حملة تصفية حسابات جديدة في الجزائر

سجن أنيس رحماني مدير شبكة النهار الإعلامية المقرب من نظام بوتفليقة.
السبت 2020/02/15
حرب تصفية حسابات

الجزائر - دخلت التجاذبات السياسية في هرم السلطة الجزائرية، جولة جديدة من الصراع، بسقوط أكبر الأذرع الإعلامية الموالية لنظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، فخاصية التلون التي تميز مجمع النهار الإعلامي الخاص لم تشفع لمالكه بالإفلات من تصفية الحسابات التي تريد استعطاف غضب الشارع، بواسطة سجن الإعلامي محمد مقدم.

وقرر القضاء الجزائري إحالة مالك مجمع النهار الإعلامي ومسيّره محمد مقدم المعروف إعلاميا بـ”أنيس رحماني” على السجن المؤقت، بتهم “مخالفة التشريع الخاص بتحويل الأموال إلى الخارج، وتكوين أرصدة مالية في الخارج، والحصول على امتيازات غير مستحقة”.

ويعتزم عمال المجمع وصحافيوه الدخول في إضراب عن العمل تضامنا مع زميلهم، واحتجاجا على ما يصفونه بـ”المؤامرة” التي تستهدف المجمع.

وتفادى البيان الصادر عن المؤسسة، الجمعة، ذكر التهم المذكورة، واكتفى بالقول “إن قاضي التحقيق بمحكمة بئر مراد رايس بالعاصمة، أمر بإيداع مديرها محمد مقدم، المعروف إعلاميا بأنيس رحماني، حبس الحراش بالعاصمة”.

وخضع الإعلامي الموقوف إلى تحقيق معمق من طرف فصيلة الأبحاث في جهاز الدرك الوطني (فصيل عسكري تابع لوزارة الدفاع)، لساعات طويلة في مقره الرئيسي بالعاصمة، قبل أن يحال إلى قاضي التحقيق بالمحكمة المذكورة، والذي قرر في ساعة متقدمة من صباح الجمعة إيداعه الحبس المؤقت.

وخصت وسائل إعلام محلية (فضائيات وصحف ومواقع إخبارية) تغطيات خاصة ومفتوحة لتطورات الملف منذ توقيفه من طرف عناصر أمن بالزي المدني بمقر عمله واقتياده إلى مركز التحقيق، كما سجّل تفاعل قوي للرأي العام مع القرار، في خطوة تنم عن ارتياح ممزوج بالتشفي.

ويعد أنيس رحماني، من الشخصيات الإعلامية الشابة المحسوبة على نظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وتمكن في ظرف قياسي من تكوين مجمع إعلامي قوي يتكون من قناة إخبارية وصحيفة ورقية وعدة مواقع إلكترونية إخبارية منها المعلن وغير المعلن.

وظل طيلة السنوات الماضية يمثل الذراع الإعلامية القوية التي تخوض حملة الدعاية لنظام الرئيس بوتفليقة، ولأجندة التجديد له خلال الانتخابات الرئاسية التي جرت في 2014، والتي كان يزمع تنظيمها في أبريل الماضي، كما كان أحد المقربين من الرجل القوي سابقا في الرئاسة سعيد بوتفليقة، وكبار المسؤولين والضباط في المؤسسة العسكرية.

يواجه عقوبة السجن المؤقت
يواجه عقوبة السجن المؤقت

وحاول المجمع التلون مع الوضع الجديد الذي أفرزه الحراك الشعبي، وتطويع خطه الافتتاحي مع توجهات السلطة الجديدة، بغية الإفلات من تصفية الحسابات السياسية المحتدمة بين أركان السلطة القديمة والجديدة، إلا أن ذلك لم يشفع له بعد سقوطه المدوي الجمعة.

وباستثناء عمال وصحافيي المجمع، فإن قرار سجن أنيس رحماني، لم يحظ بأيّ تعاطف من طرف الرأي العام، عكس الإعلاميين الآخرين الموقوفين بتهم مختلفة، وسجلت معالم ارتياح ممزوجة بروح التشفي لدى العشرات من المواطنين الذين تجمعوا أمام المحكمة في انتظار قدومه أو تحويله إلى السجن.

وهو ما يكون قد حقق للسلطة ولو نسبيا الهدف من سقوط الرجل القوي في الإعلام الجزائري، بمحاولة كسب رضى الشارع وإقناعه بتوجهاتها القاضية بمحاربة الفساد والدوس على قوانين الجمهورية من طرف الرموز المحسوبة على النظام السابق.

وكان المجمع الإعلامي، يدير حملة دعاية واستقواء برجالات السلطة، لدرجة الإساءة المهنية والأخلاقية للكثير من الجهات، لاسيما زملاء في المهنة وناشطين سياسيين ومعارضين، فضلا عن توظيف مؤسسات الدولة في تنفيذ أجنداته الدعائية، الأمر الذي ترك حالة من الانتقام المكبوت لدى الرأي العام، وحوّله إلى أحد رموز السلطة المطالب برحيلها، خاصة بعد حملة التشويه التي أدارها ضد الحراك الشعبي.

ولا يستبعد مراقبون، أن يكون سقوط مالك مجمع النهار الإعلامي، متبوعا بسقوط رؤوس أخرى في المجمع وفي بعض المؤسسات الأخرى، كون اللوبي المذكور كان يمثل أحد البؤر المحسوبة على نظام بوتفليقة، ولم يتوقف عن تلغيم طريق السلطة الجديدة خلال الأشهر الأخيرة.

وخاض المجمع حملة مضادة ضد الرئيس الحالي عبدالمجيد تبون، قبيل الانتخابات الرئاسية، لمّا قام ببث صور وتسجيلات تتهم الرجل بالفساد وبالولاء للخارج، بإيعاز من جهات أمنية في هرم السلطة، لم تكن راضية عن تقديم تبون كمرشح للسلطة، وقدمت دعمها للمرشح عزالدين ميهوبي.

ولم يتورع المجمع في فتح أبوابه مع المرشح علي بن فليس حينها رغم القطيعة الطويلة بين الطرفين، نكاية في مرشح السلطة، وتنفيذا لخطة كانت تستهدف تلغيم طريقه وفسح المجال أمام المرشح ميهوبي، وهي الخطة التي قادها عدد من الوزراء في الحكومة السابقة وبعض الولاة وعدد من ضباط المؤسسة العسكرية، فضلا عن المجمع الإعلامي المذكور.

وتوقع متابعون نهاية حتمية لنفوذ أنيس رحماني في المشهد الإعلامي والسياسي الجزائري بعد فوز عبدالمجيد تبون بالانتخابات الرئاسية، وهو المسار الذي بدأ بإعادة ترتيب الجهاز الإعلامي في مؤسسة الرئاسة، وإصدار قوانين تعاقب التفرد الحصري بأخبار السلطة التي كانت من نصيب مجمع النهار.

4