حملة إلكترونية يديرها جيل ثورة الاتصال منحت الفوز لقيس سعيد

تونس استنسخت ديمقراطية بدأ الناس يرفضون إعلامها في موطنها لأنه ساير السلطة والمال والترفيه ونسب المشاهدة في حين أن جوهر الديمقراطية هو التداول العام.
الاثنين 2019/09/23
الحملة الإلكترونية استفادت من تراجع الثقة بالصحافة

اعتمد قيس سعيد المرشح الفائز بالجولة الأولى في الانتخابات الرئاسية التونسية على حملة إلكترونية، لم يعهدها السياسيون التونسيون الذين استهلكهم التلفزيون، ونشطت بمهارة مركزة على أيدي جيل ثورة الاتصال الذين نجحوا بالتفوق على النخبة السياسية الإعلامية التقليدية.

خلال ثلاث وتسعين دقيقة، يوم 17 سبتمبر، انسحب أكثر من 643 ألف مشترك من صفحة تلفزيون الحوار التونسي على فيسبوك بسبب ما اعتبره أنصار قيس سعيد، الفائز في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية، تهجما من القناة على مرشحهم. وبلغ العدد مليون انسحاب بعد ساعات، أي سدس المشتركين.

ولا يُعجز فرقَ قيس سعيد التي تمكنت من تجنيد مليون مستخدم، لينسحبوا من صفحة الحوار التونسي، أن تجند 620 ألفا من المقترعين للتصويت. ويمكن أن يكون ذلك في جانب كبير منه تفسيرا للغموض الذي حير الكثيرين ممن تساءلوا عن سبب فوز مرشح يتهرب من الإذاعة والتلفزيون ولا يستخدم المنشورات ولا غيرها من منصات الإعلانات في حملته.

وإن كان قيس سعيّد تحدث باقتضاب بعد فوزه عن حملته الانتخابية الخرساء بالقول إن “شبانا متطوعين ساعدوني في الحملة بأموالهم وجهدهم” فإن معلومات أخرى رشحت عن حقيقة الحملة. لقد قال الناشط بيرم الكيلاني على مدونته يوم 17 سبتمبر “قمنا بتحليل أكثر من ألفي فريق دعم لـقيس سعيد. الآلاف من الشبان نظموا ذلك تلقائيا، مع كلمة سر واحدة: لا شيء يخرج إلى العلن”.

هي حملة إلكترونية لم يعهدها السياسيون التونسيون الذين استهلكهم التلفزيون. فاجأتهم الحملة لأنها تدار في السر بمهارة مركزة على ما لا تفعله النخبة السياسية الإعلامية التقليدية. لقد مل الناس، في تونس كما في كل مكان في العالم، حوارات بين صحافيين وسياسيين لا يجدون أنفسهم فيها إلاّ متفرجين دون أدنى مشاركة.

صحيح أن التلفزيون لا يقدر على شيء غير أن المواطن يراه الشريك السياسي الذي شاهده مرارا في البرلمان عبر التلفزيون وهو يخوض مع الخائضين في أمور لا تغنيه من جوع. ولذلك يرد كثير من المواطنين على السياسيين الذين يزورونهم في الحملات الانتخابية “أين كنتم قبل الآن؟” وللسبب نفسه نجح المرشح نبيل القروي في استقطاب الناس لأنه سمعهم و تحدث معهم.

وقد يكون قيس سعيد فعل مثله وهو أوكل في كل الأحوال للشبان ذلك في الفرِق الإلكترونية التي امتدت إلى الواقع وقد تكون بدأت منه. وليس صدفة أن يكون 57 بالمئة من المقترعين الذين صوتوا لقيس سعيد من الشباب و45 بالمئة من خريجي الثانوي والعالي، وهم من أكثر الناس استخداما لتكنولوجيا الاتصال. ولا يستقيم القول إن ناخبيه من المناطق الفقيرة في تونس. لقد تفوق على منافسيه في مناطق فقيرة ولكن أيضا في مناطق غنية مثل صفاقس ونابل وبن عروس وأريانة ومنوبة.

لقد تغير التواصل بين الناس وأصبحت الوسيلة الإعلامية الأوسع رواجا في العالم شريط الأخبار على فيسبوك. وليست فرقُ مساندة قيس سعيد بدعة فقد أثرت الشبكات في انتخابات قبلها في الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ونيجيريا…وأظهرت حركات احتجاجية مثل السترات الصفراء في فرنسا قبل عام و”لنحتل الطريق” عام 2011 امتدت إلى 95 مدينة في 82 بلدا حول العالم.

قيس سعيد مرشح يتهرب من الإذاعة والتلفزيون ولا يستخدم المنشورات ولا غيرها من منصات الإعلانات في حملته
قيس سعيد مرشح يتهرب من الإذاعة والتلفزيون ولا يستخدم المنشورات ولا غيرها من منصات الإعلانات في حملته

لقد جاءت تلك الحركات رفضا للديمقراطية التي بدأ الإعياء يعلو ملامحها منذ ثلاثة عقود بعد سقوط جدار برلين وبعد أن بدأ الإعلام في العالم يختلط بمراكز الصناعة والساحات المالية والشركات العابرة للقارات في صناعات الترفيه. واستنسخت تونس بداية من 2011 التجربة الغربية بعيوبها لكن بأقل شفافية سياسية وأقل جدوى إعلامية وأقل مشاركة مواطنية.

استنسخت تونس ديمقراطية بدأ الناس يرفضون إعلامها في موطنها لأنه ساير السلطة والمال والترفيه ونسب المشاهدة في حين أن جوهر الديمقراطية هو التداول العام. فماذا كان الفرق بين بلدين مثل بريطانيا والاتحاد السوفيتي مثلا؟ كان في كليهما شعب وفي كليهما سلطة، حلقتان تجمعان بينهما وتفرقهما ثالثة موجودة في بريطانيا ومفقودة في الاتحاد السوفيتي وهي الحلقة التي يلتقي فيها الشعب والسلطة للنقاش بشهادة الإعلام أولا.

تلك الحلقة المسماة بالفضاء العام أو التداولي أو فضاء التعبير الحر… حلقة يتناقش فيها الناس ويسمعهم الحكام عبر أشكالِ حوار شتى ليشاركوا في القرار بإسماع أصواتهم بطرق شتى الإعلام إحداها، حلقة كانت مفقودة في الاتحاد السوفيتي وهي منحسرة اليوم في تونس. فماذا ينفع المواطن التونسي أن يتحاور سياسي وصحافي في التلفزيون عن مقاومة غلاء المعيشة وهو عاجز عن المشاركة؟

وقد تدنت ثقة الناس في الإعلام عبر العالم وليس في تونس فقط حيث هناك شخص على ثلاثة يثق في الإعلام.. وفي بعض البلدان الأوروبية وصلت نسبة الثقة إلى أقل من الثلث حسب تقرير مؤسسة رويترز لهذا العام في حين أن فرنسا تشهد تدنيا مفزعا لم تشهده منذ 32 عاما بسبب تعامل ما يعرف بوسائل الإعلام الرئيسية مع تحركات السترات الصفراء.

لقد ولدت السترات الصفراء في السر ثم احتجت علنا على السلطة حتى تحولت إلى معاداة وسائل الإعلام تماما مثل فرق قيس سعيد التي اشتغلت في السر ثم ظهرت فجأة يوم الاقتراع ثم أعلنت معاداتها للإعلام. عادت السترات الصفراء “بي.أف.أم.تي.في” أولا ثم البقية لاحقا كما عادت فرقُ قيس سعيد الحوار التونسي أولا.

هي حركات تنشأ في السرية كما نشأت فرق أخرى عملت لحساب دونالد ترامب في حملته الانتخابية كانت توصي المنتمين إليها بقطع علاقاتهم مع عائلاتهم. وتجمعهم كما يقول ديفيد كولون، في كتابه البروباغندا الصادر عام 2019، “قيمتا” رفض السلطة ورفض المركزية في كل شيء وقيمة المساواة، تحركهم في ذلك مُثلٌ لا يقبلها الواقع دائما.

ونجد الكثير من ذلك في خطاب قيس سعيد. رفضه السلطة متمثل في رفضه الأحزاب التي قال عنها في حديثه الشهير إلى الشارع المغاربي في يونيو الماضي، لقد “صارت بعد ثورة وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة أحزابا على هامش الدنيا…لن ألغيها… التعددية ستبقى قائمة إلى أن تندثر وحدها”.

 هو سياق جديد تندثر فيه الأحزاب ثم التعددية تخلفها الفرق الإلكترونية ذات اللون الواحد في ما يسميه سعيد “الانتقال الثوري الجديد”.

 وهو يرفض المركزية باقتراحه حل البرلمان وتعويضه بنظام تمثيلي ينطلق من المحلي إلى الوطني مثل السوفييت. وهو يرفض مركزية الإعلام مكتفيا بالشبكات مديرا ظهره للإعلام التقليدي. وهو يدعو إلى المساواة بين الجميع في ممارسة السلطة إذ يندر أن يتحدث عنها دون أن يُتبعها بلفظ “الشعب”.

حملة إلكترونية لم يعهدها السياسيون التونسيون الذين استهلكهم التلفزيون. فاجأتهم الحملة لأنها تدار في السر بمهارة مركزة على ما لا تفعله النخبة السياسية الإعلامية التقليدية

وتتشابه الفرق الإلكترونية الفاعلة سياسيا عبر العالم في تبني ثقافة إعلامية جديدة عبر الشبكات فهي أقل كلفة وأطوع وتتيح صيغة متطورة من النقاش متعدد المستويات لكنه غير تعددي يضمن السرية كما يضمن التأثير السهل في الناس. فخلافا لتأثير الإعلام الكلاسيكي الذي يتم على مرحلتين، تتمثلان في تأثيرها في قادة الرأي ثم تأثير هؤلاء في الناس، فإن التأثير في المجموعات يكون من قائد الرأي في أفراد الفريق دون الحاجة إلى وسيلة إعلامية.

وهي أجدى تأثيرا لأن المنتدبين الجدد يكونون عادة من المُهيّئين لأفكار الفريق وتكون الرسائل موجهة إليهم مباشرة خلافا لشخص يقود حملة في التلفزيون أو في الساحات العامة حيث تكون الرسائل موجهة إلى الجميع من القابلين ومن الرافضين ومن غير المعنيين. لقد أثبتت دراسة أجريت عام 2008 أن 76 بالمئة من الروابط المتقاسَمة في تلك الفرق هي روابط داخلية.

إن التواصل بين أفراد فرق منغلقة على نفسها، متفقين في كل أمر، يجعل طباعهم حادة بل عنيفة في التواصل مع الآخرين فيتوحش خطابهم في الفضاء الإلكتروني وهو ما يشبه قانون غودوين القائل إنه كلما طال النقاش بين أفراد فريق منغلق على نفسه اقترب خطابهم من التطرف لشدة التبسيط.

لقد خلص بحث أجرته جامعة زوريخ إلى أن الأفراد الذين يعبرون عن آرائهم بعنف على الشبكة بهويات مكشوفة يعتبرون أنفسهم “محاربين من أجل العدالة الاجتماعية” لا يقبلون نقاشا مع أحد في ذلك ويراهم عدد من الناس شجعانا …وإن في العنف لمكافأة.

18