حملة "تمرّد" مصرية جديدة لحل الأحزاب الدينية

المصريون الذين رفضوا حكم الإخوان وقاموا بالتمرد عليه يخوضون اليوم حركة تمرد جديدة الهدف منها هو إقصاء الأحزاب الدينية من الساحة السياسية حتى لا تتكرر تجربة الإخوان المسلمين ويعود المصريون إلى المربع الأول، ذلك أن هذه الأحزاب لا تعلن عن مرجعيتها الدينية في محاولة منها لتفادي ما آل إليه مصير الإخوان.
الجمعة 2015/08/28
الأحزاب ذات المرجعية الدينية تتبع أسلوب التقية الإخواني للتغلغل داخل الفضاء السياسي

القاهرة - كشفت مصادر في حملة “حل الأحزاب الدينية” التي يقودها تكتل القوى الثورية لـ”العرب” أن الهدف من الحملة، على غرار حركة تمرد التي أطاحت بحكم الرئيس الإخواني محمد مرسي، هو جمع مليوني توقيع للإطاحة بهذه الأحزاب التي تتخذ من الدين ستارا وسبيلا للوصول إلى السلطة.

وقالت المصادر إنه سيتم تقديم التوقيعات المؤيدة لحل الأحزاب الدينية ضمن أوراق الدعوى القضائية، التي من المقرر رفعها أمام محكمة القضاء الإداري، عقب الانتهاء من جمع التوقيعات، لتكون سندا قويا وتأكيدا على رفض الشعب وجود أحزاب ذات مرجعية دينية.

كما أوضحت المصادر أن الحملة تواجه مشكلة قانونية تستغلها غالبية هذه الأحزاب، وهي أنها لا تفصح في العلن أنها دينية، وليست هناك دلائل وأسانيد تثبت أنها تخلط الدين بالسياسة، بعكس حزب الحرية والعدالة الإخواني، الذي كان شعاره “الإسلام هول الحل”، أما باقي الأحزاب فتعلمت الدرس جيدا، إذ أنها لا تعلن أنها دينية.

وعلى هامش الحراك السياسي والإعلامي الدائر، يتخوف العقلاء من أن عدم استيعاب هذه الأحزاب ودمجها في الحياة السياسية يجعلها تعود للعمل السري، ما يكبّد الدولة خسائر مضاعفة، وسط ما تتعرض إليه من هجمات إرهابية مدعومة بتيارات وتنظيمات متعددة.

كريمة الحفناوي القيادية بالحزب الاشتراكي المصري قالت لـ”العرب” إن الأحزاب الدينية تلعب بورقة الجهل والفقر للتقرب من الشارع المصري، برغم أن الإخوان لعبوا بنفس الورقة، وكان مصيرهم الرحيل تماما عن المشهد، مؤكدة أن التوقيعات التي يجري جمعها من المواطنين حاليا سيتم تقديمها للقضاء، وبرفقتها مستندات دالة على أن مثل هذه الأحزاب دينية، يجب حلها فورا حسبما نص عليه الدستور.

ورفضت الحفناوي اعتبار حملة حل الأحزاب الدينية سياسية، لأن هذه الأحزاب لا تمارس السياسة من الأساس، لكنها وصفت التحركات الحالية بأنها شعبية منظمة، تثبت أن الشعب يرفض وجود أحزاب تعيد الإخوان المسلمين مرة أخرى إلى السياسة بطرق ملتوية، مشيرة إلى أن الشعب تحرك لجمع توقيعات لحل هذه الأحزاب، عندما وجد بطءا من الحكومة في إعمال مواد الدستور وحظر الأحزاب الدينية، برغم فتاواهم العدائية ضد فئات بعينها، ووصول الأمر إلى حد التكفير والتمييز والعنصرية.
الشعب يرفض وجود أحزاب دينية تعيد جماعة الإخوان المسلمين مرة أخرى إلى السياسة بطرق ملتوية

وكان القضاء المصري قد رفض حل الأحزاب ذات المرجعية الدينية في يونيو الماضي، بدعوى عدم الاختصاص، وهو ما اعتبرته هذه الأحزاب بمثابة القوة التي تستند عليها لمجابهة الحملات التي تتعرض لها حاليا.ويأتي ضمن قائمة الأحزاب الدينية كل من: الوطن، البناء والتنمية، الوسط، الاستقلال، الأصالة، الفضيلة، الإصلاح والنهضة، وحزب النور الذي كان الحزب الوحيد المشارك في التصديق على خارطة الطريق عقب ثورة 30 يونيو 2013، التي انتهت بإقصاء الإخوان عن مقاليد الحكم في البلاد.

ويعد حزب النور أكثر الأحزاب الدينية ظهورا على الساحة السياسية حاليا، وبدأ الاستعداد مبكرا لخوض الانتخابات البرلمانية المنتظرة قبل نهاية العام الجاري، باختيار مرشحيه والترويج لنفسه عبر لجانه النوعية بالمحافظات، أما باقي الأحزاب فإنها تظهر على استحياء لعدم وجود قاعدة شعبية لها، بل إنها تستخدم أعضاءها في الظهور من خلال شاشات القنوات الدينية.

وظهر أول صدام علني بين حزب النور والحكومة قبل أشهر، عندما أدرجته وزارة التربية والتعليم في كتاب التاريخ على أنه حزب قائم على أساس ديني، ويعتبر وجوده في الحياة السياسية مخالفا للدستور.

في تحد صريح للحملة وما تهدف إليه، قال شعبان عبدالعليم عضو الهيئة العليا لحزب النور إن مادة حظر الأحزاب القائمة على أساس ديني لا تؤثر على الوضع القانوني لحزب النور، لأن أهدافه وبرامجه سياسية وصحية واجتماعية، وكلها لا تتعلق بالسياسة. وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن “الحزب باق وعلى الجميع أن يحترم كلمة القضاء في هذا الشأن، خاصة أنه سبق ورفض دعوى تطالب بحل الأحزاب الدينية”.

وقال إن بعض الأحزاب تحاول تشويه صورة حزب النور، خوفا من مواجهته في الانتخابات المقبلة، مع أن موقفه القانوني في الوجود سليم 100 بالمئة، ناصحا من يطالبون بحل الأحزاب الدينية أن يستعدوا للانتخابات البرلمانية بمرشحين أقوياء للخروج ببرلمان يلبي متطلبات وطموحات الشعب.

ويرى بعض المراقبين أن تغاضي الحكومة عن منع تكتل القوى الثورية من جمع التوقيعات لحل الأحزاب القائمة على أساس ديني، يعني ضمنيا أن مصر انقلبت على أحزابها الدينية، وتسعى إلى التخلص منها بعيدا عن الدخول في صدام مباشر معها، تاركة الأمر لمؤسسي الحملة وبعض الشخصيات العامة والحزبية. وبرر هؤلاء موقف الحكومة الضبابي بوضعها الحرج، باعتبار أنها كانت تمد خيوط التواصل عبر لقاءات عديدة بين ممثّلي بعض الأحزاب الدينية لتؤكد أنها لا تعادي الإسلاميين.

حظر إقامة الأحزاب على أساس ديني، كان ضمن مواد الدستور الذي حكمت به جماعة الإخوان البلاد

في المقابل، أطلقت اللجان الإلكترونية التابعة للسلفيين، حملة مضادة تطالب بحل الأحزاب الليبرالية والعلمانية باعتبارها مخالفة للمادة الثانية من الدستور، والتي تنص على أن “الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع” واعتبروا أن الأحزاب الليبرالية والعلمانية تخالف الدستور لأنها لا تعترف بالمرجعية الإسلامية للدولة. ورغم ما يناور به الطرفان، فإن محمد عبدالجواد أستاذ القانون الدستوري توقع استمرار الأحزاب التي تنتمي للتيار الإسلامي بدافع أن الدستور حظر قيام الأحزاب على أساس ديني، بينما معظم الأحزاب لا تحتوي برامجها على أيّ بند يشير إلى أن هدفها من التأسيس هو هدف ديني، وبالتالي فإن هناك حاجة إلى مستندات تثبت عكس ذلك، لأن الأمر يحتاج إلى مبررات قوية لتحقيق الهدف من هذه الحملة.

وأشار عبدالجواد إلى أن دائرة لجنة الأحزاب السياسية بالمحكمة الإدارية العليا، هي الجهة المنوط بها حل الأحزاب القائمة على أساس ديني، والتي تقر حلها من عدمه لاتخاذ قرار بشأنها في ضوء عملها ونشاطها. وأوضح لـ”العرب” أن حظر إقامة الأحزاب على أساس ديني، كان ضمن مواد الدستور الذي حكمت به جماعة الإخوان البلاد، والذي تعطل العمل به عقب ثورة 30 يونيو، حيث نصت المادة السادسة منه على “عدم قيام حزب سياسي على أساس التفرقة بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو الدين”، منوها إلى أن غالبية الأحزاب الدينية حصّنت نفسها من الحل بالابتعاد عن الدين وخلطه بالسياسة خوفا من مصير حزب الحرية والعدالة.

13