام المؤسسة حسب تقديرهم.

ويتضمن مشروع القانون المقترح العديد من النقاط  منها التمديد في إجازة الإنجاب وتمتيع الأم بعطلة الأمومة حتى في حال فقدان الجنين وإمكانية تمديد الإجازة بالنسبة للولادة بتوأم وتمديد ساعات الرضاعة.

21