حمدي الجزار: الإبداع بمعزل عن المرأة ليس إبداعا

الروائي المصري يرى أن الإبداع ملزم بالمقاومة وقراءة الفلك والفلسفة اليونانية والهندية أهم من الرواية.
الاثنين 2019/12/02
يلقبونني بحكّاء النساء وأنا سعيد بهذا
 

إن الكتابة ليست انفصالا عن الواقع ولا هي امتداد له أو غرق فيه، إنها نقطة التقاء جمالية بين الواقع والخيال، ونقطة تشارك؛ تشارك الكاتب لأفكاره مع القراء، وتشابك الأفكار مع الواقع، لذا فإنها العالم الأكثر دعوة للمحبة والتشارك. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الكاتب المصري حمدي الجزار في حديث طريف عن الكتابة وعوالمها.

المرأة حياة والحياة امرأة. تاء التأنيث لا يُمكن محوها من مُحيطاتنا مهما بلغت خطابات الرجعية. نون النسوة لا يجوز غضّ الطرف عنها بدعوى الأعراف السائدة والتصورات الاجتماعية المغلوطة.

المرأة لا يمكن استبعادها من السياسة، والحياة العامة، والثقافة، والفن، والأدب، وعالمها هو العالم الأجدر بالمتابعة والتفتيش والكشف. لذا، فإن الأدب الذي لا يلتفت للمرأة، ولا يُحرض على إنصافها، ولا يفتح لها نوافذ التحقق والبزوغ، ولا يمدّ الكفّ اليُمنى إلى الأخرى لتصفقا معا لنموذج نسائي للنجاح أو التفوق هنا أو هناك، لا يُمكن اعتباره إبداعا حقيقيا.

بهذا التصور العميق، يشرح الروائي المصري حمدي الجزار في حواره مع “العرب”، تصوراته للتعامل مع الفن الروائي الحديث. فالرواية الجميلة لديه هي التي تقتحم عالم النساء، وترسمه دون قيود مجتمعية. النص المُبهر يشطب كلمة السرية عن عوالم النساء دون خضوع للخطاب الديني المُتسيّد، والمشوه لغايات الدين المثلى.

يعمل الجزار، منذ أربع سنوات، على نص روائي جديد يقدّم تجربة حياتية مستحدثة، ويوصف في الوسط الأدبي بمصر بأنه حكّاء النساء، بسبب الحضور الطاغي للمرأة في أعماله.

المرأة حياة كاملة

يقول حمدي الجزار في حواره مع “العرب”، إن المرأة أساس الأدب وعمود الإبداع، لذا لم يكن غريبا أن يقول الأديب الكبير نجيب محفوظ  مقولته الشهيرة، “كلما رأيت امرأة تمرّ رأيت الحياة أمامي”.

ويرى الجزار أن حضور المرأة لازم وضروري في الإبداع، لأنها هي أساس الحياة، ولا أحداث حقيقية يمكن أن تتحرك من دونها.

المرأة كل شيء فاعل في الحياة، ورغم ذلك لم يقصد حضورها أدبيا وإنما كان حضورها حياتيا سببا في بزوغ الكثير من الأدباء، فهو لا يتصور وجود عمل أدبي لا يُطلق المرأة، ولا يمنحها صوت المتكلم، أو يعبر عن رؤاها ومواقفها وشعورها.

إن الاختلاف النوعي الذي يعرفه الناس وهميّ وغير موجود في نظر الجزار. فلا يوجد فارق بين الذكر والأنثى غير الفارق الفسيولوجي الظاهري، والأصل في الإنسان الوعي، وهو واحد بين ما نسمّيه الرجل وما نسميه المرأة ، فقد يكون هناك وعي مستنير لدى سيّدة ما، وفي الوقت ذاته يوجد وعي رجعي لدى رجل ما.

ويؤكد الروائي المصري، أن اللاوعي لدى المبدع يميل دوما ناحية المُستبعد، والمرفوض وغير المُنصف من المجتمعات، والمرأة هي النموذج الحي لذلك.

شخصيات العمل الروائي لا يمكن صناعتها من الخيال فقط، والفن الروائي ليس الموضوع ولا الفكرة وإنما كيفية التناول

ويوضح حمدي الجزار في حديثه لـ”العرب”، أن الفهم المتطرف والمغلوط للدين يلعب جانبا كبيرا في الثقافة العامة للمجتمعات العربية، وساهم في الحطّ من مكانة المرأة واستبعادها وفرض سياجا من العزلة والخصوصية على عالمها، وعمل على استبعادها فنيا وقصصيا وأدبيا.

ويقول، إن الموقف العام من المرأة أضرّ ببعض مظاهر الرقي والتقدم في المجتمعات العربية، ما دفع الأدب والإبداع إلى المقاومة، فنّا وكشفا وإمتاعا.

ويشير الكاتب إلى افتخاره بتصنيف البعض له بأنه روائي النساء، فقد كتب عن المرأة لأنه تناول الحياة على حقيقتها، والمرأة هي كل شيء فيها.

واعتبر الكثير من النقاد رواية “الحريم” نموذجا على تقديم 17 شخصية نسائية مختلفة في الشكل والسمات والحديث والأحاسيس، إذ قدّمت تجربة سيد فرج، ابن نجار بسيط، درس الفلسفة، وحكى عن ثلاثين امرأة عرفهن في محيطه الشعبي، منهن بائعة الفاكهة، والطالبة، والعاهرة، لتُضيء الحكايات على مدى ثلاثين عاما تنتهي مع مطلع الألفية الثالثة، بتصور عام عن جمال وعظمة الأنثى في كافة أشكالها ونماذجها.

وركّز الروائي على أن يحمل كل فصل في روايته اسم امرأة مثل لوزة، بطة، أرزاق، ابتسام، روحية، وساشا… ليؤكد أن المرأة تلعب الدور الأهم والأعظم في حياة البطل، وفي حياة الإنسان عموما.

نماذج حقيقية

تبدو الشخصيات التي يرسمها قريبة الصلة بنماذج نسائية يزخر بها المجتمع، ما دفع بعض النقاد إلى القول إن تلك الشخصيات موجودة بالفعل في حياة الروائي بنفس سماتها وصفاتها.

يلفت الجزار لـ“العرب” إلى أن شخصيات العمل الروائي لا يمكن صناعتها من الخيال تماما، كما أنه لا يمكن استنساخها كما هي في الرواية، ما دامت تلك الرواية ليست تاريخية.

ويعتبر، أن مصادر رسم شخوص الرواية متنوعة، وفي الغالب يُمكن دمج شخصية ما عرفها في أخرى، أو رصد سمات ما لشخصية حقيقية موجودة ثم رسم عالم كامل لها.

ويضيف أن الجمال هنا ليس في الشخصية وحدها، وإنما في اللغة المستخدمة، والمهم أن تكون تلك اللغة صالحة لبناء عالم، وليست مجرد لغة جمالية شكلانية.

يكرر الرجل رؤيته للفن بأنه ليس الموضوع وليس الفكرة، وإنما كيفية التناول، بمعنى أن الفن ليس الإجابة عن سؤال، ماذا نكتب؟ وإنما الإجابة عن سؤال أكثر عمقا مفاده، كيف نكتب؟

يؤمن الجزار بأن الكاتب هو الأسلوب، وذلك الأسلوب لا يبذل فيه الكاتب الكثير من الجهد للإتيان به، لأنه نتاج حساسية خاصة وتعامل مرهف مع الكلمات، وهذا يوجد لدى الكاتب من قبل أن يكتب وسيظل موجودا حتى بعد التوقف عن الكتابة، ولا ينبغي للكاتب أن يبذل جهدا في صناعة أسلوب محدد، ولو شعرت أن الكاتب يبذل جهدا في ذلك فإن إبداعه ليس أصيلا بما يكفي.

يقول الجزار لـ“العرب”، إن حضور الجنس في أعماله الروائية ليس مقصودا بهدف الإثارة، وانتقاد البعض لذلك يُعبّر عن تشوه مُجتمعي، فالعمل الجمالي هو الأساس، وكتابته عبّرت عن الجنس بشكل أقرب إلى الإحساس الروحي منه إلى الحسي، فالغرض ليس الإثارة، وإنما صناعة الجمال.

رواية نموذج
رواية نموذج

وفي نظره، الحب أساس العلاقة بين البشر، غير أن الأزمنة والمجتمعات المنغلقة تضع شروطا تقمعه وتروّج لفكرة الزواج بعيدا عن الحب، “مجتمعاتنا تتيح لمؤسسة الزواج أن توجد، لكنها لا تتيح للحب أن يعيش ويستمر”.

يوضح الجزار في حواره مع “العرب” أن تجربته الأدبية استفادت من روافد عديدة، أبرزها الفلسفة والصوفية، موضحا أن أهم ما يقرؤه في الوقت الحالي ليس الرواية، وإنما الفلك والفلسفة اليونانية والهندية، والفلسفة الحديثة، مؤكدا إيمانه الفكري بوحدة الوجود الإنساني.

إن ذلك الإيمان يلمحه القارئ من مقاطع مختلفة من كتابه الشعري “السطور الأربعة”، إذ يقول في أحدها، “لك من العشاق واحد. لك من العشاق ألف. الواحد ألفٌ، والألف واحد”.

ويقول في مقطوعة أخرى، “سَكَنْتُ فِي الخَشبِ وفي الحَجرِ وفِي الحَديِد. فِي بيتِ الزُجاجِ وفِي كُوخٍ مِن الشَّجرِ. وإلى عينيكِ آوَيتُ وبكِ طُفتُ. ومَا طَربتُ إلا حِينَ صِرتُ البَيتَ وسَاكنَ الدَار.”

ويذكر الروائي المصري لـ“العرب” أن اهتمامه بالتصوف قديم جدا، ويرجع إلى سنواته الأولى، حيث ولد في مدينة البدرشين بمحافظة الجيزة، وكان يقام بها مولد لأحد كبار المتصوفة ويُدعى سيدي أحمد، وكان يستمر لنحو 15 يوما.

كما كانت عائلته من العائلات المتيّمة بزيارة أولياء الله الصالحين والمشاركة في كافة الموالد، إذ يتذكر وهو طفل صغير كيف كانت العائلة تسافر كل عام لنحو أسبوع كامل إلى مدينة طنطا، شمال القاهرة، لحضور مولد القطب الصوفي الكبير السيد البدوي.

كذلك فإن اهتمامه بالمكان مرتبط بشعوره الدائم بالحنين للشوارع والمباني القديمة التي تحكي وهي صامتة خبرات وقصص بشر في أزمنة متعددة ومتتالية، ففي كل مكان بشر خلفوا آخرين وترك بعضهم آثاره، معتقدا أن القاهرة تحديدا، هي امرأة فادحة الجمال، رغم ما يعتريها من شحوب.

هو ممّن يرون ضرورة احتضان السينما والدراما للأعمال الروائية، موضحا أنه لن تنقذ السينما من عثرتها الحالية إلا الرواية، ويعي تماما الاختلاف القائم بين الأدب والسينما أو الدراما، لكن ذلك لا يجب أن يكون حاجزا بين الفنّيْن.

ومع أنه بدأ حياته كاتبا للسيناريو، إلا أنه يرى أن عودته سريعا إلى الرواية كانت ضرورية ومفيدة، فهي، كما قال كاتب السيناريو المصري الراحل أسامة أنور عكاشة، “مجد الكاتب”.

15