حمزة شحاتة مثقف سعودي بدأ عصر التحديث في مكة

السبت 2015/01/10
حمزة شحاتة شاعر الزهد والعزلة

في مكة العريقة، ولد مثقف وأديب بارع، في فترة الحكم العثماني للحجاز، عام 1910، يتيما وعصاميا، كان يعمل في دكاكين مكة المختلطة بين تهاليل الحجاج والمعتمرين وأصوات تسويق الباعة، فكان، كغالب المكاويين، عينا على التجارة وعينا على خدمة ضيوف بيت الله.

حمزة شحاتة، هكذا الاسم “ماركة” ثقافية حجازية سعودية، اسم هذه الماركة العالية حمزة العدوي، عاشت شخصيته في عزلتها دون أن يقوم أحد بتسليط الأضواء عليها، ولم يعلم أنه سيصبح شاغلا للناس يوما، يملأ الكتّاب من بعده كتبهم ودواوينهم من محبرته.


ثقافة المدينة السعودية


كان يتسلى في أوقات فراغه بالقراءة، لكنه وصل إلى عشق حروف جبران خليل جبران والمتنبي الذي تلقب باسمه لاحقا بين عدد من أقرانه، لم يعرفه مجتمعه إلا زاهدا وعاشقا لشيشته وكتابه، وهو ملول من كل شيء ويحب الحياة بفلسفته التي يراها تقيم الرضا داخل النفس.

عظمة أهل الحجاز بعامتهم، أنهم لم يسمحوا لعثمانية الساسة قبل الدولة السعودية أن تغير علاقتهم بأرضهم ولغتهم المجتمعية، قاوموها بثقافة مختلفة، وتماسك كبير بين أهليها، وكان حمزة شحاتة يحلم بوطن قادم تعيش فيها الثقافة، وبين صحفها تورد المعارف وفلسفة مختلفة تليق بالعربية.

تلقى تعليمه في مراحل متقدمة بمدرسة الفلاح، التي كانت بمثابة مدرسة أدباء، ساهم الشيخ عبدالرؤوف جمجوم، في نقله إلى جدة للدراسة والعمل لديه، قبل أن ينتدبه لمدة عامين قصد مراجعة تجارة آل جمجوم في الهند، وفيها تعلم الأنكليزية وكتب العديد من الرسائل الأدبية، وأصبح قادرا على الظهور بفعل ثقافته واطلاعه الجمّ.


جمعية الإسعاف الخيري


كان أهل مكة صناع معرفة وأعمال خيرية، ومع الحكم السعودي زادت المحافل الثقافية بين أهل مكة وانتشر عدد من الصحف وافتتحت المطابع، وكانت نواة الأندية الأدبية في المملكة جمعية “الإسعاف الخيري” التي أسسها الراحل محمد سرور الصبان عام 1934، قبل أن يصبح أول وزير للمالية، وكانت الجمعية مقرا للاحتفالات والفعاليات الثقافية، إضافة إلى الأعمال الخيرية والإسعافية.

قصائد حمزة شحاتة تلحّن وتغنى حتى هذا اليوم، ولطالما كانت منبرا غنائيا لكبار المطربين في السعودية، من أمثال محمد عبده، والراحل طلال مداح، وعبادي الجوهر

في العام 1940 كانت جمعية الإسعاف على موعد مع محاضرة كبرى، كانت عميقة العنوان، وجدلية الوقوع على أذهان الكثير، سبقت الكثير مما يتم تداوله اليوم، كان حمزة شحاتة نجم اليوم آنذاك وما بعده بل وحتى اليوم، حين ألقى محاضرته التي كانت بعنوان “الأخلاق الفاضلة عماد الرجولة” وبدلها لتكون بعنوان “الرجولة عماد الأخلاق الفاضلة” فكانت مثيرة منـذ بدئها حول تعلق الرجولة في مجتمع حجازي منفتـح بالأخـلاق.

أروى حمزة شحاتة، الحاضرين بسيل من الفلسفة المربوطة بالحضارة، استمع أولئك الذين غصت بهم جنبات قاعة جمعية الإسعاف الخيري وشوارع المحيطة، إلى تدفق ذلك الشاب الثلاثيني المعرفي وكأنه يسوّق للحداثة والتجديد، ليطلع الكبار والصغار على أفق مختلف، ومن أبرز أقواله في تلك المحاضرة: “إن الرذيلة لا تنتصر إلا متى كان صوتها قويا، وصوتها لا يكون قويا إلا إذا نفخت في بوق الفضيلة”. تتداول الكتب الصادرة لمن شهدوا ذلك الزمن، أن الحضــــور صفق له في محاضرته التي تجاوزت الأربع ساعات أكثر من ثلاثين مرة ووقفوا لها ترحيبا، وكان من بين الحاضرين وجهاء مكة وعدد من رموزها الثقافية، فحجز لنفسه مكانا كبيرا يشبه مكانة القمر بين النجوم، وصعد مع الصبان وغيره كصناع النهضة الثقافية الحجازية الجديدة مع نهضة الكيان السعودي الجديد.

كانت هذه المحاضرة شيئا مختلفا، تألق فيها حمزة شحاتة مستشهدا بسقراط وبعض الفلاسفة العرب الآخرين، لم يرمَ بعدها بأية صفة من صفات الإلحاد أو التكفير أو ألوان التصنيف المتنوعة كما هي اليوم، بل سعى كثيرون إلى جمع تلك المحاضرة في كتاب يليق بها، وكان ذلك بعد عقود من وفاة شحاتة، وبدعم كبير من وزير الإعلام الراحل محمد عبده يماني، الذي أنقذها من مقصات الرقيب.


مصر و"الملحمة الكبرى"


بعد بزوغ نجم حمزة شحاتة، التف حوله المعجبون، لكنه لم يكن حاضرا، كان متواضعا قليل الإعجاب بالذات، لا يرى أنه يستحق كل ذلك الاهتمام، يعشق البعد والانعزال لكن ذلك لم يجنبه الكثير من حروب عدة خاضها مع قلة من أدباء وكثرة من تجار، فغادر مكة إلى مصر عام 1944.

حمزة شحاتة اختار العزلة في مصر الستينات من القرن الـ20 فلم يحضر لقاء أدبيا، سوى واحد جمعه صدفة بالكاتب السعودي عبدالله القصيمي

أعاده محمد سرور الصبان وتدبّر له بعض الأعمال الإشرافية الجيدة حينها، لكنه انفك عنها كما انفك عن وظائف سابقة من تجارة وعمل في مكتب البعثات بسفارة السعودية في مصر ونقابة السيارات التي كان يتوق منها شيئا مختلفا، فعاد إلى مصر وكانت عودة اللاعودة.

وقبل الذهاب والعودة إلى مصر، خاض حمزة شحاتة وصديقه “اللدود” محمد حسن عواد، وكلاهما من مجددي الحراك الثقافي السعودي، سجالا أدبيا رفيعا احتضنته صحيفة “صوت الحجاز” التي أصبحت لاحقا صحيفة البلاد وهي أول صحيفة سعودية، امتدّ ذلك السجال حتى أضحى هجاء لم تتحمله “صوت الحجاز” ذاتها.

فلم يكتف الأديبان اللذان تخفيا في اسمين مستعارين، بتطريز أكبر ملحمة أدبية سجلت في تاريخ الأدب السعودي، وامتد “هول الليل” وهو اسم مستعار لحمزة شحاتة، بالتكاتف بالكلمات، مع “أبولو” اسم محمد حسن عواد المستعار، فاستخدما صحيفة الصفا الشعبية التي أسسها محمد سرور الصبان مقرا لنزالاتهما.

ويحكي القنصل السعودي الأسبق في القاهرة، محمد باخطمة، في فيلم أنتجه المخرج السعودي محمود صباغ، بعنوان “في بطحاء مكة” أن الاثنين تواجها لديه في مكتبه دون موعد مسبق، وعانق كل منهما الآخر، في وقت كانت أبصارهما على عتبات العمى والضعف، لكن احترامهما لبعضهما البعض كان معروفا ومحدثا بين السعوديين الطليعين.

مأساة أديب "سطوة الحسن"

عاش حمزة شحاتة حتى وفاته في مصر عام 1962 مبتعدا عن كل شيء، عاشقا لبناته وكيانه الخاص الذي أنشأه، في وقت وهج الحركة الأدبية المصرية وتعالي أصوات الاشتراكية والعروبية وحزب البعث المبتدئ آنذاك، حيث لم يحضر لقاء أدبيا، سوى واحد جمعه صدفة بالكاتب السعودي عبدالله القصيمي على أرض الكنانة، لكنه آثر العزلة وعيش مأساة الأديب.

جمعية الإسعاف الخيري التي أسسها محمد سرور الصبان عام 1934 لتكون نواة الأندية الأدبية في المملكة ومقرا للاحتفالات والفعاليات الثقافية، إضافة إلى الأعمال الخيرية والإسعافية

ولم يشاهد حمزة شحاتة كتابا له في حياته، ولكن بعد وفاته، انهمرت كتبه على أيدي آخرين، وناقشت أطروحات أكاديمية شعره ونثره وكتبه وفلسفته، يرى المتأخرون من الأدباء أنه عاش قبل عصره، ويقول عنه قريبه، الكاتب الأديب عزيز ضياء: “كأنه قد ولد ودرج على تراب هذه الأرض، قمة شامخة. ولا أقول ولدا عبقريا، إذ أن خاصية العبقري أن يولد بطاقة قد تبكّر في الظهور وقد تتأخر إلى أن يتاح لها التفجر والاندفاع، بينما حمزة شحاتة كان قد بدأ منذ عرفه عشاق الحرف والكلمة قمة لا تدري كيف تكونت؟”.

وكتب عنه بعض الأدباء عددا من التراجم ومؤلفات السيرة أبرزها كان كتاب عزيز ضياء “حمزة شحاتة قمة عرفت ولم تكتشف”. والأديب عبدالفتاح أبو مدين “حمزة شحاتة، ظلمه عصره” وكتاب لمحمد صالح باخطمة بعنوان “حمزة شحاتة: أيام معه”.

فيما ظلت قصائده حتى اليوم، منبرا غنائيا يغرّد بها كبار المطربين في السعودية، من أمثال محمد عبده، والراحل طلال مداح، وعبادي الجوهر، ولعل مطلع قصيدته الشهيرة يختصر سيرة شاعرها:


بعد صفو الهوى وطيب الوفاق عز حتى السلام عند التلاقي

يا معافى من داء قلبي وحزني

وسليما من حرقتي واشتياقي

هل تمثلت ثورة اليأس في وجهي

وهول الشقاء في إطراقي

14