حمة الهمامي: أزمة تونس في حكومتها

الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية يؤكد أن حركة النهضة تستغل رئيس الحكومة للتستر على ملف الاغتيالات وجهازها السري حقيقة موثقة.
الاثنين 2019/02/11
الهمامي: علاقة الشاهد بالنهضة أشبه بـ"تحالف الثعالب"

يختزل حمة الهمامي، أمين عام حزب العمّال والناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية المعارضة في تونس، أزمة البلاد في الحكومة، وتحديدا التحالف بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحركة النهضة، الذي شبهه، في مقابلة مع وكالة الأنباء الألمانية، بـ”تحالف الثعالب”، الذي يهدد البلاد سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

القاهرة – لا تزال قضية الجهاز السري لحركة النهضة، الشريكة في الائتلاف الحاكم في تونس، والتي تتهمها هيئة الدفاع عن المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، بالضلوع في عمليتي اغتيالهما، محفوفة بالكثير من الغموض ومحل جدل كبير في الشارع التونسي، تغذّيه التجاذبات المحيطة بهذا الملف وتقاطع السياسي بالقضائي فيه.

ويؤكّد حمة الهمامي، الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية اليسارية المعارضة، جدية الاتهامات الموجهة لحركة النهضة وقياداتها، وأنها “لم تأت من فراغ”، مشددا في حوار مع وكالة الأنباء الألمانية “د.ب.أ” أن “الاتهامات ضد النهضة في قضية الجهاز السري وعلاقته بالاغتيالات السياسية، وخاصة اغتيال القياديين في الجبهة الشعبية شكري بلعيد ومحمد البراهمي عام 2013 ليست كيدية، وإنما مدعومة بوثائق ومستندات قانونية، أي أن الأمر ليس مجرد صراع أيديولوجي أو محاولة لتشويهها قبل الانتخابات (المقررة خلال العام الجاري)”.

وتابع “هناك وثائق كثيرة حصلت عليها هيئة الدفاع عن الشهيدين من الجهات القضائية تتعلق بمصطفى خضر الذي وجه له قضاة التحقيق مؤخرا تهمة الضلوع في اغتيال الشهيد البراهمي. ومن بين هذه الوثائق ليس فقط ما يؤكد علاقة خضر بقيادات النهضة وإنما أيضا ما يثبت تأسيسها لجهاز سري لمراقبة خصومها واختراق أجهزة الدولة ومفاصل المجتمع ومتابعة الأحزاب والجمعيات والمنظمات والإعلاميين وكوادر الأمن والجيش وغير ذلك”.

وقال الهمامي، الذي يشغل موقع الأمين العام لحزب العمال، “كما اعتدنا من النهضة، نفت من البداية أي معرفة لها بخضر، ولكن مع تضييق الخناق عليها اضطر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي مؤخرا إلى الاعتراف بأن خضر يرتبط بعلاقة إنسانية مع بعض قيادات الحركة”.

تحالف الثعالب

Thumbnail

رغم أن قاضي التحقيق المتعهّد بملف القضية أقر، وفق محاضر البحث التي أكدتها وزارة العدل التونسية، بوجود غرفة سرية تحتوي المئات من الوثائق، إلا أن حركة النهضة تتمسّك في خطاباتها الرسمية بأن المسألة لا تعدو أن تكون سوى اتهامات باطلة هدفها إزاحتها وعزلها من المشهد السياسي.

وتحمل الجبهة الشعبية أجهزة الدولة واجب التحقيق والبت في القضية لما تتضمنه من خطورة على أمن البلاد. وصعدت الجبهة في خطابها منذ أن تغيرت ملامح المشهد السياسي، واصطفت حركة النهضة بقوة خلف رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وقسمت السلطة التنفيذية وعموما الساحة السياسية في تونس.

ويصف حمة الهمامي التحالف بين رئيس الحكومة وحركة النهضة “بتحالف الثعالب لكونه بين طرفين محتالين”. ولم يستبعد استغلال يوسف الشاهد لسلطاته للتستر على النهضة في قضية الاغتيالات السياسية. ويوضح قائلا إن “يوسف الشاهد لم يدل بأي تصريح حول ملف التنظيم السري للنهضة رغم تفجره شعبيا وإعلاميا، وطبعا هذا يأتي في إطار استمرار المصالح المتبادلة بين الجانبين”.

لكنه يستدرك مرجحا “عدم صمود التحالف بينهما لوقت طويل نظرا لتضارب المصالح مع اقتراب الانتخابات”، ويجدد وصفه للعلاقة بينهما بأنها “أشبه بتحالف الثعالب لكونها بين طرفين محتالين… ومع تضارب المصالح مع اقتراب الانتخابات نتوقع تفكك أواصر هذا التحالف… فالشاهد ينوي الترشح إلى الرئاسيات وهناك أحاديث عن احتمالية ترشح الغنوشي أيضا”.

التحالف بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والحركة أشبه بتحالف الثعالب.. وهو تحالف هش فمع تضارب المصالح مع اقتراب الانتخابات نتوقع تفكك أواصره

وتشهد تونس انطلاق حملة انتخابية مبكرة قبل الاستحقاق الانتخابي في أكتوبر 2019، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وتحولات أزمة اجتماعية خطيرة يحمّل حمة الهمامي أطراف الحكم المسؤولية عنها.

ويرى أن “كل أزمات البلاد حاليا سببها الصراع السياسي المتعفن على كراسي السلطة بين أطراف الحكم، أي بين النداء ومعه مؤسسة الرئاسة، والنهضة، وأخيرا الشاهد، فكل طرف يسعى لتوسيع سيطرته على أجهزة الدولة ليكون هو الفائز بانتخابات 2019″.

ويضيف أنه “نتيجة للصراعات، وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن: أقل نسبة نمو، أكبر نسبة مديونية وتضخم، استشراء الفساد بشكل عام، نقص واضح في الأدوية والسلع الغذائية الرئيسية… وكل هذا وغيره أدى إلى توترات اجتماعية شديدة دفعت النقابات والاتحاد العام للشغل إلى تنفيذ احتجاجات وإضرابات”.

ويشير إلى أنه “عندما تصبح الطبقات المتوسطة عاجزة عن تحقيق متطلباتها الأساسية… ناهيك عن الطبقات الفقيرة والمعدمة، يصبح الإضراب أمرا مشروعا، وتكون الحكومة نفسها هي المسؤولة عن عواقبه”، مضيفا بقوله “مؤخرا وقعت الحكومة مع اتحاد الشغل اتفاقا لرفع الأجور لتفادي الدعوة إلى إضراب جديد، وكان بإمكانها التوقيع عليه من البداية، بدلا من إضاعة الوقت والأموال على الدولة”.

Thumbnail

ويستنكر الهمامي ما يتردد عن أن الجبهة الشعبية استغلت قضيتي الاغتيالات والإضرابات لمواجهة خصومها، خاصة وأن نتائجها السابقة لا تؤهلها لمواجهتهم في معركة انتخابية قائمة على تقديم البدائل الواقعية. ويؤكد أن “هذا ليس صحيحا… نحن بالجبهة،

وكذلك اتحاد الشغل، طالبنا من البداية حكومة الشاهد بأمور واضحة رأينا أنها قادرة على النهوض بالوضع الاقتصادي، كمحاربة التهرب الضريبي

الذي يقارب حجمه ضعفي قرض صندوق النقد الدولي، فضلا عن محاربة الفساد، ودمج الاقتصاد الموازي الذي تعادل نسبته حاليا 54 بالمئة من الناتج المحلي”.

ويضف أنه “مع استمرار التعنت والانصياع لمطالب صندوق النقد وكبار الأثرياء على حساب الكادحين طالبنا بضرورة رحيل هذه الحكومة التي بات وجودها خطرا ليس فقط على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وإنما أيضا على الوضع السياسي أي إجراء الانتخابات القادمة”.

ويوضح أن “هناك اليوم حديثا عن تعديل قانوني لفرض عتبة بـ5 بالمئة (أي اشتراط حصول الحزب على هذه النسبة بحد أدنى ليتم تمثيله في البرلمان)، وهذا يعزز احتكار التحالف الراهن بين يوسف الشاهد وحركة النهضة للحياة السياسية، خاصة بعد تراجع حضور نداء تونس بالمشهد… كما أن مثل هذا التعديل سيقصي الأقليات السياسية من المشهد على نحو مطلق”.

الجبهة والانتخابات

Thumbnail

تعيش الجبهة الشعبية على وقع أزمة داخلية حادة يرجح أنها ستزيد في تقهقرها خاصة مع تزايد وتيرة الخلافات بين أبرز مكوناتها اليسارية وبالتحديد حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد الذي ينحدر منه المعارض شكري بلعيد.

وعن السبل التي ستنتهجها الجبهة في الفترة القادمة، يرى حمة الهمامي أن “تكاتف الجبهة مع قوى مدنية وأهلية ونقابية وسياسية سيكون قادرا على الضغط على الحكومة من أجل الاستقالة”، لافتا إلى أن “موقف الجبهة الشعبية المبدئي، وحتى اللحظة الراهنة، هو المشاركة بشكل مستقل في كل من الانتخابات التشريعية والرئاسية”.

ويحذر من وجود تأثيرات لا علاقة لها بالسياسة على سير الانتخابات، مشددا بقوله “لا نرمي الاتهامات جزافا، فاليوم هناك تحركات قضائية من قبل البنك المركزي لتتبع وتحري مصادر دخل عدد من كوادر النهضة، فضلا عن التقارير عن تعاقد النهضة مع إحدى شركات الدعاية لتحسين صورتها عالميا ومحليا قبل الانتخابات نظير مبلغ 18 مليون دولار.. فمن أين جاءت النهضة بهذه الأموال؟ هذا بالطبع إلى جانب استغلال الدين في الحملة الانتخابية عبر توظيف عدد كبير من المدارس الدينية والجمعيات الأهلية غير المرخصة التي تتبعها بشكل أو بآخر”.

وفي خضم الجدل الذي أثاره، وما زال، ملف الجهاز السري، انفجرت أزمة أخرى في تونس حازت على اهتمام الرأي العام ورفعت من منسوب التوتر في البلاد. كما خصمت أكثر من رصيد الإسلاميين.

على هذه الحكومة أن ترحل لأن وجودها بات خطرا ليس فقط على الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وإنما أيضا على الوضع السياسي أي إجراء الانتخابات القادمة في تونس

ويعلق حمة الهمامي على هذه القضية قائلا إن “الجميع يعلم بقضية المدرسة القرآنية التي أثارت استياء الرأي العام التونسي بعدما شهدت احتجاز عدد من الأطفال في ظروف بالغة السوء صحيا وبيئيا بهدف ملء أدمغتهم بأفكار متطرفة تهدف إلى أفغنة ودعشنة جيل كامل، ومع ذلك تطوعت قيادات من حركة النهضة في البداية للدفاع عنها، ولكن بعد الانتقادات الشعبية القوية لهذه المواقف اضطرت إلى إصدار بيان لإدانة الواقعة”.

ويوضح الهمامي أن “كافة المؤسسات القضائية والتنفيذية تجري تحقيقات حول هذه الاتهامات، بما في ذلك مجلس الأمن القومي، برئاسة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي، وبالطبع النهضة تدّعي أن قائد السبسي يحاول استغلال سلطاته والسعي لتشويهها”. ويعتبر أنه من “المبكر الحديث عن قدرة أي من الأطرف على حسم المعركة الانتخابية لصالحه، خاصة مع وجود تطورات يومية وانعكاسات دولية وإقليمية على المعركة”.

ويستنكر حمة الهمامي “الصراع المحموم من جانب الجميع للسيطرة على وسائل الإعلام العامة والخاصة”، متهما رئيس الحكومة باستخدام ما وصفه بـ”الأساليب غير الشرعية والقذرة للضغط على وسائل الإعلام وتوظيفها لصالحه في الانتخابات عبر ترهيبها، إما بالأجهزة الأمنية أو المنظومة الجبائية”.

تشي تصريحات حمة الهمامي بأن عام 2019 سيكون سنة سياسية بامتياز بل وحاسمة في تونس، في ظل شد وجذب سياسيين وانقسام بين أغلبية رافضة للحكومة، مقابل تمسك حركة النهضة بها، ويترافق ذلك مع حالة غليان شعبي في العديد من المحافظات الداخلية والتي ترى أنها لم تستفد من الثورة التي قامت أهدافها على الحرية والكرامة والتشغيل، وهو ما لم يحصل إلى اليوم.

7