حملة شكلية على الفساد لمحاولة استرضاء الشارع العراقي

ملاحقات هيئة النزاهة العراقية تقتصر على صغار الفاسدين وتستثني الحيتان الكبيرة.
السبت 2019/11/23
رمز كبير للفساد لا يسقط من ذاكرة الشعب

الفساد الذي استشرى في العراق وتسرّب إلى مختلف مفاصل الدولة، تحوّل إلى ما يشبه المؤسسة واكتسب كبار رموزه حصانة لا تدعمها فقط الأموال المنهوبة، بل تحميها أيضا مؤسسات الدولة التي يشرفون على إدارتها ويتحكّمون في تعيين موظّفيها، فضلا عن القوانين التي شرّعوها بأنفسهم وجعلوا فيها ثغرات يمكنهم النفاذ عبرها.

بغداد - تحوم هيئة النزاهة العراقية، وهي جهاز رقابي مخصص نظريا لملاحقة لصوص المال العام، حول الفاسدين الكبار من دون أن تقترب منهم رغم موجة الاحتجاجات الشعبية التي تجتاح البلاد منذ مطلع أكتوبر الماضي والتي يطالب المشاركون فيها بمحاسبة سرّاق أموال الدولة، كأحد البنود الرئيسية ضمن سلسلة أطول من المطالب.

ويندر أن تفتح الهيئة، التي ينص القانون العراقي على استقلاليتها التامّة رغم أن رئيس الحكومة هو من يعين إدارتها، ملف مسؤول حالي أو مسؤول سابق كبير، لكنها مع ذلك تموّه في بياناتها الموجّهة للرأي العام حتى لا تضطر إلى كشف أسماء الفاسدين الذين تتخذ إجراءات ضدهم.

وقبل نحو شهرين كانت نشاطات الهيئة لا تتعدى نصب الكمائن لضبط صغار الموظفين الحكوميين وهم يتقاضون الرشى من المواطنين، لكن اندلاع أكبر موجة احتجاجات يشهدها العراق وضعتها فجأة في واجهة الأحداث، إذ توسع حراكها كثيرا ليشمل ملفات مسؤولين من مدينة البصرة جنوبا إلى الموصل شمالا.

ومنذ الشهر الماضي، مع تصاعد حركة الاحتجاج، أعلنت الهيئة عن استقدام المئات من المسؤولين والنواب والساسة وأعضاء المجالس المحلية السابقين والحاليين، لكنها لم تكشف الاسم الصريح لأي منهم، مكتفية بالإشارة إلى صفاتهم الوظيفية، في محاولة واضحة لتحصين نفسها من الأعمال الانتقامية التي تترتب على فضح الفاسدين، حيث تعجز الدولة عن حماية الأجهزة الرقابية.

وفي معظم الأحيان يكون المسؤولون والنواب المعنيون بطلبات الاستقدام مقيمين خارج العراق، ولا يهتمون كثيرا لإجراءات النزاهة، ما يحوّل إجراءات الهيئة ضدهم إلى مجرّد روتين بلا نتائج عملية.

وتقول مصادر سياسية رفيعة في بغداد إن رئيس الحكومة عادل عبدالمهدي طلب مؤخرا تحت ضغط الاحتجاجات من رئيس هيئة النزاهة  القاضي عزت توفيق جعفر، سرعة التحرك ضد عدد كبير من المسؤولين والنواب السابقين، وإعلان الإجراءات للرأي العام على أمل إقناع الشارع المنتفض بأن الحكومة جادة في محاربة الفاسدين.

وكثيرا ما سخر المتظاهرون في ساحات الاحتجاج من إعلانات هيئة النزاهة عن استقدام المدير السابق للمطار الفلاني مع علمها بأنه مقيم في لندن أو المحافظ العلاني السابق المقيم في زيورخ أو الوزير الفلاني الأسبق المقيم في واشنطن منذ أعوام.

ويبدو أن تزايد ضغط الاحتجاجات من جهة، والجدل الذي تحاط به إجراءات النزاهة ضد مسؤولين فروا من البلاد قبل أعوام، دفع الهيئة إلى تعديل استراتيجيتها قليلا، كي تشمل مسؤولين حاليين.

لكن الهيئة ماتزال تصر على إخفاء أسماء المشمولين بأوامر الاستقدام، رغم أنهم متهمون في قضايا سرقة المليارات من الدولارات، على غرار النائب الحالي في البرلمان أحمد الجبوري الذي كان قبل عامين محافظا لصلاح الدين، حيث لم يفصح بيان النزاهة عن اسمه، ما اضطر الصحافيين إلى توقعه فحسب، من دون دليل.

المتظاهرون يتحدون هيئة النزاهة أن تفتح ملف الموازنات المليارية التي نهبت خلال ولايتي رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي

وحتى إذا كانت أوامر الاستقدام تصدر لمسؤول أو نائب حالي، فإن احتمال إدانته ضئيل جدا، إذ تكون الأدلّة في الغالب ناقصة أو أن عملية الاستدعاء برمتها معدّة للاستهلاك الإعلامي، بدليل أن الهيئة منذ شن حملتها الطويلة العريضة الشهر الماضي لم تدن سوى مسؤول واحد من المستوى المتوسط في بغداد، ويتعلّق الأمر بمديرة “مؤسسة الشهداء” ناجحة الشمري التي أدينت بتهمة إهدار المال العام وصدر ضدّها حكم بالسجن سبع سنوات، علما بأنّ أطرافا حزبية نافذة سبق أن طالبت بملاحقتها قضائيا في إطار صراع على أموال المؤسسة التي تدير عملية التعويض والرعاية الاجتماعية لأسر القتلى الذين يعتبرون مضحّين من أجل البلد ويصنّفون كـ“شهداء”، وهو صراع يكاد يكون طبيعيا في العراق ويشمل أي مؤسسة تدير الأموال وتتصرّف بها.

ويقول النائب الحالي في البرلمان عدنان الزرفي إنه استدعي عشرات المرات للتحقيق في النزاهة عن قضايا متعلقة بفترة شغله منصب محافظ النجف قبل أعوام، من دون إدانته.

وعندما أقال مجلس محافظ كربلاء المحافظ عقيل الطريحي بتهم الفساد وإهدار المال العام، كان طبيعيا أن تتحرك هيئة النزاهة لمنعه من السفر على الأقل، بعد إدانته بشكل رسمي، لكنها بدلا من ذلك فسحت له المجال كي يهرب نحو إحدى الدول الأوروبية.

وحتى لو تحققت الإدانة فعلا، فإن هناك قوانين جاهزة لإغاثة المسؤولين والنواب والساسة الفاسدين مثل قانون العفو العام، يمكنها إخراجهم من السجن فورا وتبييض صفحاتهم وإعادتهم إلى الحياة السياسية من دون تأخير، مثلما حدث مع محافظ الأنبار السابق صهيب الراوي الذي حكم عليه بالسجن بعد إدانته بسرقة الملايين من الدولارات من المال العام. وبدلا من أن يذهب إلى السجن لتنفيذ عقوبته دفع من الأموال التي نهبها قرابة الثلاثة ملايين دولار بموجب قانون العفو العام، وعاد إلى ممارسة السياسة سالما غانما.

ويدرك الشارع العراقي أن كبار المسؤولين والساسة، السابقين والحاليين، محصنون من أي ملاحقات، بفعل التواطؤ في ما بينهم، وتفصيل القوانين على مقاساتهم.

ويقول المتظاهرون إنهم يتحدون هيئة النزاهة أن تفتح ملف الموازنات المليارية التي نهبت خلال ولايتين لرئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي بين 2006 و2014، أو محاسبة كبار الوزراء السابقين الذين ينحدرون من حزب الدعوة الإسلامية الذي يتزعمه المالكي أو فتح ملفات الفساد في عقود طباعة المناهج الدراسية التي وقّعتها شخصيات مقربة من رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي بملايين الدولارات، أو مساءلة أقارب الزعيم الكردي مسعود البارزاني عن تهريب نفط كركوك، وغيرها من الملفات الكبيرة.

ويقول مراقبون إن إجراءات الملاحقة لمسؤولين صغار سابقين وحاليين لا تتعدى عملية ذرّ الرماد في العيون، ولن تنطلي على الشارع الذي بات حاذقا في تفكيك الألاعيب السياسية بعد خبرة 16 عاما معها.

3