حمدين صباحي.. سياسي محب للأضواء وعاشق لصورة الزعيم الحاكم لمصر

السبت 2014/01/25
حياة صباحي مليئة بالأحداث الساخنة

القاهرة – حمدين صباحي (5 يوليو 1954) سياسي مصري. رئيس سابق لحزب الكرامة ويعمل كرئيس تحرير جريدة الكرامة وعضو برلمان سابق ومرشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات 2012. له تاريخ في الدفاع عن حقوق المصريين والعدالة الاجتماعية ومناصرة القضايا الوطنية، ناصري الميول.

البعض يعتبره ولد ليكون زعيما، ففي كل مراحل حياته تقريبا كان رقما مهمّا في معادلات سياسية متحركة، هناك من يرى أنه يتعمّد ارتداء جلباب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الفضفاض لتحقيق مكاسب حزبية مضمونة. وثمة فئة تعتقد أنه نموذج للبراغماتية، أو بمعنى أدق للانتهازية، التي مكّنته من أن يكون تحت الأضواء على مدار الأربعين عاما الماضية. ويوجد فريق ثالث مقتنع أنه أخذ مكانة أكبر مما يستحق، والصدفة وحدها وضعته في بؤرة الأحداث.

إنه حمدين صباحي، أو واحد منّنا، أو الحصان الأسود، أو المتعجل، أو الجامح، أو الطموح، الذي ملأ الدنيا ضجيجا في القاهرة خلال الأيام الفائتة، عندما أعلن استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة مرة أخرى، في وقت تتعلق الأنظار أو تترقب كلمة الفريق أول عبدالفتاح السيسي، ليؤكد رسميا ترشحه لهذه الانتخابات. مشكلة صباحي في هذه المسألة أنه متقلب المزاج.

فقد أشار مبكرا إلى أن السيسي هو مرشح الثورة أو الضرورة، وأعلن دعمه له، ثم صرّح أنه شخصيا راغب في تكرار تجربة الترشح إلى المقعد الكبير. وبين هذا وذاك، قال إنه مرشح تحالف جبهة الإنقاذ، التي قادت المعارضة ضد حكم الإخوان، وتتكون من عدد من الأحزاب والقوى السياسية المصرية. وقبل أن يلتقط صباحي أنفاسه ويقف على قاعدة متينة تبرّأت الجبهة من هذا الترشح وباعت الرجل، وأوضحت أنها لم تستقر على مرشح رئاسي محدد، وإن كانت غالبية التصريحات الفردية لعدد من قادتها، منحت وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي صك الموافقة للجلوس على مقعد الرئيس، لأنه مرشح محتمل يحظى بقبول شعبي كاسح.


عاشق عبد الناصر للأبد


مع أن وعي صباحي السياسي تفتّح على نكسة يونيو 1967، إلا أنه عشق الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وتبنى انحيازاته السياسية والاقتصادية الاجتماعية، وعرف بميوله للقومية العربية. وحتى عندما حقق الرئيس الراحل أنور السادات انتصار أكتوبر في العام 1973 ظل صباحي المولود في 5 يوليو عام 1954 متشبّثا بناصريته العتيدة، التي صاحبته طوال دراسته الجامعية، حيث التحق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وأسس ما يسمى بـ “نادي الفكر الناصري”، وكان عام 1976 فارقا في حياته بعد ذلك. ففي هذه السنة تبوأ صباحي مقعد رئيس اتحاد طلاب الجامعة، وتصدى للرئيس أنور السادات وجها لوجه، حيث ذهب الأخير إلى جامعة القاهرة لإجراء حوار مع شباب الجامعات وتهدئة خواطرهم الفوّارة، وألقى أمامه الطالب حمدين صباحي خطبة عصماء، انتقد فيها التوجهات الاقتصادية لرئيس الجمهورية، أو ما يسمى بسياسات الانفتاح الاقتصادي، ووجه إليه لكمات سياسية بشأن العلاقة مع إسرائيل، وهاجم ما وصفه بالفساد في الجهاز الحكومي. ومن يومها تحول صباحي إلى مشروع زعيم سياسي.

لعنة السادات أصابت الشاب في البداية، لأن عددا كبيرا من المؤسسات الإعلامية (الرسمية)، امتنعت عن قبوله كصحفي تحت التمرين، وهو ما جعله يبحث عن فرصة خارجها. وربما يكون ذلك من حسن حظه، حيث أصبحت لديه فرصة للحركة على نطاق أوسع، ودون تقيّد بحدود وظيفية وبيروقراطية، قتلت الكثير من المواهب السياسية والإعلامية.

وأسس مركز “صاعد” للخدمات الإعلامية، وقاد مع آخرين معركة تأسيس الحزب العربي الناصري في السنوات الأولى من تسعينات القرن الماضي. وبعد فترة وجيزة انشق عنه، بسبب خلافات مع زعامات تاريخية، مثل ضياء الدين داود وسامح عاشور وأحمد حسن وغيرهم، ولأنه أيضا تعوّد أن يكون الرقم الأول في معادلته السياسية، فأسس حركة الكرامة عام 1994، وبعد نحو عشرة أعوام أصدر جريدة الكرامة ورأس تحريرها في البداية، ولا تزال تصدر في القاهرة، ولم تتمكن من تحقيق سوى قدر يسير من الانتشار. وخاض معركة قضائية للحصول على رخصة قانونية لحزب الكرامة، استمرت حوالي 13 عاما. وساعدته ثورة يناير 2011 على تحقيق هذا الهدف، حيث وافقت لجنة شؤون الأحزاب له بالحزب بعد حوالي سبعة أشهر من هذه الثورة.

المؤيدون: مدافع عن الفقراء والمهمشين وفرس الرهان في أية انتخابات

المعارضون: منهجه البراغماتي أفقده التوازن السياسي والدليل التحالف مع الإخوان ثم الهجوم عليهم


تحريض على الغضب


حياة صباحي كانت مليئة بالأحداث الساخنة، لأن الرجل محب للأضواء، وعاشق لصورة الزعيم السياسي، ولم تفارقه في سكناته أو حركاته صورة البطل جمال عبد الناصر، الأمر الذي أدخله في خلافات شديدة مع أسرة عبد الناصر، والتي ترى أنه “يتمسّح” بها للحصول على مكاسب، وأن قدرات صباحي وإمكانياته لا تؤهله إطلاقا للاقتراب من الزعيم. ومع ذلك كان يردّد للقريبين منه أنّ عبد الناصر ليس مُلكا لأحد. وسعى دائما إلى عدم الابتعاد عن نبض الشارع والإحساس بآلامه وأوجاعه. وعندما وجد الطرق السياسية مسدودة طوال السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، عمل على مستويين، أحدهما، تحريض الناس في الشارع على الغضب، وساهم مع آخرين في تأسيس حركة كفاية عام 2004، التي حرّكت الكثير من المياه الراكدة، من خلال سلسلة مظاهرات نظمتها في مناسبات مختلفة، قادت في النهاية لمشهد الثورة في يناير عام 2011.

المستوى الثاني، دخول البرلمان وإزعاج الحكومة، وبالفعل تمكن من دخوله بعد نجاحه في انتخابات عام 2000، وعام 2005 عن دائرة البرلس والحامول بمحافظة كفر الشيخ مسقط رأسه بشمال الدلتا، ونجاحه لم يكن سهلا، فقد تغلب على منافسين أقوياء، وتخطى العقبات التي وضعها الحزب الوطني (المنحل) في طريقه، وحمله الناس على الأعناق، ولعب دورا مهمّا في فتح الكثير من الملفات داخل البرلمان، التي تدين الحكومة، وأشهرها ملف تصدير الغاز إلى إسرائيل. وفى انتخابات عام 2010، اشتدت عليه حلقات التضييق والتزوير وأخفق في النجاح، وكانت هذه الانتخابات القشة التي قصمت ظهر البعير، كما يقال، فبعدها انطلقت رياح الثورة، وكان صباحي في طليعتها بميدان التحرير.


تكسير حواجز ومرارات


وكأن طاقة القدر فتحت أمام صباحي، فقد سقطت الموانع القانونية وتكسّرت الحواجز السياسية، التي حالت دون ترشحه من قبل للرئاسة، وبدأت الأمنية – الحلم تدغدغ مشاعره، وتبدو أقرب من أي وقت مضى، وأعد الرجل عدته ليكون رقما في الميزان المنتظر للحكم. وفي عام 2012 خاض معركته الرئاسية لأول مرة، وأطلق عليه أنصاره “الحصان الأسود” الذي يستحق الرهان عليه في السباق، كانت شخوصه الرئيسية هي، الفريق أحمد شفيق وعمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح، فضلا عن محمد مرسي.

وحل صباحي ثالثا، بعد مرسي وشفيق، وحصل على أكثر من ثلاثة ملايين صوت. وبدأ يعد العدة للانتخابات المقبلة، عبر تأسيس التيار الشعبي للوصول إلى قلب وعقل الجماهير، التي يعوّل عليها في المستقبل. وبسقوط مرسي والاستعداد لانتخابات رئاسية جديدة تجدّدت الأمنية – الحلم لصاحب “واحد منّنا” (الشعار الذي خاض به صباحي الانتخابات الرئاسية السابقة) كدليل على اقترابه من الأغلبية الهادرة من البسطاء.

ورغم الموانع النفسية والشعبية التي يضعها ترشيح السيسي المتوقع، غير أن صباحي لا يزال بصره مصوّبا تجاه الكرسي الوثير في قصر الاتحادية بمصر الجديدة.

لم تخل حياته من الاعتقالات والمرارات الشائعات. فخلال الحملة التي شنّها الرئيس الراحل على معارضيه، والمعروفة باعتقالات سبتمبر – عام 1981، كان صباحي ضمن فريق ضم عددا كبيرا من رموز وقيادات المعارضة، ودخل المعتقل.

وخرج منه عقب أيام قليلة من مصرع السادات في أكتوبر من العام نفسه، عندما قام الرئيس الجديد حسني مبارك بالإفراج عنهم جميعا لفتح صفحة سياسية بيضاء، ولم تمض سوى بضع سنوات حتى بدأ السواد يتسرب إلى الصفحة البيضاء، ويستأنف صباحي ورفاقه، ناصريون ويساريون وليبراليون وإسلاميون على كل شكل ولون، هجماتهم الصاروخية، وبدأت القذائف تتساقط على رأس حكم حسني مبارك، وكان صباحي واحدا من منصاتها.

اعتقاله الثاني حدث في عام 1987، على خلفية اتهامه بالانتماء إلى الجناح السياسي لتنظيم ثورة مصر، الذي قاد فرعه المسلح الراحل محمود نور الدين واتهم بقلب نظام الحكم. وأطلق سراح صباحي بعد فترة اعتقال قصيرة لم تثبت فيها إدانته قضائيا.

لكن السجن وقف خلفه بالمرصاد بعد ثلاثة أعوام فقط، حيث اعتقل بسبب حرب العراق على الكويت، واعتراضه على مشاركة القوات المصرية في تحرير الكويت، وأطلق سراحه أيضا، واعتبرت أيام الاعتقال ” قـرصة ودن” له ولكل من تسوّل له نفسه الاعتراض على هذا القرار.

وفي عام 1997 اعتقل للمرة الرابعة لأيام عدة أيضا، بسبب قانون العلاقة بين المالك والمستأجر، ومساندته لمطالب الفلاحين ووقوفه في وجه الحكومة، التي أرادت تطبيق قانونها دون مراعاة لأضراره الاجتماعية.

حياة صباحي كانت مليئة بالأحداث الساخنة، لأن الرجل محب للأضواء، وعاشق لصورة الزعيم السياسي، ولم تفارقه في سكناته أو حركاته صورة البطل جمال عبد الناصر


بورصة غنية بالشائعات


صاحب “واحد منّنا” مثل غيره من القيادات السياسية، لم يسلم من الشائعات، حيث طالته اتهامات بتلقي أموال من دول عربية كثيرة، وعلى فترات زمنية متفرقة، فقيل إنه حصل على عدد من كوبونات النفط الشهيرة، التي كان الرئيس العراقي الراحل يوزّعها كمنح وعطايا على محبيه ومريديه.

وتردد أن أموال العقيد الليبي الراحل وصلت منها أرقام كبيرة إلى جيوب صباحي، منها النقدي ومنها ما ذهب إليه في شكل إعلانات في صحيفة “الكرامة” الأسبوعية. وامتدت بورصة الشائعات إلى حد حصوله على أموال من سوريا وحزب الله اللبناني.

من هذه الزاوية يبدأ دائما الضرب تحت الحزام لتشويه صورة الرجل، ومع كل خطوة إلى الأمام يخطوها تخرج هذه الاتهامات المحفوظة في الأدراج، إمعانا في استفزازه أو رغبة في “جرجرته” لحروب جانبية تثنيه عن هدفه الأساسي، معركة الرئاسة.

وتضاف إليها مناوراته وعلاقته الملتبّسة مع الإخوان، التي تراوحت بين التحالف معهم في الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2011 وحصد حزبه (الكرامة) تسعة مقاعد على قوائم الإخوان، وبين الهجوم عليهم عقب صعود مرسي وحتى سقوطه، ولا يزال الهجوم مستمرا.

كانت أصعب أيام الرجل عندما لاحقته اتهامات طالت أسرته الصغيرة، فمع أن ابنه أحمد حرص على الابتعاد عن الأضواء التي تحيط بوالده، لكن ابنته الإعلامية سلمى صباحي، يبدو أن لعنة أبيها تمكّنت منها وأصابتها في مقتل، حيث حكم عليها بالسجن، في أواخر أيام حكم الإخوان المسلمين وتأكد بعد رحيلهم، بتهمة النصب والاحتيال الاليكتروني مع آخرين. ومع أن محاميها أثبت براءتها وأخلى سبيلها، غير أن أباها لحقه رذاذ سياسي بسبب هذه التهمة، وأمعن البعض في استثمار الفرصة لتشويه الرجل اجتماعيا.


صباحي في جدة


لم يترك منتقدوه والحاقدون عليه مناسبة أو حادثة إلا وحاولوا توظيفها لتشويه صورته، وآخرها عندما ذهب للإدلاء بصوته في دائرته بحي المهندسين بمحافظة الجيزة القريبة من القاهرة، في الاستفتاء على مشروع الدستور يوم 14 يناير الجاري، ولم يجد اسمه مقيّدا بجداول الناخبين، فأسقط في يده، وجرى البحث في الكشوف فوجد نفسه مسجلا في القنصلية المصرية بجدة، بمعنى أن يدلي بصوته في السعودية.

هنا أطلقت التكهنات والشائعات سهامها للمرة الألف، وقيل إنها رسالة سياسية، تقول أن هناك جهات رسمية عليا تريد مضايقة الرجل، وثنيه عن الترشح للانتخابات الرئاسية، فإذا كان اسمه مقيّدا خارج مصر، وهي عملية تتم وفقا لاختيار ورغبة الشخص نفسه، فكيف سيحكمها من الداخل؟

12