حملة تكفير في تونس عقب نقاش حول المساواة وتأويل القرآن

ما زال الجدل متواصلا بشأن المقترحات الجديدة للجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس، والتي تتطرق إلى مسألة مهر الزواج واللقب العائلي، وزاد الأمر سوءا مع وجود العديد من المغالطات في هذا الشأن إلى جانب حملة تكفير طالت أعضاء اللجنة. وشملت الهجمة المفكر والفيلسوف التونسي يوسف الصديق بعد تأكيده على أن تأويل القرآن أمر ضروري باعتبار تطور العصر، إذ تم اتهامه بالزندقة والكفر.
السبت 2018/02/03
محاولات كهنوتية لافتكاك عرش الله

تونس - أثارت ردود الفعل حول المقترحات الجديدة للجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس بشأن إلغاء المهر وإمكانية منح المرأة لقبها العائلي لأبنائها جدلا آخر رافق الجدل الأول حول المقترحات، إذ أشعل موقف المفكر والفيلسوف التونسي يوسف الصديق من الموضوع حملة تكفير جديدة ضده.

وبعد أن عبر يوسف الصديق عن موقفه من مسألة المساواة بين المرأة والرجل في تونس بالنظر إلى مقترحات لجنة الحريات الفردية الجديدة، تعرض المفكر إلى هجمة تكفيرية ضده كما تم وصفه بـ”الزندقة”. وقال الصديق خلال برنامج حواري تلفزيوني بقناة محلية إن “القرآن ليس نصا صالحا لكل زمان ومكان”، لافتا إلى أن مسألة تأويل النص القرآني تبقى دائما ممكنة باعتبار مقتضيات العصر الحديث وتطور البشرية إلى جانب ضرورة عدم الاقتصار على الدين في صياغة التشريعات.

واصطدمت هذه التصريحات بردود فعل التيار المحافظ في تونس لتسفر عن حملة تكفير جديدة دون التطرق إلى عمق هذه المسائل، مثلما هو الحال عند نقاش المسائل الدينية في كل مناسبة.

وأثارت مقترحات لجنة الحريات الفردية والمساواة، والمتعلقة أساسا بالمهر والميراث وخاصة حول اللقب العائلي، موجة من الجدل مجدّدا في الشارع التونسي بسبب ما أشيع حول هذه المقترحات دون معرفة حقيقتها.

وتم إحداث لجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس من قبل الرئيس الباجي قائد السبسي في 13 أغسطس 2017 بمناسبة الاحتفال بعيد المرأة. وترأست اللجنةَ النائبةُ بالبرلمان بشرى بالحاج حميدة رفقة شخصيات حقوقية ممثلة لمختلف أطراف الطيف السياسي ومن بينهم عبدالمجيد الشرفي وصلاح الدين الجورشي ودرة بوشوشة.

وأججت مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بإلغاء المنشور عدد 73 الذي يمنع زواج التونسية المسلمة بالأجنبي غير المسلم، في أغسطس الماضي، نقاشا واسعا في الأوساط التونسية.

يوسف الصديق: تأويل النص القرآني يبقى دائما ممكنا باعتبار مقتضيات العصر

وقبل تقديم تقريرها النهائي إلى رئيس الجمهورية في أواخر شهر فبراير القادم، روّجت العديد من الأطراف والصفحات المحسوبة على تيارات إسلامية أو محافظة أخبارا مفادها أن اللجنة ستنص في تقريرها على منح الأبناء حق لقب الأم، علاوة على تأكيدها جازمة أنه سيتم إلغاء المهر وإقرار المساواة في الإرث بين الجنسين.

واعتبر مراقبون في تونس، حتى قبل صدور توضيحات أعضاء اللجنة، أن اتخاذ مثل هذه القرارات الجريئة والتقدمية تأتي في انسجام وتطابق تامين مع مقتضيات دستور الجمهورية الثانية المصادق عليه في 27 يناير 2014 أو مع مقتضيات كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية.

في المقابل، نفت رئيسة اللجنة الرئاسية بشرى بلحاج حميدة كل ما تم تداوله، مشيرة إلى أن ما أشيع عن مقترحات اللجنة غير دقيق وأن “المقترحات النهائية هي التي يعرضها ويتبناها رئيس الجمهورية صاحب المبادرة”.

وقال صلاح الدين الجورشي عضو لجنة الحريات الفردية والمساواة، لـ”العرب” إن البعض أساء فهم مقترحات اللجنة وأوّلها على نحو خاطئ خصوصا أنها درست أكثر من قرابة 25 مقترحا وليس المسائل الخلافية التي تم تداولها فحسب.

ونفى الجورشي أن يكون من بين اقتراحات اللجنة إلغاء المهر، موضحا أن المسألة تتعلق بجعل المهر لا يبطل عقد الزواج ولا يكون شرطا أساسيا لصحة عقده، مشيرا إلى أن اللجنة ارتأت أن يكون شرط المهر محل اتفاق بين الزوج والزوجة وأن تكون لهما الحرية في ما يختارانه. ويستند الرافضون لهذا المقترح الأخير حتى وإن كان اختياريا وليس وجوبيا على سند ديني مرتبط بالشريعة وتحديدا على المذهب المالكي الذي يُعرف المهر على أنه “بدل عن المنفعة المستوفاة بالدّخول أو البضع” أو كما عرفه العز ابن عبدالسلام وهو أحد فقهاء الأشعرية على أنه ثمن للذّة يدفعه الزوج نظير تمكين الزوجة له.

وقوبل هذا التعريف الفقهي الأخير في تونس برفض واسع من قبل الحقوقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والحداثيين معتبرين أن به تحقيرا للمرأة وجعلها سلعة.

ويرى مراقبون أن مسألة المهر تتطلب بالضروة تعديل الفصل 4 من مجلة الأحوال الشخصية الذي يعتبر المهر شرطا وجوبيا لصحة الزواج.

وفي علاقة بأكبر مسألة خلافية أثيرت لدى الرأي العام التونسي بعد خطاب رئيس الجمهورية الشهير في 13 أغسطس الفارط حول مسألة المساواة في الإرث، قال الجورشي لـ”العرب” إن اللجنة لم تبت نهائيا في المسألة نظرا لحساسيتها، مشيرا إلى أنه قد يتم التوصل إلى منح حرية الاختيار بين اعتماد الشريعة كمصدر للميراث أو اعتماد المساواة بين الجنسين.

أما بخصوص الجدل الدائر حول اللقب العائلي فقد قال الجورشي إن المسألة لا تتعلق البتة بما ذهب إليه البعض بأن يصبح الطفل حاملا بصفة آلية للقلب أمه بل يتعلق بإمكانية إضافة لقب الأم إلى جانب لقب الأب وكل ذلك لا يشكك أبدا في نسبه.

وأشار إلى أن اللجنة ستترك في هذه المسألة حرية الاختيار للزوجين، وذكر أن منح الطفل لقب الأم لن يكون وجوبيا.

ولخص الجورشي جملة الاقتراحات التي سيتم تقديمها لرئيس الجمهورية آخر شهر فبراير بقوله “ستشمل 25 مقترحا تقوم بالأساس على حرية الاختيار لا الوجوب أو الأمر وفقا لما ينص عليه دستور البلاد”. من جهته، أكد رئيس الرابطة التونسية لحقوق الانسان جمال مسلم لـ”العرب” على ضرورة عدم التسرع في تقييم أشغال لجنة المساواة.

وأضاف “نحن في الرابطة نقولها بكل وضوح على الجميع احترام الدستور وبالتالي بات من الضروري إلغاء المهر الذي يجعل المرأة التونسية كبضاعة”، داعيا في الآن نفسه إلى المساواة في الإرث بين الجنسين احتراما لكل المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

وأكد جمال مسلم أن الرابطة عقدت عدة اجتماعات مع لجنة الحريات الفردية والمساواة وطالبتها باتخاذ إجراءات جريئة في ما يتعلق بمسألة أخرى خلافية في البلاد وهي عقوبة الإعدام، كاشفا أنه “بات من الضروري في تونس الثائرة والديمقراطية أن تتقدم ولو بصفة نسبية في هذا الملف بالتقليل من النصوص القانونية المشرّعة للإعدام إلى حين أن يتم إلغاؤه بصفة نهائية”.

4