حمدي أحمد فنان وسياسي عارض كل الحكام

الأحد 2016/01/17
صعيدي مصري دفع ثمن موهبته وإخلاصه لمبادئه

القاهرة - شهرته الفنية ارتبطت بشخصية محجوب عبدالدايم الطالب الجامعي الفقير الذي هجر كل القيم الأخلاقية لإشباع رغبته في تسلق الهرم الاجتماعي، فقبِلَ أن يتزوج من عشيقة الباشا حتى يحظى بوظيفة مرموقة.

ملامح شخصية مشوهة خطها أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ بحرفية شديدة في روايته “القاهرة الجديدة”، وجسدها الفنان حمدي أحمد الذي رحل عن دنيانا منذ أيام في فيلم حمل اسم “القاهرة 30” بإتقان لازمه بقية حياته.

الكثير من الأجيال المتمردة على التقاليد لا تزال تردد كلماته المأثورة في الفيلم من عينة “طـز” التي تقال عادة في مصر لتسفيه والتقليل من أيّ قيمة أو شخص، كذلك عبارته “الحب ضعف” عندما كان يردع نفسه عن الوقوع في حب زوجته وعشيقة الباشا التي جسدتها الفنانة الراحلة سعاد حسني.

لكن هذا الإتقان في أداء الدور دفع الفنان الراحل ثمنه غاليا، حيث ارتبط دائما بشخصية المتملص من قيم المجتمع والدين، وهي ملامح على النقيض تماما من شخصيته الحقيقية.

كان حمدي أحمد بعيدا عن الشاشة، واحداً من أبرز المثقفين في تيار اليسار المصري، وعضوا بارزا في حزب العمل، قبل أن تخطف الحزب جماعة الإخوان في ثمانينات القرن الماضي.

مواقفه مشهودة في مواجهة الفساد والرجعية وتغوّل السلطة. أعلنها بوضوح في مختلف العصور وكتبها في مقالات نشرت في بعض صحف المعارضة المصرية، حتى لقّب بـ”فيلسوف الفن”، لكنه مجددا دفع ثمن شجاعته في تواجده الفني الذي لم يكن على قدر موهبته الهائلة.

سياسي بالفطرة

منذ صغره عاش حمدي أحمد المولود في التاسع من نوفمبر عام 1933، تفاصيل الحياة السياسية بكل صخبها. حمل في مراهقته الهمّ الوطني الذي كان متمثلا آنذاك في الاحتلال الإنكليزي، فشارك في المظاهرات المطالبة بالاستقلال قبل أن يتم عامه السادس عشر. وكانت النتيجة اعتقاله مع عدد من الشباب الثوريين عام 1949.

حمدي أحمد يعتبر في مصر، وبعيدا عن الشاشة، واحدا من أبرز المثقفين في تيار اليسار، وعضوا بارزا في حزب العمل قبل أن تخطف الحزب جماعة الإخوان في ثمانينات القرن الماضي

نشأته كانت في صعيد مصر حيث الفقر المدقع. الغيرة الشديدة على أموال الدولة المهدورة جراء الممارسات الخاطئة للملك فاروق، جعلت أقصى أمنياته في هذه السن أن يرحل الملك، وتتحول مصر إلى حقبة جديدة من الديمقراطية.

عندما نجح جمال عبدالناصر ورفاقه في الجيش المصري، في القضاء على الملكية، عبر ثورة يوليو، وتحقيق قدر معقول من العدل الاجتماعي الذي طالما تمناه حمدي أحمد في مطلع شبابه، تجددت بداخله روح الثورية، وعاشت في وجدانه فكرة إنصاف الفقراء والانحياز إليهم. فاختار طريق النضال السياسي عبر الفن، وآمن بكل أهداف الثورة، ومن شدة إعجابه بجمال عبدالناصر قام بتعليق صورة ضخمة له في بيته.

مع صعود الناصرية، صعدت نجومية حمدي أحمد في الفن، حتى قدّم أروع أدواره السينمائية على الإطلاق وأكثرها عمقًا في فيلم “القاهرة 30” الذي عرض في 31 أكتوبر من العام 1966.

كانت صراحة حمدي أحمد أكبر العراقيل التي تقف أمام بلوغ ما يتمناه أي فنان من التقرب للسلطة، وأن يكون الفتى المدلل للأنظمة الحاكمة. لذلك لم يمنعه إيمانه الشديد بوطنية عبدالناصر، وصدقه في محاربة الفساد والدفاع عن فقراء مصر، من أن يوجه إليه النقد، بسبب الانقضاض على حرية الرأي والتعبير، وكان كثيراً ما يصفه بـ”الدكتاتور الجيد”.

لكن هذا الاتهام اللطيف تحوّل إلى عداء مستفحل مع خليفته الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث وضعه أحمد في مكانة “الخونة” الذين تآمروا على عبدالناصر وانقلبوا عليه.

الفنان والرئيس

صدام الفنان والرئيس السادات بدأ مبكرًا بعدما صرّح حمدي أحمد أن الرئيس الذي انتصر على إسرائيل، عاد بمصر مئة عام إلى الخلف، بالتقرب من واشنطن وتل أبيب مرة أخرى. والانقضاض على مكتسبات الحرب، بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد مع الجانب الإسرائيلي برعاية أميركية.

الذاكرة الشعبية تحفظ لحمدي أحمد أدواره مع كبار النجوم المصريين مثل سعاد حسني وأحمد زكي وجميل راتب وآخرين

لم يكن هذا ما يتمناه الفنان، ولم يكن النقد أيضًا ما ينتظره الرئيس، فبلغ التحدي بين الطرفين مداه. لذلك، لم يكن أمام حمدي أحمد إلا الوصول إلى عضوية البرلمان، بعد أن وجد تضييقًا شديدًا من النظام الحاكم على أعماله الفنية التي ظهر فيها، غالبا، مناهضًا للدولة، وكاتباً معارضاً.

ورغم ما في ذلك من مخاطرة بمستقبله الفني، الذي يعتبر مصدر دخله الوحيد، فإنه أصر على خوض المعركة، انطلاقا من أن المبادئ لا تتجزأ، وإغراءات السلطة للفنان ليست إلا قوة مغناطيسية لفضح نفاقه أمام الرأي العام، فقد رفض أن يكون عضوًا في مجلس الشعب بالتعيين في عهد الرئيس السادات لإيمانه بأن ذلك سيجعل ولاءه لشخص الرئيس وليس للشعب الذي يفترض أن النائب يدافع عن مصالح هذا الشعب تحت قبة البرلمان.

كافأه القدر على شجاعته بدخول البرلمان عضوا منتخبا عن حزب العمل الاشتراكي في انتخابات عام 1979، ليتراجع تركيزه الفني لصالح العمل البرلماني، ومحاسبة النظام الذي هدّم في نظره مكتسبات حرب أكتوبر 1973 ووضع يده في يد إسرائيل، وأقرّ سياسة الانفتاح الاقتصادي التي نسفت العدالة الاجتماعية التي أرساها عبدالناصر.

بلغت ذروة مواجهاته مع السادات عندما أصدر الأخير قرارًا بتفريغ منطقة بولاق أبو العلا في وسط القاهرة من سكانها لتحويلها إلى منطقة سياحية. فوقف حمدي أحمد في البرلمان ليقول بأعلى صوته “هل الرئيس عندما أراد تطوير بلدته (ميت أبو الكوم) بمحافظة المنوفية، نقل سكانها؟”، وأضاف إنه على الرئيس أن يعامل منطقتي كما عامل بلدته (قام بتطويرها بشكل حضاري وحافظ على سكانها)، ولم يكن أمام السادات سوى التراجع عن القرار.

هذه المبادئ لم تتغير لدى الفنان المشاكس مع نظام حسني مبارك. لكن ما تغير هو الأسلوب الذي أراد أن يعارض به النظام آنذاك. فعندما نزل من على كرسي البرلمان، اختار أن يجلس على كرسي عضو حزب العمل الاشتراكي المعارض. لكنه فوجئ بأن الحزب قد أخذ الإخوان بالتسلل إليه، بعد أن تم عقد صفقة معهم، فوقف معارضًا لذلك، وكتب استقالته.

لم يستسلم لواقع الحزب المخزي، وآثر البحث عن صوت آخر معارض، فذهب إلى حزب الأحرار لكنه فوجئ بأن الحزب مخترق من أمن الدولة، لدرجة أنه أبلغ رئيسه مصطفى كامل مراد آنذاك، بأن كل ما يدور في اجتماعات الحزب يصل إلى أجهزة الأمن، وأن أحد قيادات الحزب يكتب تقارير عمّا يحدث، وينقلها إلى أمن الدولة فقال له مراد “أعرف وأنا رشحت هذا القيادي لمنصب أمين عام الحزب حتى نأخذ دعماً من الحكومة”.

الصدمة التي تلقاها الفنان المشاكس وعناده مع كل ما يتعارض مع مبادئه وانحيازه الفطري للفقراء كلها عوامل أبقته معارضًا دائما لأي نظام، وأحيانا معارضًا للأحزاب المعارضة التي ارتمت في أحضان الحكومة لتمارس معارضة شكلية إرضاء لرغبات النظام، لذلك “أقسم بأن يعتزل العمل الحزبي”.

كان الأمل الأخير أمامه أن يلجأ إلى مهنة البحث عن المتاعب، فاحترف كتابة المقالات في صحف الدستور والأحرار والميدان، حاول أن يفضح فيها المعارضة الأمنية والمعارضة الكرتونية بأقصى العبارات.

الفنانون المصريون من أصحاب المواقف يبقون ضمانة أساسية تصون هوية مصر التي أراد الإخوان تشويهها

زملاء مهنته لم يسلموا من نقده العنيف، حيث دان تحول الفن في عهد حسني مبارك، إلى العرى والجنس، لإلهاء الشعب عن حقوقه المشروعة، وأن الفساد الذي رصده في فيلمه “القاهرة 30”، هو نفسه نظام مبارك الذي أفسد الحياة السياسية وتسبب بسياساته في نشر الرشوة والمحسوبية.

ورفض نصيحة صفوت الشريف، وزير إعلام مبارك، بالكف عن نقد النظام وإلا سيمنعه من دخول التليفزيون والعمل بالتمثيل، ما دفع الثاني لتنفيذ تهديده فصدرت التعليمات بحصاره ومحاربته في رزقه، فكان رده “خسرت كل شيء وكسبت نفسي وكرامتي ومبادئي”.

هذه المكتسبات ولّدت لديه شعورا بأن النظام لن يكتب له البقاء مهما طال به الوقت. لذلك جلس في منزله يتابع الأحداث في برلمان مبارك وعمليات التزوير الفاضحة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولم ييأس لحظة في أنه سيشارك قبل وفاته في الثورة على النظام الذي حرمه من كل شيء.

حمدي أحمد في ميدان التحرير

تحققت نبوءته وكان في مقدمة الفنانين المصريين الذين نزلوا إلى ميدان التحرير في ثورة 25 يناير 2011، ثائرين ضد مبارك، وطالبوا بمحاكمته ونظامه، فعاد مجددًا إلى كرسي المعارضة لكن من أمام شاشات الفضائيات داعمًا للثوار وداعيًا لهم أن يثبتوا إلى حين رحيل النظام إلى غير رجعة.

لكن فرحته لم تدم طويلا بعدما قفز الإخوان على السلطة. ساءه أن يجد من زملائه من يسارع لتلبية دعوات الجماعة التي تحارب الفن وتراه حراما، ولأنه اعتاد على المعارضة رفض دعوة الرئيس الإخواني محمد مرسي للجلوس معه ضمن الفنانين الذين التقاهم، وبرّر موقفه بأن “الإخوان جماعة دموية، ولن أضع يدي في أيديهم”.

هذه الكراهية التي سكنت وجدان الفنان المشاغب، أو المشاكس حسبما يسميه البعض، جعلته ينظر إلى عبدالفتاح السيسي، الرئيس الحالي للبلاد الذي أزاح الإخوان عن الحكم، بأنه “جمال عبدالناصر الجديد”، وقال عنه “أشم فيه رائحة الرئيس المخلص. لذلك إذا وافتني المنية، سأرحل وأنا مطمئن على أحفادي”.

لم يكن غريبًا أن يكون هناك تناغم بين الرئيس والفنان الذي عارض كل الأنظمة، لدرجة أن الرئيس المصري عبدالفتاح السّيسي حرص على الاتصال به للاطمئنان عليه عندما تعرض لوعكة صحية، وطلب منه أن يسامحه لأنه لم يزره في المستشفى.

الإنسانية والمحاسبة

الإنسانية البالغة التي تعامل بها السيسي روّضت قليلًا من شخصية حمدي أحمد المتمرّدة على طول الخط. حتى أنه كان دائم الحديث في الأشهر الأخيرة من حياته، عن أن أكثر ما يؤلمه أن الجميع نسي أو تناسى ما قدمه للدولة طيلة عمره، ليأتي الاهتمام والتذكرة من رئيس الدولة، بل يصل الأمر حد الاعتذار ما جعله يبكي متأثرًا من موقف السيسي معه، ويصفه بأنه شخصية تتمتع بسموّ أخلاق وطيبة وتسامح.

هو الفنان السياسي الذي كان يقدّم لأبناء دائرته، وقت أن كان عضوًا بالبرلمان، “كتيباً صغيراً” ليقول لهم من خلاله ماذا فعل نائبهم (ويقصد نفسه). لذلك فهو يعتبر المحاسبة واحترام الشعب من الأمور المقدسة.

في أيامه الأخيرة بدا وكأنه يرفض مغادرة الدنيا قبل أن يترك بصمته مع النظام المصري الجديد، فخرج معارضًا بشدة أن تمد بلاده يديها لطلب المساعدات المالية والنفطية من الخارج. وتحدث عن مصر قائلا “لا يصح أن يمنّ عليها أحد، لأنها كانت هي من تقدم المساعدات في الماضي القريب”. بحسه المعارض وتاريخه النضالي رأى أن حديثه في هذا الشأن سيغضب الكثيرين، بل زاد على ذلك بالقول “من أراد مقاطعة جنازتي فأهلا به مقاطعًا، لكنني لن أرحل إلا وأنا راضٍ عن نفسي بأنني لم أر الخطأ، ورضيت بالصمت عنوانًا”.

9