حملة التغييرات تتوسع إلى مؤسسات سيادية في الجزائر

التغييرات العميقة في جسد المؤسسة العسكرية تهدف إلى تجديد ذاتي للنظام السياسي القائم لتكريس مواقعه مع الاستحقاق الرئاسي القادم.
الجمعة 2018/08/24
العين على الولاية الخامسة

الجزائر - أكد مصدر مسؤول في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم لـ”العرب” أن حملة التغييرات الجارية في صلب المؤسسة العسكرية، هي وجه من أوجه تغييرات شاملة ستطال مختلف مؤسسات الدولة، وأن الأمر سيمس لاحقا مؤسسات مدنية أخرى، بما فيها جهاز الولاة (المحافظين)، ومسؤولو الهيئات الحكومية القاعدية، وكبرى المؤسسات والإدارات، فضلا عن الحكومة التي ستشهد تغييرا عميقا في المرحلة المقبلة.

وفيما لم يشر المصدر، الذي رفض الكشف عن هويته، إلى مصير رئيس الوزراء الحالي أحمد أويحيى في المشهد القادم باعتباره أحد الفاعلين المؤثرين في المشهد السياسي، شدد على أن التغييرات مستمرة ومفاجآت قادمة تمهد لمرحلة جديدة في البلاد، في تلميح إلى أن الانتخابات الرئاسية ستكون تحولا مفصليا في المسار السياسي الجزائري.

وكان الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة عزل، الأربعاء، مدير أمن الجيش محمد تيرش، وعين خلفا له اللواء عثمان بن ميلود. كما أنهى مهام المراقب العام للجيش اللواء بومدين بن عتو، وعين خلفا له اللواء حاجي زرهوني.

وتأتي هذه التغييرات بعد أقل من أسبوع من عزل كل من اللواء شنتوف الحبيب من قيادة الناحية العسكرية الأولى، واللواء سعيد باي، قائد الناحية العسكرية الثانية، فضلا عن إقالة مدير الأمن عبدالغني هامل، ومدير الدرك مناد نوبة، وعدد من مدراء الأمن بالمحافظات، بالإضافة إلى قضاة وإطارات سامية في الدولة.

ويرى محللون أن “التغييرات العميقة الجارية في جسد المؤسسة العسكرية، هي تجديد ذاتي للنظام السياسي القائم، من أجل التخلص من الشوائب العالقة والاستعداد لتكريس مواقعه مع الاستحقاق الرئاسي القادم، حتى ولو زعمت السلطة بأن التغييرات المذكورة تندرج في سياق الاحترافية وتشبيب الكادر العسكري تماشيا مع متطلبات المرحلة المعقدة”.

ويشير المحامي والناشط السياسي مصطفى بوشاشي إلى أن “النظام يدرك موت بعض الخلايا ولذلك يسعى إلى التخلص منها، وضخ دماء جديدة في مفاصله من أجل مواجهة حالة الغليان السياسي والاجتماعي الداخلي، والاستمرار في السلطة”.

ونفى بوشاشي أن يكون الفساد المالي والسياسي، هو السبب الرئيسي وراء حملة التغييرات الجارية، معتبرا أن الآليات القانونية والتشريعية التي وضعتها السلطة، هي التي سمحت باستشراء الظاهرة وتغلغلها في مختلف المؤسسات.

ويعتقد مراقبون أن التغييرات الحالية تأتي عكس طموحات السلطة والمحيط الراغب في التجديد للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، بخلاف العمليات السابقة داخل المؤسسة العسكرية في 2004 و2013.

وجاءت تلك العمليات من أجل إزاحة الضباط والجنرالات الذين عارضوا مرور بوتفليقة إلى ولايته الثانية في 2004، حيث تمت إقالة قائد الأركان الراحل الجنرال محمد العماري، وفي 2013 تم حلّ جهاز الاستخبارات الذي عارض آنذاك الولاية الرئاسية الرابعة.

قراءات الأحزاب السياسية تضاربت بشأن تصريحات قائد أركان الجيش قايد صالح حول حياد العسكر وعدم الانجرار وراء التجاذبات السياسية والحزبية الداخلية

ويرى المحلل السياسي نورالدين ختال أن “التغييرات الجديدة تأتي عكس طموحات ونوايا السلطة، وأن سقوط جنرالات عينوا في مناصبهم منذ مطلع الألفية، يلمح إلى أن الركائز التي كانت تستند عليها السلطة في تمرير أجنداتها أصبحت من الماضي”.

واعتبر ختال أن هوية الرئيس القادم للجزائر ستأتي عكس طموحات وتوقعات المحيط الحالي للرئاسة، لأن الجيل الجديد من قادة وضباط المؤسسة العسكرية يملك رؤية أخرى، لدور الجيش في المرحلة القادمة.

ورغم عزل جنرالات في دوائر وأجهزة مهمة داخل المؤسسة، كما هو الشأن بالنسبة لأمن الجيش (الاستعلامات العسكرية) ورقابة الجيش، إلا أن قائد أركان الجيش ونائب وزير الدفاع الوطني الجنرال أحمد قايد صالح، أكد الأربعاء، في مقر الناحية العسكرية الأولى بالبليدة (50 كلم جنوبي العاصمة)، خلال حفل تنصيب القائد الجديد للناحية الجنرال علي سيدان، خلفا للجنرال الحبيب شنتوف، أن “مقياس الجدارة ومعيار الاستحقاق عاملان في تثبيت نهج التداول على الوظائف والمناصب”.

وفي محاولة لتبديد الغموض المحيط بحملة التغييرات العميقة، أكد قايد صالح أن “التداول سيكون تقليدا عسكريا راسخا وسنة حميدة، تتيح فرصة تحفيز القدرات البشرية، وتثمين خبراتها الغنية والمتراكمة”.

ولا تزال الطبقة السياسية في الجزائر تلتزم الصمت في انتظار انجلاء غبار المعركة، حيث رفض مسؤولون في التجمع الوطني الديمقراطي وحزب العمال التعليق أو الرد على أسئلة “العرب”، بشأن حملة التغييرات، وتداعياتها على المرحلة المقبلة، لا سيما الانتخابات الرئاسية المنتظرة بعد ثمانية أشهر.

وتضاربت قراءات الأحزاب السياسية بشأن الموقف الذي أدلى به في وقت سابق قائد أركان الجيش قايد صالح، حول حياد العسكر وعدم الانجرار وراء التجاذبات السياسية والحزبية الداخلية، حيث اعتبرتها أحزاب السلطة ردا صريحا على دعوات إخوان الجزائر، للمؤسسة العسكرية من أجل مرافقة الطبقة السياسية في تحقيق الانتقال السياسي.

وبالمقابل اعتبر رئيس حركة “حمس″ الإخوانية عبدالرزاق مقري، حياد المؤسسة العسكرية خسارة كبيرة للموالاة التي كانت تعتمد على الجيش في التلاعب بنتائج الاستحقاقات الانتخابية.

1