حملة أميركية غير مسبوقة ضد الصين نتائجها غير مؤكدة

صندوق النقد الدولي يشير إلى أن الحرب بين واشنطن وبيكين ستجر وراءها تداعيات على اقتصاد العالم بأسره، محذرا من أن "فسحة الفرص تضيق".
الأحد 2018/10/14
الصين تتوعد بالرد على واشنطن بالقدر ذاته "العنف"

تصاعد التوتر التجاري مؤخرا مع إعلان الإدارة الأميركية فرض رسوم على ما قيمته مليارات الدولارات من السلع الصينية في مسعى لما تعتبره واشنطن ممارسة تجارية صينية غير مقبولة، لكن لصندوق النقد والمجتمع الدولي وجهة نظر أخرى، فحرب مواجهة التمدد الصيني والحفاظ على زعامة العالم، التي تخوضها الولايات المتحدة، لها تداعيات كبيرة على الاقتصاد والأمن العالميين.

واشنطن – شنت الولايات المتحدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب حملة مباشرة على الصين على جميع الأصعدة، لم تخض واشنطن مثلها من قبل، في وقت يحذر فيه صندوق النقد الدولي من أن هذه الحرب ستجر وراءها تداعيات على اقتصاد العالم بأسره، محذرا من أن “فسحة الفرص تضيق”.

ورغم أن الرئيس الأميركي أعرب في أوقات سابقة خصوصا في بداية رئاسته، عن إعجابه بالرئيس الصيني شي جينبينغ، حيث قال “لدينا علاقات رائعة مع الصين وأنا معجب حقا بالرئيس شي”، إلا أنه في الفترة الأخيرة الماضية أشهر سلاح الحرب التجارية في وجه الصين.

بدأت طبول الحرب تدق بشكل قوي في مطلع هذا الصيف عندما عاد الرئيس الأميركي إلى التصعيد التجاري مع الصين وبدرجة غير مسبوقة تنذر بإشهار حرب تجارية بين البلدين حين هدّد بفرض رسوم مشددة جديدة على منتجات صينية مستوردة.

بعد ذلك تواصلت التهديدات، ووصلت إلى حافة الهاوية في سبتمبر الماضي حين فرض ترامب رسوما بنسبة 10 بالمئة على واردات بنحو 200 مليار دولار لكنه استثنى منتجات شركة أبل الأميركية وسلعا استهلاكية أخرى. وهدد ترامب في بيان من أنه إذا ردت الصين بإجراءات انتقامية “فسندخل فورا المرحلة الثالثة وهي فرض رسوم على واردات إضافية بقيمة 267 مليار دولار تقريبا” أي شمول جميع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة.

وكان لهذا البيان صدى خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث سجلت في دورتها الـ73، في 25 سبتمبر الماضي مواجهات بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ونظيره الصيني وانغ يي.

 وقال أحد الحاضرين خلال الغداء الذي تنظمه الأمم المتحدة بين الدول الخمس الدائمة العضوية، أن بومبيو شنّ “حملة هجاء فظيعة” ضد الصين، قابلها رد بالقدر ذاته من “العنف” من وانغ يي.

اعتبرت هذه الانتقادات الشديدة خلال اجتماع تسوده اللباقة في غالب الأحيان، مؤشرا مسبقا على خطاب علني ألقاه نائب الرئيس مايك بنس في 4 أكتوبر. وتضمن الهجوم غير المسبوق بشدته اتهامات عدة منها المنافسة التجارية غير النزيهة والتوسع الدبلوماسي والعسكري ولا سيما في بحر الصين الجنوبي، والانتهاكات المكثفة للحريات العامة ولحقوق الأقليات الدينية، وصولا إلى اتهام مدهش بالتدخل في الانتخابات الأميركية من أجل التخلص من ترامب.

وقالت الباحثة في معهد العلاقات الخارجية إليزابيث إيكونومي “لم يسبق للصين أن تعرضت لحملة علنية بهذه الطريقة من قبل”، مشيرة إلى “هجوم مباشر في جميع الاتجاهات”. ولفتت إلى أن هذا النهج “جديد” لأن واشنطن “باتت تطرح صراحة على الطاولة كل التحديات الصينية التي تواجهها الولايات المتحدة والدول الأوروبية”.

حرب تجارية

واشنطن تخشى أن تنازعها الصين على زعامتها في العالم
واشنطن تخشى أن تنازعها الصين على زعامتها في العالم

رأى الخبير في معهد بروكينغز راين هاس المسؤول في إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما أن الإدارة الجمهورية “اختارت اتباع مسار مختلف عن الحكومات السابقة، مركزة على الضغوط العلنية على حساب الدبلوماسية”.

وإلى جانب الرسوم الجمركية المشددة على الصادرات الصينية والتهديدات بفرض رسوم إضافية على المزيد من المنتجات، توعد ترامب بتدابير أخرى مثل التشديد على عمليات نقل التكنولوجيا النووية المدنية لمنع “تحويرها” من أجل “أهداف عسكرية”.

ولطالما حرصت الولايات المتحدة منذ التقارب الذي باشره ريتشارد نيكسون عام 1972 مع الصين في عهد ماو تسي تونغ، على إبقاء الحوار مفتوحا على أمل أن انفتاحا اقتصاديا أكبر سيؤدي إلى المزيد من الانفتاح الدبلوماسي والسياسي. غير أن خيار اختبار القوة يكسب تأييدا متزايدا داخل الإدارة الحالية.

وقالت إليزابيث إيكونومي “هناك إحساس عام في واشنطن بأن الصين واقتصادها أهم من أن يُسح لهما بالاستمرار في انتهاك كل القواعد الدولية” لا سيما وأن الرئيس الصيني شي جينبينغ “يحمل بلدا مختلفا تماما إلى الساحة الدولية، مع سياسة خارجية أكثر طموحا وتوسعية بكثير”.

وإلى الخلاف حول بحر الصين الجنوبي، ثمة خطتان صينيتان تثيران المخاوف، هما “طرق الحرير الجديدة”، المشروع العملاق القاضي بإقامة بنى تحتية لربط العملاق الآسيوي بباقي العالم، وخطة “صنع في الصين 2025” لجعل الصين رائدة على صعيد التكنولوجيا.

ما يريده ترامب

يرى الأستاذ الجامعي المستقل هوا بو مت أن الولايات المتحدة تخشى أن تنازعها الصين على زعامتها في العالم. وتعيد هذه المبارزة بين القوتين الاقتصاديتين الكبريين العلاقات الدولية عقودا إلى الخلف.

وقال هوا بو مت “ترامب يريد بوضوح خوض حرب باردة جديدة” ويستخدم من أجل ذلك كل أدوات القوة الأميركية، يسخّر كل ما لديه من أجل “الفوز بسباق مئة متر، في حين أن الصين تعتزم منازعة الولايات المتحدة في الماراتون”. وأضاف أن “الأوروبيين لا يبدون رغبة خاصة في اللحاق بحرب ترامب التجارية هذه لأنهم لا يعتبرون أن الصين تمثل تهديدا جوهريا لأوروبا مثل الاتحاد السوفييتي سابقا”.

لكن، رغم وقع الخطوات الأميركية، تبقى فرص ترامب لتغيير الصين ضئيلة، حيث أن الوضع العالمي اليوم يختلف عن سياق الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي. كما أنه ليس من الواضح ما تريده الولايات المتحدة فعلا.

ويقول راين هاس بهذا الصدد إن “إدارة ترامب تراهن” على أن نهجها سيرغم بكين على التطور، لأنها تعتقد أن الصين حريصة على “تفادي أي مواجهة”. لكنه لفت إلى أن الصينيين “قلما يرون مصلحة في الرضوخ لطلبات ترامب سواء في التجارة أو في غيرها، لأن هذا لن يوجد تسوية لجذور الخصومة المتصاعدة، وهي الجهود الأميركية لاحتواء تصاعد نفوذ الصين”.

خيار اختبار القوة يكسب تأييدا داخل إدارة ترامب
خيار اختبار القوة يكسب تأييدا داخل إدارة ترامب

وبدا ترامب في الأساس على استعداد للاكتفاء بعرض من الصين يقضي بزيادة وارداتها من البضائع الأميركية لإعادة التوازن إلى الميزان التجاري بين البلدين، وهو ما كان وعدا أساسيا في حملته الانتخابية. لكن يبدو أن أوساطه أقنعته بتبني رؤية استراتيجية أكثر، تهدف إلى حمل الصين على تبديل سلوكها، وهو ما سيكون في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلا.

غير أن هذا لا يستبعد برأي إليزابيث إيكونومي أن “يكتفي ترامب بنجاح محدود ليعلن انتصارا هائلا”، لا سيما وأنه بحاجة إلى بكين في قضية نزع سلاح كوريا الشمالية النووي. وفي هذه الحالة، فإن التوتر سيتراجع.

يلقي هذا المد والجزر في العلاقة بين بكين وواشنطن بظلاله على الاقتصاد العالمي، حيث حذر صندوق النقد من أن المخاطر “تتزايد باستمرار وسط توترات تجارية متصاعدة ومخاوف جيوسياسية مستمرة”.

وقالت المنظمة التي تضم 189 دولة إن “فسحة الفرص تضيق” داعية الأعضاء “إلى الامتناع عن التخفيض التنافسي (للعملة) واستهداف معدلات الصرف لأغراض تنافسية”.

كان ترامب اتهم بكين بخفض قيمة عملتها لتخفيف أثر الرسوم التجارية الأميركية. وخالف وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، خلال الاجتماع السنوي للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التحذيرات المتزايدة بشأن الخلاف التجاري بين الولايات المتحدة والصين.

واعتبر أن الضغط على بكين لتبني سياسات تجارية أكثر انفتاحا سيكون مفيدا للجميع. وقال “هدفنا مع الصين واضح جدا: أن تكون لنا علاقة تجارية أكثر توازنا”.وتابع “أعتقد أننا إذا ما توصلنا إلى ذلك، فسيكون الأمر جيدا للشركات الأميركية والعمال الأميركيين والأوروبيين واليابان وجميع حلفائنا الآخرين، وجيدا للصين”.

لكن تصريحاته لم تلق تأييدا كبيرا من الحاضرين. وقال حاكم البنك المركزي الياباني هاروهيكو كورودا إن “النزاع التجاري سيضر بجميع الاقتصادات وليس فقط الولايات المتحدة والصين”. وأضاف “هذا النزاع لن يكون جيدا لاقتصادي الولايات المتحدة والصين وكذلك لاقتصادات آسيا والعالم”.

وينصب الاهتمام الآن على الأمل في عقد لقاء بين ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ على هامش قمة العشرين في الأرجنتين ودفن الأحقاد باتفاقية ما.

وقال منتوشين إن أي قرار لم يتخذ بعد وأن الولايات المتحدة لا تطلب، في الوقت الراهن، أي تنازلات صينية قبل أن يوافق ترامب على عقد اجتماع.

وقال للصحافيين “إنه أمر أشجعه ونجري مناقشات بشأنه (…) لكن في الوقت الحاضر، ليست هناك شروط مسبقة، والرئيس سيقرر بهذا الصدد”.

4