حماية الطفل من شبكات التطرف بالإنترنت مسؤولية جماعية

دور الأسرة يجمع بين التربية والمراقبة المستمرة ويتعين تقديم خطاب بديل وآمن من أجل استخدام سليم للانترنت.
الجمعة 2018/03/23
اليوتيوب أكثر المواقع استخداما لدى الشباب المغاربة

تسعى الدول والمنظمات الدولية والمحلية في الوقت الحاضر إلى حماية الناشئة من كل ما من شأنه أن يهدد تكوينهم السليم والطبيعي دون أن يشملهم تعطش المتطرفين الى تجنيد كل غرّ لا يملك أدوات اصطفاء المعلومات والعلاقات داخل فضاءات العالم الافتراضي.
وبخصوص السبيل إلى حماية الأطفال المغاربة اليافعين من التطرف خصوصا في ما يتضمنه محتوى وسائل التواصل الاجتماعي أكد إدريس الكنبوري، الباحث في الجماعات الاسلامية، أن على الأسرة أن تلعب الأدوار المنوطة بها في التربية والمراقبة بعدما تخلت اليوم عن دورها لتشغله الإنترنت والتلفزيون. فالأسرة -يقول الكنبوري لـ”العرب”- هي البيئة الأولى التي فيها يفتح الطفل المغربي عينيه، ويجب أن يجد في هذه البيئة مختلف العناصر التي سيجدها غدا في المجتمع، لأن الأسرة مجتمع أولي مصغر، ومن هذه العناصر التسامح والتعدد والحوار والإنصات.
وأوضح أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء، أنه من أجل مواكبة علمية لهذه الفئة، يتعين تقديم خطاب بديل ومقنع وآمن، مما يفرض ضرورة المواكبة والتوجيه، من أجل استخدام سليم لكل هذه الوسائل والوسائط من لدن الطفولة والشباب، ونشر وبث قواعد أخلاقية للتعاملات الرقمية، وكذلك وضع معايير قيمية لاستخدام وتوظيف التكنولوجيا لدى الناشئة والشباب، درءا لكافة أوجه الانزلاق إلى السلوكيات الخطرة، وتحصينا لهم من أن يكونوا عرضة للأفكار الهدامة.
 والكل أصبح مقتنعا بأن الحل لمحاربة ومحاصرة المد المتطرف عبر عدة منصات ومنها الإنترنت، يكمن في تدخل المنظمات الدولية المعنية بالثقافة والفكر. وبهذا الخصوص قال الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء “إن التشبيكات التي تتيحها المنظمات الدولية تعود بالفائدة على جميع الأطراف، وذلك عبر بلورة تجارب فضلى يمكن اقتسامها مع الدول التي تجمعها روابط حضارية ودينية مشتركة مع المملكة”.

 

تعددت الدراسات التي تعنى باستغلال الإنترنت من طرف المجموعات المتطرفة وغيرها لحقن الأطفال بشحنات مكثفة من التطرف. ونبهت تلك الدراسات إلى خطر ترك الأطفال اليافعين عرضة للقصف الإنترنتي السلبي دون مراقبة أو تدخل من المعنيين بالأمن الاجتماعي

من جانبها شددت المسؤولة الأممية ريجينا دو دومينسيس على ضرورة الاشتغال مع فاعلين حكوميين آخرين وعلماء دين لإنجاح هذه التجربة، في أفق تعميمها على الصعيد العالمي، مسجلة عزم المنظمة على نسج علاقات تعاون مع حكومات بلدان صديقة تقتسم معها وجهات النظر في ما يتعلق بقضايا الطفولة.
وأطلقت الرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب (هيئة رسمية) مبادرة “إشراق” بهدف “تعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال في صفوف المراهقين والشباب، وتلقينهم مهارات “الإبحار الرقمي الآمن” الذي يمكنهم من تجنب الوقوع في فخ الخطاب المتشدد المنتشر على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ثم العمل على نقل الخبرات التي تلقوها في ورشات التكوين إلى الأطفال الآخرين عبر مقاربة “التثقيف بالنظير”.
وإلى جانب أن الإنترنت بالنسبة إلى الأطفال مصدر مهم للمعلومات وفضاء متميز للترفيه فإنه حسب الحسين أنيس،  كاتب عام اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، يعج بالعديد من الوحوش الآدمية والمرضى الذين يتربصون باليافعين قصد استدراجهم والإيقاع بهم مستغلين براءتهم وقلة وعيهم بمختلف مخاطر العالم الافتراضي كالتعرض لمحتويات إباحية أو التأثير بأيديولوجيات متطرفة أو الاستهداف من قبل المتحرشين بالأطفال.
وعاد إدريس الكنبوري إلى التأكيد على أن طريقة حل المشكلات داخل الأسرة تحدد طريقة تعامل الطفل مع مشكلات المجتمع في المستقبل، ولذلك فإن الأسرة التي توجد فيها عناصر القمع والكبت والزجر والنزاع توفر أرضية خصبة للروح العدوانية لدى الطفل، معتبرا أن المرحلة الطفلية لا يوجد فيها تباين بين الواقع والخيال، والإنترنت كعالم افتراضي يحقق للطفل هذا الاندماج ولذلك نلاحظ سهولة الإيقاع بالأطفال والمراهقين من قبل الشبكات المتطرفة عبر الإنترنت.
وكشفت الدراسة الميدانية التي أعدها المركز المغربي للبحث متعدد التخصصات والابتكار أن 90 بالمئة من الأطفال والشباب المغاربة ليست لهم معرفة بمخاطر الإنترنت والجرائم الإلكترونية، و65 بالمئة من الأطفال والشباب المغاربة يقضون أقل من ساعتين يوميّا في متابعة الإنترنت بشكل حر لا يخضع لأي نوع من الرقابة، وتصدرت مواقع وشبكات التواصل الاجتماعي اهتمامات هذه الفئة من المغاربة، حيث أن موقع يوتيوب كان الأكثر استخداما، بنسبة بلغت 79 بالمئة، متبوعا بموقع واتساب بـ58 بالمئة.
وفي هذا الصدد أشارت ممثلة “يونيسيف” بالمغرب، ريجينا دو دومينسيس إلى أن الإحصائيات الراهنة تقدر نسبة الناشئة المرتبطة بشبكة الإنترنت عبر العالم بأزيد من 88 بالمئة، مؤكدة أنه يتعين تحصين هذه الفئة ضد مظاهر التطرف والانغلاق.
وتتنوع أساليب استهداف القاصرين للإيقاع بهم من طرف الشبكات الناشطة بعالم الإنترنت، من أهمها إدمان هؤلاء على الإبحار وتصفح المواقع الاجتماعية واللعب وإعلانات الألعاب والأفلام وغيرها من الفضاءات التي يرتادها الأطفال. ويقول أنيس إنها من أهم ما يمكن قرصنته والاستيلاء على المعطيات الشخصية المخزنة بداخله.
وانطلاقا من تجربتها المهنية في مجال الحيل التي تسلكها الجماعات المتطرفة لغسل أدمغة الأطفال والمراهقين، حذرت فاتن الشنتوف نائبة وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط، المكلفة بخلية محاربة العنف ضد النساء والأطفال، من مغبة السقوط في فخ هذه العصابات التي أصبحت تتخذ من الفضاء الرقمي والتواصل التكنولوجي بيئة خصبة لها، بأساليب قد تنطلي على الأطفال بسهولة بالغة. وأضافت أن هدف هذه الجماعات من استهداف الأطفال هو ضمان وجود واستمرارية خليفة لهم في الأجيال الصاعدة.
ولهذا دعا كلود جانيزي، الرئيس السابق للجنة “لانزاروت”، إلى حماية الأطفال ضحايا الاستغلال عبر الإنترنت، مشددا على ضرورة التعاون الدولي للوقوف أمام استغلال الأطفال عبر الإنترنت، وصياغة طريقة للتعامل مع الجرائم العابرة للحدود ضد الأطفال، والتي يُيَسّرها ويُنمّي استفحالها استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
وتعد حماية الأطفال ضد جميع أشكال العنف على الإنترنت من أولى أولويات المجتمع والدولة المغربية، ما جعل الحسين أنيس يوضح أن ذلك يستوجب مقاربة شمولية ومستمرة تساهم فيها كل مكونات المجتمع.

21