"حمس" تعلن القطيعة بين الإخوان والسلطة في الجزائر

يتساءل مراقبون عن مصير جناح الحمائم داخل الإخوان، بعد نزوع قرار الحركة إلى المزيد من التشدد تجاه السلطة، فبعد القفز من مركبها العام 2012 وتخندقها في معسكر المعارضة، تعزز التوجه برد دعوة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة خاصة فيما يتعلق بالجناح الممثل في القيادة السابقة كأبوجرة سلطاني وعبدالرحمن سعيدي.
الأحد 2017/05/21
نهاية الحلف

الجزائر – نقل الطلاق المعلن بين الإخوان والسلطة في الجزائر المشهد السياسي إلى سيناريوهات مفتوحة على جميع المجالات بعدما أنهى سنوات من الشراكة السياسية ووضع علاقة الطرفين في منعرج غير مسبوق، حيث يجد كلاهما نفسه لأول مرة من دون الطرف الثاني، خاصة وأن الأمر لا يتعلق بمجرد الانضمام إلى الحكومة بل يتعداه إلى المستقبل السياسي للسلطة وللإخوان في المرحلة التي تعقب ولاية الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة التي تنتهي في 2019.

وقررت حركة مجتمع السلم “حمس” الإخوانية رفض الانضمام للحكومة وعدم تلبية الدعوة التي وصلتها من طرف الرئيس بوتفليقة على لسان رئيس الوزراء عبدالمالك سلال والأمين العام لجبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس.

وجاء القرار بعد مداولات ونقاش مفتوح لمجلس شورى الحركة المنعقد الجمعة، فبعد يوم شاق من الترقب والانتظار أعلنت عملية التصويت على الانضمام من عدمه، على فوز الخيار الثاني بالأغلبية الساحقة، في ساعة متأخرة من يوم الجمعة.

وتوافق القرار مع القراءات التي سبقت اجتماع مجلس الشورى خاصة بعد النتيجة النهائية للانتخابات المعلن عنها من طرف المجلس الدستوري، حيث جاءت مخيبة لآمال الكثير من الأحزاب التي طعنت في ظروف ونتائج الاقتراع وعلى رأسها حركة “حمس”.

وقالت مصادر مقربة من الحركة لـ”العرب” بأن قيادة حمس اختارت يوم الجمعة لاجتماع مجلس الشورى لكي تتمكن من الاطلاع على نتائج الطعون وعن نوايا المجلس الدستوري (أعلى هيئة قضائية) في البلاد، في إعادة النظر في النتائج الأولية المعلنة من طرف وزارة الداخلية في الخامس من مايو الجاري.

وأضافت “قيادة الحركة راهنت كثيرا على حيازة مقاعد جديدة بعد الطعون التي قدمتها للمجلس الدستوري، وكانت تنتظر إنصافها وإنقاذ الاستحقاق الانتخابي من شبهات التزوير من طرف الإدارة وأحزاب السلطة”.

وكان رئيس الحركة عبدالرزاق مقري أول الشخصيات السياسية التي اتصل رئيس الوزراء عبدالمالك سلال من أجل إطلاعه على رغبة الرئيس بوتفليقة في انضمام حركة حمس للحكومة القادمة.

ولم يتوان الرجل الأول في حزب الأغلبية (جبهة التحرير الوطني) جمال ولد عباس عن إطلاق رسائل الغزل لأكبر الأحزاب الإخوانية من أجل إقناعها بمسعى توسيع القاعدة السياسية للحكومة لجميع الأطياف الممثلة في البرلمان الجديد.

وقال ولد عباس “لديّ رفاق وزملاء في حمس على كفاءة عالية في مجال التسيير، ويمكن أن يشكلوا إضافة للطاقم الحكومي، ويمكن للحركة المساهمة في إنجاح عمل الحكومة، وتنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة”.

وأضاف “سلال نقل رغبة بوتفليقة لقيادة حمس، لأنهم ليسوا إسلاميين متطرفين، وبالإمكان لكوادر الحركة أن يكونوا إلى جانب الأطياف الأخرى في الحكومة الجديدة”.

منعرج سياسي غير مسبوق في المشهد السياسي الجزائري برفض حركة مجتمع السلم "حمس" الإخوانية الانضمام إلى الحكومة الجزائرية الجديدة بعد إصدار المجلس الدستوري للنتائج النهائية للانتخابات التشريعية

وكانت حركة حمس قد دخلت الانتخابات التشريعية الأخيرة في تحالف مع جبهة التغيير التي يقودها المنشق السابق عبدالمجيد مناصرة وحازت على 33 مقعدا في البرلمان الجديد، قبل أن يضيف لها المجلس الدستوري في النتائج النهائية مقعدا آخر.

وسبق لرئيس جبهة التغيير أن صرح بأن “التحالف لا يتعلق بالانتخابات فقط وسيستمر لغاية إعلان الوحدة النهائية، وأن مسألة المشاركة في الحكومة، ستنبثق عمّا سيخلص إليه مجلس شورى حمس”، وهو ما يوحي بأن القرار جاهز وينتظر التأكيد فقط.

وتداولت بعض الأوساط السياسية في وقت سابق إمكانية التحاق عبدالمجيد مناصرة بالحكومة بعدما تلقى اتصالات مماثلة من طرف عبدالمالك سلال، إلا أن الرجل قطع الشك باليقين بعد إعلان القرار حيث صرح لوسائل الإعلام بتوحد مواقف وقرارات تحالف حمس والتغيير.

وهو ما يؤشر إلى انصهار مرتقب بين الحركتين ومزيدا من التنسيق بينهما في المواقف السياسية ليكون الأمر بذلك تحولا غير مسبوق في تاريخ إخوان الجزائر، فبعد عقود من تبني نهج الشراكة مع السلطة يتقرر الطلاق بين الطرفين.

وفيما لم يصدر أيّ تعليق عن قيادات الحركة عقب قرار مجلس الشورى فإن مراقبين يجزمون بأن التعديلات الطفيفة غير المقنعة للمعارضة في ترسيم النتائج النهائية للانتخابات هي التي رجحت كفة رفض حمس لدعوة الرئيس بوتفليقة.

وذهب محللون إلى استحالة تأثير النتائج النهائية على النتائج الأولية، لأن ذلك يعزز شبهات التزوير التي أطلقتها أحزاب المعارضة، وهو ما لا تريد السلطة الإقرار به من طرف واحدة من أهم مؤسسات الدولة.

ويتساءل مراقبون عن مصير جناح الحمائم داخل الإخوان بعد نزوع قرار الحركة إلى المزيد من التشدد تجاه السلطة، فبعد القفز من مركبها العام 2012 تعزز التوجه برد دعوة بوتفليقة خاصة فيما يتعلق بالجناح الممثل في القيادة السابقة.

وفي هذا الشأن حذر رموز جناح الحمائم من تداعيات رفض الدخول في الحكومة ومما أسموه بـ”العواقب الوخيمة التي ستظهر نتائجها في المحليات القادمة، وأن التوجه سيضع حركة مجتمع السلم في موقف محرج، خاصة أنها سبق أن عبرت عن رغبتها في المشاركة في الحكومة قبل التشريعيات”.

ودعا هؤلاء إلى ضرورة العودة إلى الخط السياسي الذي رسمه مؤسس الحركة محفوظ نحناح، المعروف بـ”الشراكة السياسية مع السلطة والتغيير من الداخل”، واعتبروا الخطوة بمثابة القفز نحو المجهول.

وعرف الإخوان في الجزائر منذ تأسيس الحركة في مطلع التسعينيات بنزوعهم إلى مهادنة السلطة، وهو ما شكل بديلا من أجل احتواء الشارع المؤيد حينها للإسلاميين.

وأدى محفوظ نحناح في انتخابات العام 1995، دور “أرنب السباق” مع مرشح السلطة للرئاسيات آنذاك اليامين زروال، حيث أضفى خوضه السباق المصداقية على الاستحقاق ورفض الطعن في ممارسات التزوير، رغم نصحه بذلك من طرف محيطه بدعوى أنه “يريد لملمة الجراح وليس فتحها مجددا”.

كما تواجد الإخوان في مختلف الحكومات منذ مجيء بوتفليقة إلى قصر المرادية، في إطار ما عرف بـ”التحالف الرئاسي” المؤيد له، إلى جانب حزبي السلطة (جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي)، قبل أن يقرر المؤتمر الخامس الطلاق مع السلطة والتخندق في صفوف المعارضة.

إلا أن مشاركتها في الانتخابات الأخيرة رفقة أحزاب إسلامية أخرى، رغم تداعيات ذلك على تماسك تكتل المعارضة، أعاد الشكوك حول مسار الحركة خاصة في ظل الأحاديث التي تداولت صفقة سياسية بين السلطة والإخوان.

2