حملة الأقلام وحملة التوابيت

الأحد 2016/03/06
هل جددت العواصف أسئلة الثقافة العربية

ما جرى على الأرض العربية، ومازال يجري، مهول في صوره وأخباره، هزّ شجرة الفكر العربي ورجّ الرؤوس بالأسئلة وأصاب الوجدان بجروح غائرة يبدو أن لا شفاء قريباً منها. فهل إن هذا الشيء العظيم الذي ارتج له الشرق، وتشظت صور مآسيه حتى بلغت العالم شرقاً وغرباً، قد جدد في شيء أسئلة الثقافة العربية، بعدما أصاب من وجود العرب ووجدانهم ما أصاب.

أهو سؤال مبكر، أم سؤال متأخر؟

هل أسقطت العاصفةُ الأوراقَ الصفراءَ في شجرة الأسئلة؟ هل جدد نهر الدم في تطلعات المثقفين، هل أضافت المحن بعظائمها سؤالاً جديداً جامعاً يلهم المفكرين والمبدعين ويحرّضهم على الذهاب أبعد في مغامرة الرؤية والكتابة والموقف، بما يمكن أن يخلق حالة وعي عربي يزحزح صخرة الحاضر عن أفق المستقبل.

***

قبل زلزال السنوات الخمس كنا قد ظننا أن زمن الميوعة العاطفية والصوت المتضخم، والأنا المتعالية إلى درجة الألوهة انتهى، وانتهت معه قصيدة “المتنبي الحديث” البائس المتورّم، لصالح قصيدة الشاعر الإنسان ابن الأرض، وابن المدينة، المتسلح بطاقة خلاقة تمكّنه من خوض مغامرة أنضج مع اللغة، تتلمس العالم، مشتملا على المرئي وما وراءه، مدفوعة بشغف إعادة اكتشاف الحواس والرؤى والميول ومعها اللغة التي تكتب الذات في عالم لم يعد بالإمكان وصفه بالبساطة. لا أتكلم، هنا، على تجارب شعرية أفصحت آثارها عن حذلقات لغوية ولا على رطانات الشعر اليومي وتبذله، وإنما على صنيع شعري مختلف يتيح للشاعر أن يمتلئ بفكرة أنه “يمشي بين الأيام ووراء الأيام”، وأن لديه بلاغة حديثة إنما هي ندّ للبلاغة القديمة، التي استمرت تأسر الشاعر العربي الحديث وميوله من أحمد شوقي وحتى شعراء الموجة الأولى من موجات شعر الحداثة في أربعينات وخمسينات القرن الماضي.

في عرف الشعراء الجدد يتولّد اليوم يقين بأن الطبعة العربية الواحدة للحداثة قد هلكت، وخرج من حطامها شعر حرّ منفتح على عالم شاسع يأبى أن يُؤسر، أو يقنّن استناداً إلى مفاهيم للشعر صدرت عن تجارب سبقت.

***

ولطالما رأيت في كتابات عن الشعر أن معضلة تاريخ الشعر العربي أنه يحفظ لنا، إلى جوار السطور الشعرية العظيمة التي احتجب شعراؤها، شعراء يتقدمون على قصائدهم. في العصور الحديثة يبدو الشاعر المتفوّق على قصيدته، المتهافت بشخصه على الضوء، أشبه ما يكون بمتسول بائس يعتاش على الاسم، بينما قصيدته تنتحب في الظل! إنه شخص يستثمر إرث الشاعر النبوي، الشاعر الناطق باسم جماعة، أو ثقافة، أو فكرة، الشاعر الأسطع من شعره.

هل أسقطت العاصفة الأوراق الصفراء في شجرة الأسئلة؟ هل جدد نهر الدم في تطلعات المثقفين، هل أضافت المحن بعظائمها سؤالا جديداً جامعاً يلهم المفكرين والمبدعين ويحرضهم على الذهاب أبعد في مغامرة الرؤية والكتابة والموقف، بما يمكن أن يخلق حالة وعي عربي يزحزح صخرة الحاضر عن أفق المستقبل

هناك، بيننا إلى اليوم، شعراء أنانيون إلى درجة تستدعي الشفقة، وهؤلاء هم، غالباً، أشخاص مضطربو الدواخل، يشكّون في قدرة نصوصهم على البقاء، فإذا بهم يكثرون من الكلام الكبير عن الخلود، ومن الكلام الطائش عن “موت الشعر” و”موت اللغة”، و”موت البلاغة”، و”موت المعنى” في الآثار الجديدة. ولعل إلحاحا كهذا على مفردة الموت إنما يعكس، سايكولوجياً، أزمة شعور مفرط به عند هؤلاء الشعراء. إنهم أشبه بحملة توابيت ومؤبّني موتى منهم إلى مغامرين أحياء في أرض الشعر.

والمثير للتأمل أكثر من أيّ شيء آخر مع هؤلاء الشعراء هو تلك العقدة التي تشي بها خطاباتهم، وأعني بها، ما سبق وأطلقتُ عليه في كتابات سابقة لي “عقدة قتل الابن” بين دوافعها، بالتأكيد، ضرب مرير من اليأس من المستقبل. إنه مسّ من جنون العظمة، ولوثة من بطرياركية مُهلكة أصابت الشاعر، لتعكس استسلاما محزنا إلى بطرياركية اجتماعية وسياسية أبّدت نفسها في مجتمع شرقي لم يتخلّص من طبائع الاستبداد. فهل يليق بشعراء كهؤلاء أن يقرن شعرهم بفكرة الحرية التي طالما قرن بها الشعر الحديث، وقرنت بها الآثار الأبية للحداثة؟

في وسع شعراء ظهروا قبل شعراء أن يعتبروا اللاحقين عليهم أبناء لهم، لكن المسألة ليس مسألة رغبة، فإذا لم تتأكد هذه الأبوّة عبر روابط جمالية وفكرية حقيقية تتجلى في النصوص ويمكن العثور عليها في المغامرة الشعرية، فلا قيمة لمثل هذا الادعاء، بل إنه يتحوّل إلى شيء فكاهي: أب يفتش عن ابن يتبنّاه! هذه واحدة أخرى من عوارض مرض، بطاركة الشعر الفانين، بفكرة الخلود.

لعل فكرة أن الجيل لا ينتهي إلا بموته الجسدي هي فكرة صحيحة إلى حد كبير. لكن المحزن في ثقافتنا العربية أن تموت الأرواح وتبقى الأجساد تتحرك سابحة في فلك يوهم بالحياة الخالدة.

يجب أن نعترف أن نوعا من التناكر الغريب يحكم العلاقات بين الأجيال الشعرية العربية، لم ينج منه، على المنقلب الآخر، بعض أفضل الشعراء الجدد من ذوي التجارب المؤثرة.

***

بعض ما يحملني على هذا التوصيف النقدي الجارح هو تلك الاتهامات الباطلة التي تصدر، بين وقت وآخر، عن شعراء يبست عروق شعرهم، والتي تكيل للأصوات الشعرية الجديدة ذات التجارب المؤثرة تعريضا بنقائصهم، لا سيما ما يقال عن “نقصان الخبرة الوجودية” لديهم. هذه الاتهامات وغيرها تبقى متوقّعة في منعطفات يموت فيها شيء ويولد شيء آخر. إنما هي تسمّم فضاء الشعر، وتكشف حقيقة أن مطلقيها يعانون من أزمات نفسية أليمة، وما كلامهم المجازف بالحقيقة، والمتجنّي على الجمال الشعري الجديد سوى ضرب من بلاغة التعبير عن الاحتضار. فالرقعة الشعرية العربية عريضة وهائلة وتشير إلى خصوبة أرض الشعر، وإلى إمكان تعايش الجماليات المختلفة، بل والمتناقضة. طالما كانت الثقافة الشعرية العربية على امتداد قرون قابلة للتنوع وجدل الاختلاف.

تخطيط: ساي سرحان

وما أظنّ إعراض البعض عن الأخذ به، اليوم، إلا تعنّتا لا يسنده تاريخ الشعر ولا حتى بأمثولة واحدة قيّمة. فحتى ما يسمّى بعصور الانحطاط العربي كانت هناك مساحات للاختلاف وتعايش الاتجاهات ولقاء الأساليب بين الشعراء والأدباء، وربما تعدّد الرؤى والتطلعات.

ولو نحن ضربنا صفحاً عن القلة الخائفة من الجديد، فإن الكثرة من الشعراء الأذكياء تتلقى الآثار الشعرية الجديدة، على ألوانها المختلفة، بفرح وصفاء وبشيء كبير من القدرة على التمييز والاغتناء. هناك، إذن، ما يموت، والموت حقّ وجودي، ومن طبع المحتضر أن يتحشرج.

***

نخلص إلى استنتاج مفاده أن عدم القدرة على المشاركة والحوار والإقرار بوجود الآخر المختلف في الثقافة الشعرية العربية، لهو ضرب من التلوّث بالذات ووقوع في شرك فرادتها القاتلة، وهو من عوارض ثقافة الاستبداد. أما الموت كما عنيته بوصفه حقاً، فهو شيء لا يمكن لأمنياتنا أن تمنع وقوعه، بل إنه شرط من شروط التطور، وعلامة من علامات الحيوية في الثقافات الحية.

وإن كان بعضنا يعتقد أن “جديد” بعض الشعراء كفّ عن أن يكون مبتكرا ومبدعاً، فإن ذلك لا يطال بحال جديده القديم الذي ولد في سياق وتاريخ مختلفين، ولربما يبقى حاضرا في الذائقة المعاصرة.

***

أعود إلى السؤال الأول، عمّا إذا كانت عواصف زمننا قد عصفت بأفكارنا وقناعاتنا، كما عصفت بوجداننا الجماعي وتركته مضرّجا بدم الحاضر؟ ما من دليل يقود إلى إجابة شافية إلا ونجده في تلك الآثار التي تترى اليوم حاملة رسائلنا وخطاباتنا عن حاضرنا الدامي، وقراءتنا للحال، وتطلّعنا نحو مستقبل عربي مختلف. ولعلّ في ما أقبلت “الجديد” على نشره، حتى الآن، بعض ما في قلق الروح والفكر، وكثير من اعتمالات الوجدان في انفعاله الأرقى دفاعا عن وجود أمّة يراد لها أن تصير حطاما بين الأمم. وهو، بالتالي، فعل دفاع ومقاومة حضاريان أدواتهما أقوى ما جمع العرب وجعل منهم أمة تليدة: اللغة والرؤى والموقف والخيال.

* افتتاحية عدد آذار/ مارس من مجلة "الجديد" الثقافية، وتنشر بالاتفاق مع المجلة

شاعر من سوريا مقيم في لندن

11