حمص بطحينة.. جائع زاده الخيال

الطعام في الشرق الأوسط ألذ من طعام أي مكان آخر. ادخل إلى مطعم سوري في لندن وستحتار في ما ستأكل وما ستترك.
الأربعاء 2019/08/28
في الغرب يزيد الاهتمام بشكل متصاعد بالطعام القادم من الشرق الأوسط

إليكم الأخبار. المطاعم الإيطالية والهندية والصينية في تراجع في بريطانيا، بينما يزيد الاهتمام بشكل متصاعد بالطعام القادم من الشرق الأوسط. إذا قررت أن تفتح مطعما في لندن هذه الأيام، فعليك أن تفكر بمطعم لبناني أو سوري أو تركي.

أحب هذا النوع من الأخبار. هو كلام كنت أردده دائما. الطعام في الشرق الأوسط ألذ من طعام أي مكان آخر. ادخل إلى مطعم سوري في لندن وستحتار في ما ستأكل وما ستترك. هجوم بعشرة أطباق مقبلات باردة. امتلأت الطاولة أمامك. قبل أن تمر عليها كلها، هجوم ثان بمقبلات ساخنة. لا أعرف كيف تتمكن الطاولة نفسها من استيعاب ضعف العدد من الأطباق وهي ممتلئة بالأصل. هذه وحدها تربح مسابقة تلفزيونية عن عمل المستحيل. ثم يأتي النادل يقول لك ماذا تريد أن تتعشى؟ طبق اليوم أم مشاوي؟ امتلأت عيني بالأكل قبل أن تمتلئ معدتي. تطلب مشاوي على استحياء لأنك أتيت لتتعشى لا لكي تأكل “مازات” فقط.

اذهب إلى مطعم إيطالي. تحسه مخبزا وليس مطعما. كل شيء عجين. إذا رحمك النادل من مقترحات البيتزا، فإنه يقترح عليك الباستا. عجين في عجين. لا أعرف كيف يمكن لشخص أن يأكل باستا وما هي إلا عجين مسلوق.

اذهب إلى مطعم صيني وهناك ستبكي. أنواع المعكرونة المصنوعة من الأرز (نسميها شعرية) كثيرة لكنها تسبح بالصويا وبمطيبات لا أعرف من أين يأتون بها. يقْلون اللحم ويبخرون السمك ويشوون الخضروات. كل شيء بالمقلوب. لا أريد أن أذهب إلى مطعم صيني، ولا إلى ياباني. في الياباني تحس بكم هي طازجة الأسماك. أنت تعضها وهي تعضك. كل شيء غير مطبوخ.

في المطعم الهندي، هناك وجبة اسمها البهارات. مسبح للبهارات. ثم يضيفون إليها لحما أو دجاجا. “شوية رز” لا تغير طبيعة مسبح البهارات. حتى الآيس كريم يأتي بنكهة البهارات. ماذا حدث لنكهة الفانيلا والأناناس؟

في كل سفرة مع أصدقاء أريد أن أصطحبهم لمطعم لبناني في المدينة. في إشبيلية أحبطت الأصدقاء لأني أصررت على وجبة لبنانية في بلد التاباس وهي أطباق صغيرة لا أعرف أي معنى لها. أحبطتهم لأن كل ما في المطعم لا علاقة له بالأكل اللبناني، إلا النادل المغربي الذي يتحدث بلكنة لبنانية مفتعلة.

لم أتعلم الدرس وأجبرت مجموعة أخرى في ريو دي جانيرو على أن نتعشى في مطعم لبناني على ساحل كوبا كوبانا. أتوا بالطعام وإذا به تقليد رديء للأكل اللبناني. لماذا يا عم أكلكم هكذا (سألت صاحب المطعم المسن)؟ قال هذا ما تذكرته من أكل فلسطيني عندما هاجرت من إسرائيل قبل 40 عاما. صرنا حقل تجارب للفلافل الإسرائيلية “المغتصبة” من التراث الفلسطيني. أشكر الأصدقاء المرافقين في السفرة لتهوين الأمر علي، بدلا من تقريعي.

آخر تجربة في الرباط. اسم المطعم مركب يجمع اسم البلد المشرقي واسم مطرب مشهور. تقول للنادل “خلينا نشوف القائمة”، يبتسم ويأتي بالأطباق. ثم أطباق. ثم وجبة رئيسية. لم يتعلم الشيف المغربي من الأكل اللبناني إلا الثوم. كل شيء مشبع بالثوم. صديقي اللبناني الذي يجلس أمامي صار مرعوبا من الأكل ومن الموسيقى الصاخبة ويصرخ “يا لطيف.. يا لطيف”. خلعنا الطبّال عن كراسينا مصرا على أن نستمتع بما يعزف.

عودة إلى لندن. لا أزال أعتقد أن الحمص بطحينة أفضل من الباستا، وأن مشاوي تركية تتكدس أمامك وتخر دهنا حيوانيا أفضل من قطعة لحم مجهرية توضع أمامك في مطعم فرنسي. أنا جائع زاده الخيال.

24