حمزة قناوي: الواقع قد يكون أغرب من كل خيال أدبي

يمثل مبدأ “النجاح لا يكون إلا خارج بلدك” ظاهرة عربية غريبة، حيث يظل الكاتب في بلده مهمّشا مهما فعل أو مهما أنجز، وما إن يحتفى به خارج بلده حتى ينال صك الاعتراف والتقدير داخل وطنه. هذا ما دفع بالعديد من الكتاب والمبدعين إلى السفر عن بلدانهم واختيار العمل بعيدا عن التربة الأولى. “العرب” التقت الشاعر والكاتب المصري حمزة قناوي المقيم في الإمارات للحديث عن تجربته مع الكتابة والسفر.
الأربعاء 2016/04/06
السفر ظل للكتابة

بعد مغادرة الشاعر المصري حمزة قناوي مصر استقر بالإمارات ومن هناك واصل رحلته مع الإبداع، حيث أنهى مؤخرا مجموعته الشعرية الثامنة “لا شيء يوجعني”، بعد مجموعاته: الأسئلة العطشى، أغنيات الخريف الأخيرة، أكذوبة السعادة المغادرة، بحار النبوءة الزرقاء، الغريب- قصائد باريس، في موعد الغيوم، قصائد لها. إضافة إلى مجموعة قصصية واحدة هي “باتجاه الطريق”.

ينتمي قناوي إلى جيل التسعينات، ويقيم خارج مصر منذ نحو عقد من الزمن، حيث غادر مصر في العام 2007 بعد اصطدامه بوزارة الثقافة المصرية وقياداتها إثر صدور كتابه السردي الأول “المثقفون”، الذي ألقى فيه الضوء على الآليات المسيّرة للعمل الثقافي في مصر وفساده، إضافة إلى تحليل المشهد السياسي والاجتماعي المصري آنذاك، وموقع المثقفين منه.

الالتصاق بالواقع

واصل قناوي رحلته مع الحياة الأدبية في تجليات فنونها المتنوعة مراوحا بين الشعر والنثر والنقد، مارا على عدة عواصم عربية استضافته في فعاليات ومهرجانات مختلفة، مؤكدا أن ما يوجعه ألا تكون القاهرة من بينها.

وفي الكثير من الأحيان يتماهى المؤلف مع نصه، حتى أننا لا نكاد نفصل أحدهما عن الآخر، كأنما يتقاسمان حياة واحدة، أو هما ظلان لبعضهما بعضا، ويتصور حمزة قناوي أن المؤلف عليه أن يكون صادقا في تمثله لما يكتب، فالصدق هو مرتكز العمل الإبداعي، وقد يكون صدقا فنيا بحتا من خلال المعايشة أو التخييل أو صدقا حياتيا حقيقيا من خلال التجربة الشخصية، وهو في رأيه ليس إسقاط الذات على العمل وإخضاعه قسرا للأنا، فالمعالجة والفنيات وزوايا الطرح قد تأتي في المقام الثاني أو الثالث من إنتاج العمل الإبداعي- بالنسبة إليه- فالمرتكز الأساسي هو الصدق، الذي يمثل بوصلة العمل. وفي الأعمال التي أنتجها ضيفنا كان يكتب من خلال معايشته للحياة وما رآه، والمفارقة أن الواقع في الكثير من الأحيان يفوق أبعد تخييل ممكن لأكثر المؤلفين قدرة وحذقا.

مصر تمر بحالة من السكون الإبداعي العابر والمؤقت، متماه مع التراجع الاجتماعي والمتغيرات السياسية العنيفة

وكان قناوي، كما يقول، دوما يكتب العالم كما هو، بوجهه المباشر، وبصورته الأقرب، في زمن فاقت فيه فنيات وأنماط الكتابة جوهر الأفكار ذاتها. كان يحاول أن يكون نفسه في أعماله، أو بالأحرى يكتب ليعرف نفسه، ويعبر عن العالم كما هو.

راوحَت أعمال حمزة قناوي بين الشعر والسرد، إضافة إلى النقد مؤخرا، عن مسألة التصنيف الإبداعي للعمل الأدبي لديه يقول ضيفنا “مسألة التصنيف النوعي لا يتحكم فيها الكاتب بالكامل، فلكل فن آلياته وفنياته التي تتناسب مع جوهر الموضوع أو الفكرة المعالجة، الشعر مثلا باعتباره لغة عليا وتحمل إمكانات تعبيرية رمزية ومكثفة ودالة، حتى على مستوى الإيقاع والزمن، يختلف عن فن الرواية الذي يعتمد على بَسط الزمن والتدفق اللغوي والانتقالات بين العناصر المكونة للعمل، السرد والشخصيات وبيئة الحكي ومسارات التناول، والقصة القصيرة لها مقوماتها الخاصة أيضا، من هنا فإنني لا أختار “نوع” العمل حين أكتبه، فما أود التعبير عنه شعرا لا يمكنني استيفاء كل شروطه الجمالية والدلالية في حال لجأت إلى جنس الرواية للتعبير عنه”.

وعمّا يستفزه في العالم أو يدفعه إلى الكتابة عنه، يقول ضيفنا “كل ما حولي يدفعني للكتابة، لست مقتنعا بصورة هذا العالم وقوانينه التي مازالت لليوم تشيئ الإنسان وتستخف به وتستغله، أؤمن بأن الإرادة الحقيقية للبشر كامنة في الرفض وفي الكتابة بغية التمرد على كل ما يسلب الإنسان إنسانيته، أكتب لأثبت موقفا منددا بظلم أو كاشفا لاستغلال، أو لأفيد إنسانا أو على الأقل لأقدم قيمة جمالية ما، وأؤمن بأن التدوين هو السبيل الأكثر بقاء لمواجهة الفناء، والعدم، والمعاناة. وهذا أقصى ما أتمناه من الكتابة”.

أما عن السفر فيرى الشاعر أنه صنو وظل للكتابة، بل إن فكرة الكتابة نفسها هي سفر في النص دون معرفة بمنتهاه وإلام ستفضي الرحلة مع الكلمات. يقول “سافرت كثيرا من المشرق العربي إلى مغربه، بين قطر والكويت والبحرين وعمان وبيروت ودمشق والمغرب وتونس والجزائر وفرنسا وغيرها، كنت أحاول أن أحرر روحي بالتعرف إلى العالم والاقتراب من الحياة، ووجدت أن السفر دائما يشحذ الروح ويراكم الخبرات، ويجعلك أكثر معرفة بالبشر والحضارات والتاريخ، التراث الإنساني وموسيقى الشعوب وثوراتها، ويفتح وعيك مجددا على أسئلة العالم، والعابرين على الوقت والمسافات، كأنما هناك قلق وجودي دائم يسكنني إذا شعرت بالاستقرار ولو لوقت قصير، أشعر بأنني مُهدَّد وبأن قدرتي على الإبداع تواجه بالتصحّر، ومنشأه الثبات والجمود. لا أؤمن بالمصائر المُحددة سلفا والبيئات المؤمَّنة والمستقرة، فهي أكثر ما يُهدِّد روح الكاتب القلِقة”.

الشعر لغة عليا تحمل إمكانات تعبيرية رمزية مكثفة ودالة، أما الرواية فتعتمد على بسط الزمن والتدفق اللغوي

تراجع مصري

نال حمزة قناوي مؤخرا الماجستير في الأدب الحديث عن الإبداع الروائي لدى الكاتب صنع الله إبراهيم في رسالةٍ عن “ثنائية الحاكم والمحكوم في أعمال صنع الله إبراهيم”، عن الدوافع التي جعلته يسير في هذه المنطقة الشائكة من أدبيات الخطاب في الوعي العربي الجمعي، في مواجهة السلطة والموقف منها، يقول الشاعر “ما وجهني لفكرة الرسالة، وجذبني إلى موضوعها أنني رأيت أن إبداع الكاتب الكبير صنع الله إبراهيم، الذي أدير حوله عدد من جلسات النقاش والبحث في منهجيات الخطاب الروائي، وسوسيولوجيا النص الروائي، ولغة الخطاب الروائي ومحكيات السرد من أجل توسيع الأفق وإعادة قراءة خطابه الروائي بطريقة جديدة ووفق أحدث المناهج النقدية، للكشف عن الواقع الذي يتمثله ويجسده، إذ تتجلى فيه ظاهرة أسلوبية وموضوعيةً لم يتم تناولها من قبل، وهي ثنائية الحاكم والمحكوم في أعماله، والموقف من السلطة، وأشكال التمرُّد عليها.

ويضيف قناوي “هذه ظواهر تتفاوت في سبل معالجتها فنيا من قبل الروائي، وتتسع دائرة عرضها أو تضيق من رواية لأخرى، لكنها لا تختفي تقريبا فيها جميعا. إضافة إلى ما مرت به الساحة العربية من أحداث اجتماعية وسياسية كاد بعضها أن يكون تنبؤا لما أورده وناضل من أجل تغييره صنع الله إبراهيم، فالوعي المكتسب بعد هذه الأحداث يكشف ضرورة النظر المعمَّق للأدب السياسي الذي يشتبك مباشرة مع أنظمة الحكم السياسية في الواقع العربي. وقد تتبعت في الرسالة ثنائية السلطة والتمرُّد في أعمال الكاتب”.

وفي قراءته للمشهد الإبداعي والثقافي اليوم في مصر، يلفت ضيفنا إلى أن الثقافة في مصر اليوم ليست على ما يرام، وأن الحركة الإبداعية مهددة ومحاصرة، الجو العام في مصر حاليا لا يشجع على الإبداع، وهذا متجل في انحسار مركزية المشهد الإبداعي المصري.

15