حمة الهمامي هل يكفي أن تغير الأحزاب الشيوعية أسماءها؟

الأحد 2018/01/21
تونسي حالم مازال حبيس المفاهيم والمصطلحات

تونس - عاد حمة الهمامي مؤسس حزب العمال الشيوعي، والناطق الرسمي باسم الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية”، إلى واجهة المشهد السياسي، وسط ضجيج متصاعد ارتفعت وتيرته على وقع الاحتجاجات التي عرفتها عدة مناطق من البلاد على خلفية غلاء المعيشة، وتدهور القدرة الشرائية لغالبية الفئات الاجتماعية.

وساهمت الاتهامات المباشرة التي وجهها رئيس الحكومة يوسف الشاهد لـ”الجبهة الشعبية” بالوقوف وراء الاحتجاجات وما تخللتها من عمليات نهب وتخريب واعتداءات على الأملاك العامة والخاصة، في تأجيج حضور الهمامي إعلاميا حتى بات واحدا من أبرز رموز المعارضة في تونس.

تمترس وراء الأيديولوجيا

ولد الهمامي في الثامن من يناير عام 1952 في بلدة “العروسة” من محافظة سليانة الواقعة على بعد نحو 120 كلم شمال غرب تونس العاصمة. وقد تربى في عائلة متوسطة الدخل، حيث استطاع مواصلة دراسته إلى أن حصل على الإجازة في الآداب العربية.

ويُعتبر الهمامي واحدا من أبرز الوجوه السياسية المعارضة التي عرفتها البلاد خلال الفترات الثلاث التي مرت بها تونس، أي فترة حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1956-1987)، والرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (1987-2011)، بالإضافة إلى المرحلة الراهنة التي بدأت بعد سقوط نظام بن علي في 14 يناير 2011.

وبدأ مشواره السياسي شيوعيا ثوريا، حيث انطلق نشاطه في العام 1970 عندما كان عمره 18 عاما، وذلك من خلال الحركة الطلابية، ليُعتقل لأول مرة وهو في سن العشرين، وذلك في العام 1972 بسبب مشاركته في أحداث ما يُعرف في تونس بـ”السبت الأسود”، ونشاطه في الاتحاد العام لطلبة تونس.

انضم الهمامي في العام 1973، إلى منظمة “آفاق العامل التونسي” ذات المرجعية الماركسية اللينينية التي كان نشاطها محظورا خلال تلك الفترة، ليتعرض بعد مُضي عامين على ذلك إلى الاعتقال، حيث أصدر القضاء حكما بسجنه لمدة 8 سنوات ونصف السنة، وقضى من مدة الحكم 6 سنوات. في شهادته التي أدلى بها بعد سقوط نظام بن علي، يقول الهمامي إنه تعرض لتعذيب وصفه بـ”الوحشي” خلال فترة اعتقاله إبان حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، حيث تمّ إرساله بعد خروجه من السجن إلى فرنسا للعلاج على حساب الدولة التونسية.

الاتهامات المباشرة التي يوجهها رئيس الحكومة يوسف الشاهد لـ"الجبهة الشعبية" بالوقوف وراء الاحتجاجات وما تخللتها من عمليات نهب وتخريب واعتداءات على الأملاك العامة والخاصة تساهم في تأجيج حضور حمة الهمامي إعلاميا، حتى بات واحدا من أبرز رموز المعارضة في تونس

الهمامي لم يتخل يوما عن أفكاره ومرجعيته الأيديولوجية، حيث سعى إلى إعادة تجميع اليسار بعد تشظي منظمة “آفاق العامل التونسي”، ليؤسس في العام 1986 حزب العمال الشيوعي. لكن هذا الحزب لم يحصل على تأشيرة العمل القانوني، ليبقى نشاطه سريا إلى غاية وصول بن علي إلى السلطة في السابع من نوفمبر 1987، حيث سُمح للحزب في التسعينات من القرن الماضي بإصدار “البديل”، الصحيفة الناطقة باسمه، لكن دون تمكينه من ترخيص النشاط القانوني.

لكنه استطاع من خلال هذا الحزب تحقيق اختراقات عديدة ولا سيما في الوسط الطلابي، حيث كانت له خلايا شبابية نشيطة كثيرا ما أزعجت نظام بن علي بتحركاتها في سياق ما يُسميه بـ”النضال الثوري”.

مواقفه السياسية مُستمدة من مرجعيته الفكرية التي أساسها الأيديولوجيا الماركسية اللينينية، حيث تمحور نشاطه السياسي والنقابي المناهض للحكومات المتعاقبة، حول المطالبة بالمزيد من الحريات النقابية والسياسية، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية.

وخلال فترة حكم بن علي، عُرف الهمامي بأنه أحد أبرز المعارضين، حيث كان الوحيد الذي رفض التوقيع على “الميثاق الوطني” الذي عرضه بن علي على الأحزاب التونسية في العام 1988، بهدف تنظيم الحياة السياسية، وهو الميثاق الذي وافقت عليه حركة النهضة، التي كانت في ذلك الوقت تنشط في السرية تحت اسم “الاتجاه الإسلامي”. وعلى خلفية هذا الموقف من قبل الهمامي، تم إيقاف إصدار صحيفة “البديل”، وتعرّض إلى الملاحقة القانونية، حيث اعتقل وحوكم أكثر من مرة، كان آخرها في العام 2002.

الهمامي يرى أن الحكومة الحالية هي نتاج توافق مغشوش بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية، وهي بذلك تُعبر عن “اليمين المُتوحش” الذي يُريد سحق الطبقة العاملة

العمل السري واللحظة الراهنة

يقول الهمامي في شهادته التي عرضتها بعض الإذاعات المحلية التونسية بمناسبة الذكرى السابعة لسقوط نظام بن علي، إنه قضى أكثر من 10 سنوات في السجن، وأكثر من 10 سنوات في العمل السري. وأثناء سنوات نضاله الطويلة، عُرف الهمامي بمواقفه الشرسة الرافضة للاتجاه الإسلامي، حيث كان أحد ألدّ خصوم الإسلاميين على الصعيد الطلابي، وكذلك على صعيد العمل السياسي العام، لكنه شارك عام 2005 في تأسيس هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي ضمّت في ذلك الوقت وجوها حقوقية ويسارية وقومية، ولكن أيضا إسلامية.

شكلت تلك المشاركة منعطفا في التفكير السياسي للهمامي، حيث بدأ يلجأ أحيانا إلى تكتيكات في المواقف تتعارض في جوانبها مع مرجعيته الأيديولوجية، لكن ذلك لم يحدّ من شعبيته وحضوره اللافتين في المشهد السياسي العام للبلاد.

الوزن السياسي والوزن النضالي

بقي الهمامي على تلك المواقف، وشارك بشكل واضح خلال الاحتجاجات الشعبية التي عرفتها تونس خلال الفترة في ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 يناير 2011، حيث نشر في بداية شهر يناير 2011 على شبكة الإنترنت مقطع فيديو دعا فيه الشعب التونسي إلى “مواصلة الثورة وإسقاط النظام”.

وعلى إثر نشر هذا الفيديو، اعتقلته السلطات ووضعته في أقبية وزارة الداخلية التي تجمّع أمامها في 14 يناير الآلاف من المتظاهرين للمطالبة بإطلاق سراحه، وبرحيل النظام، وهو ما حصل في ذلك الوقت.

بعد سقوط نظام بن علي، أصبح الهمامي من الوجوه السياسية الوازنة في البلاد، فهو من دعا إلى إعادة التأسيس للقطع مع النظام القديم، وهو ما تمّ بانتخاب المجلس التأسيسي، كما أنه يُعدّ من أبرز المنادين بالعفو التشريعي العام، وهو ما حصل.

مواقفه السياسية يستمدها الهمامي من مرجعيته الفكرية التي أساسها الأيديولوجيا الماركسية اللينينية، ولذلك تمحور نشاطه السياسي والنقابي المناهض للحكومات المتعاقبة، حول المطالبة بالمزيد من الحريات النقابية والسياسية وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية

واصل معارضته لحكومة محمد الغنوشي التي تولت الحكم في البلاد بعد رحيل بن علي. كما عارض أيضا حكومة الباجي قائد السبسي التي شكلها في العام 2011، إلى جانب رفضه المشاركة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.

وفي يوليو 2011، عقد حزب العمال الشيوعي أول مؤتمر علني له، وهو مؤتمر تمّ خلاله التخلص من عبارة الشيوعي، ليُصبح اسم الحزب “حزب العمال” فقط، وهو ما فُهم منه بداية للتحول الفكري لدى هذا الحزب ومؤسسه الهمامي.

لكن هذا التحول لم ينعكس على جملة المواقف السياسية، حيث بقي حمة الهمامي معارضا لكل شيء، حتى بات يُوصف في البلاد بـ”أنا ضد”، وهو ما انعكس مباشرة على النتائج التي حققها خلال انتخابات العام 2011 للمجلس التأسيسي، وهي نتائج وصفت بـ”الهزيلة” و”مُخيّبة لآمال الشيوعيين”.

تونس المشتعلة اليوم

واصل الهمامي مسيرته على نفس النهج على رأس حزب عمالي، ولكن من دون عمال، ليستعيض عنه بتكتيك التقاطع مع الأطراف اليسارية الأخرى القريبة منه، ويؤسس في أكتوبر من العام 2012 الائتلاف اليساري “الجبهة الشعبية” التي يتولى حاليا مهمة الناطق الرسمي باسمها.

وخاض الهمامي انتخابات أكتوبر 2014 بهذا الائتلاف الحزبي، حيث فاز بـ15 مقعدا برلمانيا، كما خاض الانتخابات الرئاسية لكنه انسحب في دورتها الأولى حيث جاء في المرتبة الثالثة (7.82 بالمئة من الأصوات)، وذلك بعد الباجي قائد السبسي ومنصف المرزوقي.

مؤسس حزب العمال الشيوعي يعتبر واحدا من أبرز الوجوه المعارضة التي عرفتها تونس خلال حكم بورقيبة، وحكم بن علي، والمرحلة الراهنة التي بدأت بعد سقوط نظام الأخير في 14 يناير 2011

ورغم ذلك، واصل الهمامي التمسك بمواقفه، بل صعّد منها، ليتحول بذلك إلى المعارض الشرس للحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد، وهو لا يتوقف عن الدعوة إلى إسقاطها، والتوجه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية سابقة لأوانها “كمدخل ضروري لإخراج البلاد من الأزمة المركبة والعميقة التي تعيشها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا”، على حدّ قوله.

الهمامي يرى أن الحكومة الحالية هي نتاج توافق مغشوش بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية، وهي بذلك تُعبر عن “اليمين المُتوحش” الذي يُريد سحق الطبقة العاملة، ونهب قوت الشعب، وتفقيره، وهي بذلك لا تُعبر عن “الثورة” التي قام بها الشعب التونسي، بل هي “التفاف” على تلك الثورة، بحسب تعبيره.

خلافه مع حكومة الشاهد بدأ مباشرة بعد تعيين بعض الوزراء من حركة النهضة الإسلامية، وبعض الوجوه من النظام السابق، حيث وصفها بحكومة المحاصصة الحزبية، ليتطور الخلاف ويشمل الخيارات الاقتصادية التي انتهجتها الحكومة، وخاصة منها الاعتماد على تعبئة موارد مالية من المؤسسات المانحة، ما أغرق البلاد في المديونية.

يدعو الهمامي إلى منوال تنمية جديد، وإلى رفض سداد الديون السابقة، أو على الأقل المطالبة بإعادة جدولتها، وذلك في رؤية تُوصف في تونس بأنها “مراهقة” بالنظر إلى الإكراهات التي تواجهها الدولة التي يبدو أنها غريبة عن الهمامي الذي كثيرا ما يدعو إلى الاستئناس بالتجربة اليونانية.

ومع إقرار قانون المالية للعام 2018، صعد حمة الهمامي من خطابه المناهض للحكومة، حتى وصل به الأمر إلى الدعوة إلى التظاهر لإسقاط هذا القانون، لتندلع الاحتجاجات في البلاد، دون أن يتمكن من تأطيرها وتنظيمها، حتى اقتربت كثيرا من الفوضى. ذلك هو حمة الهمامي الذي رغم تاريخه النضالي الطويل، مازال يحلم، دون أن يخرج من مربع المعارض لكل شيء، كأنه لم يُدرك بعد أن أغلب المفاهيم السياسية والاجتماعية تغيرت، وأن المشهد اليوم، لم يعد يحتمل مثل تلك المرجعيات الأيديولوجية.

8