حمدين صباحي: لن أنافس السيسي في انتخابات 2018 ونتائجها تبدو محسومة

تشهد الحياة السياسية المصرية ارتباكا غير مسبوق بسبب غموض خارطة الترشيحات لانتخابات الرئاسة المتوقع إجراؤها في مارس المقبل، كما أن الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي لم يعلن ترشحه رسميا حتى الآن فيما أعلن حمدين صباحي، الذي خاض الانتخابات السابقة ضد السيسي، عن عدم تكرار التجربة، أما بقية أطراف المعارضة فلا تزال تتخبط في مشاكلها وجدالها ولم تتفق على مرشح بعينه لتدعمه، وهو أمر يرجعه صباحي، في تصريحات أدلى بها في لقائه مع “العرب”، إلى تشتتها وضعفها، مشيرا إلى أن المعارضة تتحمل المسؤولية الأكبر في ذلك الوضع لأنها سمحت للنظام بالتضييق على الحريات وأن يكون الصوت الطاغي على المشهد.
الجمعة 2017/12/29
معارض على الدوام

القاهرة – رغم تحديد موعد الانتخابات الرئاسية (يونيو 2018) لم تشهد الساحة المصرية الإعلان الرسمي والمؤكد عن ترشح أحد للرئاسة، فيما لم يحسم الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي تولى الرئاسة، في 8 يونيو 2014 لولاية مدتها أربع سنوات، بعد موقفه من الترشح لولاية ثانية، راهنا ذلك بما أسماه “إرادة المصريين”، لكن مراقبين يجزمون بترشحه.

ويؤيد هذا الموقف منافس السيسي في انتخابات 2014 حمدين صباحي الذي قال إن “الانتخابات المقبلة تبدو محسومة، ففي حال تواجد بعض المرشحين الآخرين في مواجهة متوقعة أمام الرئيس عبدالفتاح السيسي، فإن ذلك لن يشكل تهديدا قويا بالنسبة إليه، لأن أي مرشح لن ينافس شخصا مثل السيسي، لأنه مطالب بالتفوق على أجهزة الدولة المصرية التي تصطف منذ هذه اللحظة بجانب الرئيس الحالي”.

وأكد صباحي في حوار مع “العرب” على أن الحياة السياسية في مصر حاليا تعاني أوضاعا مأزومة، ما يجعل الانتخابات الرئاسية أمام وضع غاية في الحساسية، فالشعب المصري يرفض السلطة الحاكمة ولكنه في نفس الوقت لا يثق في المعارضة المدنية، ولن يكون داعما لها، بعد أن ضعفت وتشتت قواها وأضحت غير قادرة على كسب المعارك ضد النظام.

ويرى أن هشاشة القوى السياسية المصرية تنبع أساسا من هشاشة النظام السياسي القائم والسلطة الحاكمة، ويعتبر نفسه ضمن تلك القوى التي أصابها الضعف.

وأرجع ذلك إلى سببين: الأول يرتبط بتحول الشعب عن غالبية القوى السياسية المصرية نظرا لتشرذمها، وهو ما أثر على تحركاتها السياسية في الشارع. والسبب الثاني، يرتبط بالحكومة المصرية التي قمعت معارضيها بقوانين هدفت أساسا إلى التضييق على الحريات، مثل قانون التظاهر، بالإضافة إلى تضييق الخناق على أي تجمع شعبي للجماهير في الشارع.

ورفض صباحي توجيه اللوم إلى الشعب المصري، سواء في ما يتعلق بلفظ الأحزاب السياسية أو عدم اعتراضه على ما يجري من تضييق على الحريات. ويرى أن تقييم نتائج التحركات الشعبية التي حدثت في عامي 2011 و2013 لم تكن في صالحه، وأضحى بحاجة إلى التأكد من أن نتائج التحركات سوف تكون محسومة لصالحه، وما تم في الماضي ينعكس على السلوكيات الحالية والمستقبلية.

في عام 2012، خاض صباحي معركته الرئاسية الأولى أمام الفريق أحمد شفيق وعمرو موسى وعبدالمنعم أبوالفتوح، فضلا عن محمد مرسي. وحل صباحي ثالثا، بعد مرسي وشفيق، ونجح في جذب ما يقرب من خمسة ملايين صوت. ثم تزعم مع محمد البرادعي وعمرو موسى المعارضة الليبرالية ضد حكم جماعة الإخوان، ليقرر بعدها خوض انتخابات الرئاسة مرة أخرى في العام 2014، والتي انتهت لصالح عبدالفاتح السيسي.

ومع الاستعداد للانتخابات الرئاسية الجديدة، أعلن صباحي أنه لن يكرر التجربة، وقال صباحي في حوار مع “العرب” إنه يرفض خوض الانتخابات مرة ثانية أمام السيسي، وذلك لعدة أسباب منها سنه (64 عاما) الذي لم يعد يسمح له بخوض الانتخابات الرئاسية أو أي انتخابات أخرى، مشيرا إلى أنه سيكون داعما لمن يراه مناسبا ومتبنيا لأفكار العدالة الاجتماعية التي يؤمن بها في الانتخابات المقبلة.

السلطة الحالية في مصر هشة وضعيفة، وفاقدة للشعبية، غير أن بديلها لم يبلور نفسه بعد

تفكك المسار السياسي

سعى حمدين صباحي دائما إلى البقاء دائما قريبا من نبض الشارع رغم تضييق نظام حسني مبارك عليه طوال السنوات العشر الأخيرة. وساهم صباحي في تأسيس حركة كفاية عام 2004، التي حرّكت الكثير من المياه الراكدة، من خلال سلسلة مظاهرات نظمتها في مناسبات مختلفة، قادت في النهاية إلى مشهد الثورة في يناير عام 2011.

كما حصل على عضوية البرلمان في فترة ما بين عام 2000 وحتى 2010. ولعب دورا مهمّا في فتح الكثير من الملفات داخل البرلمان، أشهرها ملف تصدير الغاز إلى إسرائيل. وفي انتخابات عام 2010، ضيق عليه الخناق ولم ينجح في الاحتفاظ بمقعده. وعندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011 كان صباحي في طليعتها بميدان التحرير.

ويتمسك صباحي بموقفه بأن النظم الرأسمالية منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات وحتى الوقت الحالي لا تعبر عن رغبة الشعب المصري في العدالة الاجتماعية، لذلك فهو مازال بحاجة إلى رئيس يستطيع أن يعطيه حقوقه الاقتصادية والسياسية والمجتمعية. لكن، هذه الحقوق لن يأتي بها الرئيس بل النخب السياسية التي عليها أن تعيد النظر في خطابها الموجه إلى الجمهور وعليها أن تطرح البدائل التي من الممكن أن تستقطبه إليها.

وأشار إلى أن نقطة الضعف التي تعاني منها الأحزاب والقوى المدنية ترتبط بتفككها وعدم اتفاقها على مسار سياسي واضح، ولن تحقق المعارضة أي تقدم إلا باتخاذ خطوات تعبر عن وجود تغير في سياستها وقواها المشتتة، وينبغي أن يكون ذلك من خلال تدشين تحالفات سياسية تستطيع أن تعيد القوة مرة أخرى إليها.

وذكر هنا كأمثلة ما جرى خلال ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، سواء في ما يتعلق بتدشين “الجمعية الوطنية للتغيير” والتي تم الإعلان عنها قبل أشهر قليلة من اندلاع ثورة يناير، وضمت طيفا واسعا من القوى السياسية المدنية، بالإضافة إلى جماعة الإخوان، أو بتدشين “جبهة الإنقاذ” التي كان لها دور بارز في إزاحة الجماعة من الحكم في العام 2013.

وقال صباحي إن الشعب المصري ينحاز إلى قوى المعارضة السياسية في حالة شعوره بأنها تمثل قوة من الممكن أن يتم لها الاعتماد على ما تطرحه من بدائل، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن فشل تلك القوى في الوصول إلى السلطة خلال المرات السابقة يصعّب من مهمتها هذه المرة. مع ذلك فإن عضو مجلس الشعب المصري السابق (مجلس النواب حاليا) يعول كثيرا على تحركات الأحزاب خلال الفترة الحالية والتي أفرزت تأسيس “الحركة المدنية الديمقراطية”.

وتشارك في الحركة 7 أحزاب ليبرالية ويسارية معارضة، وهي الدستور (ليبرالي) والمصري الديمقراطي الاجتماعي (يساري) والإصلاح والتنمية (ليبرالي) والتحالف الشعبي الاشتراكي (يساري) وتيار الكرامة (يساري) ومصر الحرية (ليبرالي) والعدل (ليبرالي) بالإضافة إلى 150 شخصية سياسية وعامة.

نقطة الضعف التي تعاني منها الأحزاب والقوى المدنية ترتبط بتفككها وعدم اتفاقها على مسار سياسي واضح

ويتوقع حمدين صباحي، الناصري الذي تحدّى السادات وعارض مبارك ولجأ إلى سلاح المناورة مع الإخوان، أن تحدث تلك التحركات صدى واسعا بالشارع المصري، لسببين: الأول، ينصب أساسا على عدم رضاء الشارع عن الأوضاع الراهنة، ولا بد من البحث عن طريقة للتعبير عن ذلك سياسيا. ويرتبط السبب الثاني باتخاذ التحالف مواقف سياسية قوية تستطيع أن تغير الصورة الذهنية لدى المعارضة على أن يكون ذلك مرتبطا بطرح بدائل قابلة للتنفيذ ويجري التوافق عليها.

ذهب صباحي إلى أبعد من ذلك، بتأكيده أن التحالف بإمكانه خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، وأن يكون لديه مرشح خاص به، سواء كان ذلك من خلال طرح اسم مرشح جديد أو من خلال إعلان دعم أحد الأسماء التي أعلنت عن نيتها الترشح.

إلى جانب الفريق أحمد شفيق، أعلن خالد علي ومحمد عصمت أنور السادات، اللذين كانا ضمن التحالف، عن ترشحهما للرئاسة، ما يزيد من فرص نشوب خلافات لدعم أي منهما أو صعوبة التوافق على مرشح آخر بعيدا عنهما، لكن صباحي أشار إلى أن التقارب السياسي بين القوى المنخرطة داخل هذا التحالف يسهّل من مهمة الاختيار.

دعم مرشح واحد

أرجع عدم استقرار المعارضة على مرشح واحد لتدعمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى الرغبة في الحصول على أكبر قدر من الضمانات بنزاهة العملية الانتخابية قبل الإعلان عن تأييد أي من المرشحين والاستقرار على المشاركة في الانتخابات من عدمه، بالإضافة إلى تأكيده على عدم طرح ذلك الأمر على جدول أعمال التحالف الذي تم تدشينه حديثا.

وأوضح أن تلك الضمانات تتضمن الإفراج عن الشباب المعتقلين غير المتورطين في أعمال عنف والسماح للقوى السياسية والأحزاب بالنزول إلى الشارع وتنظيم لقاءات مفتوحة في الميادين وتخفيف القيود على الإعلام.

واستبعد صباحي أن يلقى الفريق أحمد شفيق حال ترشحه للانتخابات الرئاسية دعما من الحركة المدنية الوطنية، لأنه لا يعبر عن المعارضة المصرية ولا عن المبادئ المدنية والاجتماعية التي تؤمن بها الحركة.

ورفض المرشح الرئاسي السابق تشكيل أي تحالف سياسي مع رموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك أو جماعة الإخوان خلال الفترة المقبلة، وهو ما يراه متوافقا مع آراء الأغلبية الساحقة من المواطنين في الوقت الحالي.

وأشار صباحي إلى أن التضييق على الحريات العامة التي يرى أنها تبدو ظاهرة في التعامل مع الفريق أحمد شفيق تعد أحد أسباب معارضته القوية للنظام المصري الحالي، وهو موقف حدثت فيه تحولات كثيرة خلال السنوات الأربع الماضية، بعد أن أعلن تأييده لخطوات الرئيس المصري التي اتخذها في مواجهة الإرهاب مع بداية حكمه.

مصر تعاني من أوضاع صعبة ومشكلات حقيقية سياسية واجتماعية واقتصادية سببها الرئيسي سياسة التنمية العشوائية التي تتبعها الحكومة

ورغم أن صباحي أكد في مواقف عديدة من قبل أنه يرفض أن تكون هناك ثورة ثالثة ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي، إلا أن هذه المرة أكد على أنه يوافق على ما سيقوم به الشعب حال تحركه، ويرى ضرورة أن تكون هناك معارضة للنظام الحالي بجميع أشكالها بما فيها النزول إلى الشارع.

لكنه في الوقت ذاته قال “إن الفرصة ما زالت سانحة ليكون هناك انتقال سلمي للسلطة عبر إجراء انتخابات رئاسية نزيهة، وفي تلك الحالة سنوفر الكثير على الشعب الذي واجه خسائر كبيرة من خلال انتفاضتيه الشعبيتين خلال عامي 2011 و2013، وبالتالي فإن تكريس العمل الديمقراطي مطلوب لتحصين الأجيال القادمة”.

يعد صباحي أحد السياسيين الذين ارتبط تواجدهم على الساحة بمعارضة السلطة الحاكمة، وهو ما عرضه للاعتقال مرات عديدة، كان أولها في عهد الرئيس الراحل أنور السادات كأصغر معتقل سياسي ضمن اعتقالات سبتمبر الشهيرة في العام 1981، والتي شملت غالبية الأطياف السياسية في مصر.

كما أن ذلك الأمر تكرر في أثناء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، وهي الفترة الأبرز في حياته السياسية، وأسس فيها حزب الكرامة في العام 1996.

ورد صباحي على مسألة تحوله من دعم السيسي إلى معارضته بقوله “لم أكن يوما في صف أي نظام حاكم، ودائما كنت أقبع إلى جانب المعارضة”، مشيرا إلى أن جميع الرؤساء الذين عارضهم توافق معهم في بعض القضايا، وأن حدة الموقف الحالي جاءت بعد أن أمضى السيسي نحو أربع سنوات وبناء على تقييمات لأدائه في مجالات مختلفة.

واعترف أن خوضه الانتخابات الرئاسية السابقة أمام السيسي أفقده الكثير من شعبيته، لكنه أشار إلى أن ترشحه جاء في لحظة استثنائية، وخاض غمار الانتخابات على غير رغبة أجهزة الدولة المصرية وعكس ما روّجه البعض من كونه محللا لتلك الانتخابات.

في تقييمه للأوضاع الراهنة، لفت صباحي إلى أن هناك ضيقا في الأفق لحل الأزمات، وأن تقييمه للمرحلة الحالية تكون وفق معايير عدة، منها ما يتعلق بالتنمية والعدل الاجتماعي وانعكاس ذلك على الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تمر بأزمات غير مسبوقة تأثرا بالقرارات الاقتصادية والتي يأتي على رأسها تعويم الجنيه.

وأوضح أن هناك سياسة تنمية عشوائية تتبعها الدولة وذلك يرتبط بإهدار ملايين الدولارات في مشروعات لم تحقق عوائدها حتى الآن، مثل تفريع قناة السويس، واستصلاح الأراضي، والعاصمة الإدارية الجديدة.

12