حماية حقوق الشعوب الأصلية نداء أممي لمصالحة الحاضر مع الماضي

حفظ الذاكرة والبحث في سبل تناقل الموروث رهان الأمم المتحدة، وإحياء لغات السكان الأصليين يوطد علاقة الفرد بجذوره.
الخميس 2019/04/25
احترام الموروث حاجة لإحلال السلام

إن الشعوب الأصلية أو ما يطلق على تسميتها بالسكان الأصليين، هي المنحدرة من السكان الأوائل في بلدان كثيرة، والتي تحتفظ بدياناتها وعاداتها وتقاليدها، وتعيش في قرابة 70 بلدا، لكن رغم أنها لا يتجاوز عدد أفرادها نسبة 6 بالمئة من إجمالي سكان العالم، فإنها ظلت تعاني إلى اليوم من قضايا كبرى، أهمها التهميش وخاصة عدم احترام ثقافاتها وأنماط عيشها ومحاولة دمجها ضمن ثقافات الشعوب التي استعمرتها، فالشعوب الأصلية ما زالت تتشبث بلغاتها الأصلية، كما تطالب بالرفع من مستويات عيش أفرادها، حيث يمثلون نسبة 15 بالمئة من نسب الفقر في العالم، ولهذا الغرض، تنظم أعمال منتدى الأمم المتحدة السنوي للبحث في قضايا الشعوب الأصلية ومناقشتها لإيجاد الحلول والبدائل.

نيويورك - يعيش العالم منذ بداية الأسبوع على وقع انطلاق أشغال أعمال منتدى الأمم المتحدة السنوي والذي يُعنى بقضايا ومشاغل الشعوب الأصلية، في محاولة لمناقشة سبل نقل وتوارث المعارف التقليدية بين أجيال الشعوب الأصلية والحفاظ عليها.

وتُناقش ضمن أشغال هذا المنتدى السنوي الذي سيتواصل على مدى أسبوعبن، كل القضايا الراهنة أو القديمة التي تحيط بالسكان الأصليين في مختلف أصقاع العالم وذلك بحضور أكثر من ألف مشارك من أفراد الشعوب الأصلية.

عند الحديث عن الشعوب الأصلية لا بد من التطرق إلى ماهيتها، حتى قبل الغوص في إشكالاتها، فالسكان الأصليون، هم الشعوب الأصلية التي أقامت على الأرض قبل أن تتم السيطرة عليها بالقوة من قبل الاستعمار.

ووفقا لتقرير لجنة حماية وتعزيز حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فإن الشعوب الأصلية هي “تلك التي، قد توفرت لها استمرارية تاريخية في مجتمعات تطورت على أراضيها قبل الغزو وقبل الاستعمار، وتعتبر نفسها متميزة عن القطاعات الأخرى من المجتمعات السائدة الآن في تلك الأراضي، أو في أجزاء منها، وهي تشكل في الوقت الحاضر قطاعات غير مهيمنة في المجتمع، وتعقد العزم على الحفاظ على أراضي أجدادها وهويتها الإثنية وعلى تنميتها وتوريثها للأجيال القادمة”.

فرناندا إسبينوزا: فهم الماضي والبحث عن المصالحة جزء مهم من جهود الأمم المتحدة
فرناندا إسبينوزا: فهم الماضي والبحث عن المصالحة جزء مهم من جهود الأمم المتحدة

ويقدر تعداد الشعوب الأصلية على صعيد العالم ما بين 300 و500 مليون فرد، إلا أن علاقاتهم الخاصة بالأرض، التي تعتبر تعايشا كيانيا أساسيا حاسما في بقائهم، واجهت منذ قرون خطر المستعمرين.

ويعتبر السكان الأصليون اليوم من أكثر المجموعات حرمانا على وجه الأرض. فعندما يدمجون في مجتمع قومي يواجهون التمييز والاستغلال، وكثيرا ما يعانون من أسوأ ظروف العيش. أما الذين يبقون في مناطقهم التقليدية، فيواجهون التشرد المكاني عند المطالبة بأراضيهم لأغراض التنمية الوطنية.

وبحسب بيانات الأمم المتحدة، تشكل الشعوب الأصلية أقل من 6 بالمئة من سكان العالم، ولكنها تمثل 15 بالمئة من أفقر السكان. ويعيش سكان الشعوب الأصلية في حوالي 90 دولة، ويمثلون نحو خمسة آلاف ثقافة مختلفة، ويتحدثون أغلبية ساحقة من لغات العالم، التي يقدر عددها بـ6700 لغة.

ومن القضايا التي يطالب السكان الأصليون بحلحلتها، هي إرساء العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات مع أفراد الدول التي يقيمون فيها. وسبق لهم في أكثر من مرة طيلة عقود أن نظموا على الأصعدة المحلية والإقليمية احتجاجات طالبوا عبرها باحترام ثقافاتهم وأنماط عيشهم وبالمشاركة الكاملة في عمليات صنع القرار التي تؤثر عليهم.

وأكدت رئيسة المنتدى الدائم آن نورغام في كلمتها، خلال افتتاح منتدى الأمم المتحدة للبحث في قضايا الشعوب الأصلية أن “المعرفة التقليدية هي جوهر هويتنا وثقافتنا ولغاتنا وتراثنا وسبل عيشنا، ويجب حمايتها”.

وأضافت أن التاريخ العالمي للاستعمار والاستغلال والتجريد من الممتلكات لا يزال يقوض ويقلل معارفنا التقليدية. ونحن بحاجة إلى التأكد من أن ممارساتنا التعليمية ولغاتنا وجهود الحفاظ على البيئة وإدارتها يتم الاعتراف بها واحترامها عالميا، ليس من جانب الحكومات فحسب، بل من قبل جميع الشعوب”.

من أكثر المجموعات حرمانا على وجه الأرض
من أكثر المجموعات حرمانا على وجه الأرض

وقالت رئيسة المنتدى إن “فهم الماضي والبحث عن المصالحة جزء مهم من هذه الجهود”.

من جانبها، أكدت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ماريا فرناندا إسبينوزا إن إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية لعام 2017 كان خطوة مهمة، ولكنها نوهت بوجود العديد من التحديات في طريق تطبيق الإعلان بشكل فعال. وقالت “يجب عمل الكثير للتغلب على فجوة التنفيذ. وعلى العالم ديون تاريخية للشعوب الأصلية”.

وسيناقش المنتدى أيضا السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية، التي تحتفل بها الأمم المتحدة هذا العام، وخطة التنمية المستدامة لعام 2030، وصون حقوق الشعوب الأصلية ونسائها وأطفالها.

وستعقد أكثر من مئة فعالية جانبية، خلال هذه الدورة ، ترعاها منظمات الشعوب الأصلية والدول الأعضاء في الأمم المتحدة وكيانات الأمم المتحدة والمنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية وغير ذلك من أصحاب المصلحة.

وعلى الرغم مما يحظى به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي يقر بالحقوق الأساسية لكل الأفراد من تقدير وقبول دوليين. إلا أن الشعوب الأصلية لا تتمتع على الصعيد العملي بالحد الأدنى من الحقوق. فإلى يومنا هذا، تواجه عدة مخاطر تهدد وجودها.

ومن بين الرهانات المطروحة على طاولة منتدى الأمم المتحدة، تكمن في وجوب تعزيز لغات الشعوب الأصلية، وذلك للحفاظ على حيوية ما تبقى من هذه اللغات، وقد أطلقت الأمم المتحدة في مقرها بنيويورك الجمعة الماضي رسميا السنة الدولية للغات الشعوب الأصلية.

ضرورة فهم الماضي والبحث عن المصالحة
ضرورة فهم الماضي والبحث عن المصالحة 

 وتحدث الزعيم كِنان توكان هيمليك، من إثنية شعب “الموهاك” وهو مجتمع من الشعوب الأصلية في أميركا الشمالية، مثنيا على “روح الأرض الأم”.

وقال “باعتبارنا شعوبا أصلية، فإن لغاتنا هي لغات الأرض وهي اللغات التي نستخدمها للتحدث مع أمنا الأرض” متحدثا عن قناعته بأن “صحة لغاتنا وسلامتها مرتبطة بصحة الأرض، والتي أسيئت معاملتها”.

وأوضح “نحن نفقد علاقتنا وطرقنا القديمة في معرفة الأرض عندما تسكت لغاتنا،” مشددا على ضرورة أن يضمن العالم أن “الأجيال الجديدة تستطيع التحدث بلغة أسلافها”.

فيما، أكدت رئيسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ماريا فرناندا إسبينوزا على العلاقة الوثيقة بين اللغات الأصلية، وثقافة ومعارف الأسلاف من الشعوب القديمة. وقالت إن هذه اللغات “أكثر بكثير من كونها مجرد أدوات للتواصل، فهي قنوات تربطنا بإرث الإنسان”.

وقالت السيدة إسبينوزا “إن لكل لغة من لغات الشعوب الأصلية قيمة لا تقدر بثمن، لكل البشرية” ووصفت هذه اللغات بكنوز “محمّلة بالتاريخ والقيم والآداب والروحانيات والآفاق والمعرفة، التي تطورت على مدى ألف عام”. وقالت رئيسة الجمعية العامة إنه “عندما تموت لغة ما، فإنها تأخذ معها كل الذاكرة المرتبطة بها”.

الدفاع عن الأرض الأم
الدفاع عن الأرض الأم

وذكرت رئيسة الجمعية العامة أن العام الدولي يجب أن يكون منبرا لوقف الاتجاه الذي ينذر بخطر انقراض اللغات الأصلية واستردادها والحفاظ عليها” بما في ذلك عن طريق تنفيذ نظم التعليم التي تضع أولوية لاستخدام اللغة الأم.

من جانبه، تناول رئيس بوليفيا إيفو موراليس كيف استطاعت الشعوب الأصلية ولغاتها الحفاظ على بقائها رغم وطأة الاستعمار وتأثيره. وقال “نحن هنا اليوم، بعد أن نجونا من الحقبة الاستعمارية، التي حاولت أن تركِّع أجدادنا وأن تسحقهم تحت ثقل الظلم”.

ودعا موراليس الحاضرين إلى العمل معا عبر الحوار لتعزيز السياسات التي تساعد على الحفاظ على حياة السكان الأصليين وهوياتهم وقيمهم وثقافاتهم.

وأشار الرئيس البوليفيي إلى أن هناك حوالي 770 مليون شخص من السكان الأصليين في 90 دولة، يشكلون 6 بالمئة من سكان العالم، ويعيشون في العديد من مناطق التنوع. ومع ذلك، فإن “الجشع الرأسمالي” قد جعلهم “من بين أفقر سكان الأرض”.

وشجع الجميع على “الحفاظ على معارف أسلافنا القدماء وحكمتهم” وحث على تبني أنموذج جديد من ثمرة حكمة الشعوب الأصلية، وذلك للدفاع عن الأرض الأم.

13