حملة تمرد غزة.. ثورة على الإخوان والانقسام

الأربعاء 2013/09/11
حماس "تقتات" من شعارات المقاومة

تأثرا بنجاح حملة تمرد مصر التي نجحت في إسقاط الإخوان من عرش السلطة المصرية، سعى شباب فلسطيني غزاوي إلى تنظيم «نظير فلسطيني» للمثال المصري، فكانت الحملة الموسومة رسميا «حملة تمرد لإسقاط حكم حماس في غزة» المزمع تنظيمها يوم 11 تشرين الثاني 2013، إعلانا شعبيا شبابيا عن رفض حكم حماس في غزة ومن ورائه رفع سقف الامتعاض والرفض لسياسات الإخوان في القطاع. لماذا يثور شباب فلسطيني ضد حكم حماس؟ ولماذا ينقل التجربة المصرية إلى غزة؟ ما الذي يجمع بين الرفض المصري والاعتمال الفلسطيني؟ وهل من شبه بين حكم الإخوان لمصر وسياسة الفرع الإخواني في غزة؟

لحكم حماس قواسم مشتركة تجمعه مع كل التيارات الإخوانية في الدنيا، ولكنه رسم لنفسه خصوصيات فلسطينية «غزاوية» مخصوصة.

منهل إخواني مشترك

أما المشترك الإخواني فيقوم على أن حماس بوصفها أحد الفروع الكثيرة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، تنطلق من الثوابت العامة لجماعة الإخوان بدءا مما رسمه حسن البنا من قواعد (مثل السمع والطاعة والثقة في القيادة) أو ما أضافه جملة من عتاة الإخوان ومنظريهم على غرار سيد قطب الذي استخرج مبادئ «جاهلية المجتمعات» أو «إسلام التنظيم وجاهلية من عاداه»، ومن المعلوم أن حماس لا تخفي انتماءها لتنظيم الإخوان وذلك منذ تأسيسها، حيث في بيانها الأول الذي صدر عام 1987 (تحديدا في المادة الثانية من ميثاق حركة حماس) أن «حركة المقاومة الإسلامية جناح من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين. وحركة الإخوان المسلمين تنظيم عالمي» وهذا يثبتُ أن صلة حماس بالتنظيم العالمي هي صلة تنظيمية وفكرية وعضوية.

الارتباط الحمساوي بتنظيم الإخوان ووصولها إلى السلطة إثر انتخابات عام 2006 عوامل تضافرت لتصنع من حماس قوة سياسية بطابع إسلامي تطبق الخناق على قطاع غزة، وتجعل منها «إمارة طالبانية» على حدّ تعبير عديد الكتاب، لكن طلبنة القطاع لا تحيل فقط على التقوقع والانعزال بل تحيل أيضا على ما كرسته الحركة من انقسام فلسطيني أولا، ومن تعامل قمعي عنيف مع من يعارضها ثانيا، ومن تخلّف اقتصادي واجتماعي «نجحت» في تحقيقه بسرعة قياسية، وأخيرا لما شرعت في إقامته من أسلمة عميقة للمجتمع والسلوك. ولاشكّ أن هذا السجلّ الحافل من منجزات حماس، يذكّر بالتجارب الإسلامية التي قامت في عديد الأقطار العربية والإسلامية والتي شهدت جميعها ودون استثناء تقهقرا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا لا يحتاج قرائن (السودان والصومال وأفغانستان وغيرها)، لكنه يعكس أيضا اهتمام حماس بالبقاء في السلطة أكثر من التفكير في القضية التي تحمل هويتها اسما وشعارا وتوجها، ألا وهي القضية الفلسطسنية. وهو ما يحيلنا على خصوصية للإسلام السياسي الفلسطيني.

فشل الحكم وتبديد المقاومة

تأسست حركة حماس بعنوان مركزي «أخاذ» هو مقاومة الاحتلال الصهيوني، ومثل ذلك العماد الثاني للبناء الإيديولوجي للحركة، طالما أن الأول هو- مثلما أسلفنا الذكر- المشترك الإخواني العام. خصوصية «المقاومة» أكسبت الحركة بعض تعاطف في بداياتها، خاصة وأن تأسيسها تزامن مع حدث سياسي ونضالي مهيب هو الانتفاضة الفلسطينية من 1987 حتى 1994، ولكن حماس سليلة التنظيم الإسلامي القديم «المرابطون على أرض الإسراء» أطنبت في توظيف شعار المقاومة أكثر من تحوله إلى واقع عيانيّ. المقاومة تحولت عند حماس إلى شعار للتسويق، وبعد أن تهيأ لها أنها تحولت إلى حكم أو حكومة بعد عربدة 2007 العسكرية وطرد فتح من غزة، فشلت حماس في الحكم وبدّدت عنوان المقاومة، فعاثت في القطاع استبدادا وملاحقات أمنية وقمع للمعارضين، وفي الآن نفسه أصبحت تلتزم بمفاعيل أوسلو أكثر ممن أمضاها ودعا لها، وأصبح جنودها يحرسون حدود غزة من المقاومة ومن المعارضة، والأدهى من كل ذلك هو الاستعاضة بعلم الحركة عن علم فلسطين وبشعارات الحركة عن شعارات الوطن المسلوب؛ هنا تماما تكمنُ أزمة حماس التي لا تؤمن بالوطن الفلسطيني الموحّد، وأنها تحرص على السلطة أكثر من بحثها سبل تحرير الأرض، وتفكّر في التضييق على خصومها ومعارضيها أكثر من سعيها لإزعاج عدوّ غير بعيد، وتتحالف مع إخوان في التنظيم وتعادي أبناء الوطن، ولذلك كله تكرّس الانقسام الفلسطيني واتسعت الهوّة بين فلسطينيي الضفة وفلسطينيي القطاع.


فلسطين تتمرد على حماس


عطفا على كلّ ما تقدّمَ ظهرت محاولة تنظيم فعالية «تمرد غزة» التي جاء في بيانها «تمرد فلسطين هي صوت كل أبناء الشعب الفلسطيني كونوا معنا من أجل مستقبل فلسطيني خال من الإخوان وأعمالهم الشيطانية»، ولا شكّ أن الحملة (بصرف النظر عن نجاحها من عدمه) تمثل صرخة ضد نزوع إخواني مستبد حوّلَ وجهة المقاومة إلى هدف لا يمت لها بصلة وهو السلطة أو تأبيد البقاء في السلطة بكل ما أوتيت حماس من إصرار. نستحضر هنا القول الفلسطيني المتداول بأن «البوصلة التي لا تشير إلى القدس.. مشبوهة» ولاشكّ أن حماس التي بدأت مُقاومة مع جيل مؤسسها أحمد ياسين تحوّلت إلى آلة سلطوية طاحنة.

نستدلّ على كلّ ذلك بتفاعل حماس مع سقوط الإخوان في مصر وما أظهرته من حميّة إخوانية عالية الهمّة، ونستحضر أيضا موقف عزيز الدويك حين استدعى «فقه الأولويات» ليفتي بـ»أولوية الجهاد في سوريا على أي انشغال آخر بما في ذلك الجهاد في فلسطين، باعتباره أولوية مستعجلة». ونستدلّ على ذلك أيضا بتفاعلها مؤخرا مع انطلاق الاستعدادات لحملة تمرّد، حيث قال أحد رموزها (سامي أبو زهري على وجه الدقة) أن الحديث عن حركة تمرّد في القطاع هو «وهم ومحاولة بائسة لإقصاء حماس وكسر شوكة المقاومة فيها».

حركة حماس الإخوانية تواجه حراكا قادما، قد يعصف بكرسيها وبسلطتها، وحتى إن لم يرتق هذا الحراك إلى ذلك فإن يمثل صيحة فزع فلسطينية من «تهافت» حمساوي على السلطة، بما يحمله هذا التهافت من استبداد وتخلّف وعزلة يشهدها القطاع. فحماس المتحالفة مع إخوان مصر المتحالفين بدورهم مع قطر الموجّهة أميركيا قد تجدُ نفسها في موقف أكثر عسرا من موقف الحاضنة الفكرية والتنظيمية؛ الجماعة الأم في مصر.

13