حملة ضد الغلاء تستفز الحكومة المغربية

التصريحات التي أطلقتها الحكومة بشأن مقاضاة المحرضين على مقاطعة عدد من المنتوجات الاستهلاكية والتي تنبني على التهديد والوعيد لن تزيد إلا في تعميق الأزمة.
السبت 2018/05/12
المقاطعة الحل الأخير للمغاربة

الرباط- هددت الحكومة المغربية بمتابعة المحرضين على مقاطعة عدد من المنتوجات الاستهلاكية ومقاضاة من يعمل على ترويج أخبار زائفة مخالفة للقانون التي تصل عقوبتها إلى دفع غرامات كبيرة.

وأطلق نشطاء منذ أكثر من أسبوعين حملة على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاطعة عدد من المنتوجات التي شهدت أسعارها ارتفاعا غير مبرر. وقال مصطفى الخلفي الناطق الرسمي باسم الحكومة، إن هذا الموقف لا علاقة له بحرية التعبير.

وهددت الحكومة باللجوء إلى المادة 72 من مدونة الصحافة والنشر، لمعاقبة من وصفتهم بمروجي الأخبار الزائفة للتحريض على المقاطعة والتي تصنف ضمن جرائم الإخلال بالنظام العام وإثارة الفزع بين الناس والقيام بادعاءات أو نشر وقائع غير صحيحة من 2000 إلى 20 ألف دولار.

وأوضح الخلفي أن الحكومة “تابعت حملة المقاطعة، وخصوصا تلك التي طالت مادة الحليب التي تعد مادة أساسية بالنظر إلى حجم الطلب في رمضان، وأخذت وقتها لدراسة الخطوة وآثارها على الاقتصاد الوطني”. وأوضح في المقابل “أن الحكومة تعمل على حماية حقوق المغاربة، وهناك لجنة برئاسة الداخلية تجتمع لمراقبة الأسعار”.

وقال المحلل السياسي المغربي حفيظ الزهري لـ”العرب”، إن مثل هذه التصريحات التي تنبني على التهديد والوعيد لن تزيد إلا في تعميق الأزمة وتوسيع قاعدة المقاطعة، مشددا على “أن الأيام القادمة ستكون صعبة على الحكومة وخاصة وزراء العدالة والتنمية ومن هاجم المقاطعين”.

تصريحات الوزراء المحسوبين على العدالة والتنمية تضع الحزب في مواجهة مباشرة مع المواطنين مما سيؤدي حتما لتراجع شعبيته

وكان لحسن الداودي وزير الشؤون العامة والحكامة حذر من إمكانية مغادرة شركة “سنطرال دانون” المختصة في إنتاج الحليب ومشتقاته للمغرب، ما سيؤدي إلى تشريد نصف مليون أسرة في حال استمرت دعوات المقاطعة.

وتحدث رئيس الحكومة سعدالدين العثماني عن مصير العمال الذين يشتغلون في الشركات المعنية بالمقاطعة. وكان وزير المالية محمد بوسعيد وصف المقاطعين بـ”المداويخ”  أي فاقدي الوعي، وهو ما أثار موجة من الغضب الشعبي أججت حملة المقاطعة.

وقال عبدالإله السطي الباحث في العلوم السياسية لـ”العرب”، إن تصريحات المسؤولين ساهمت في بلوغ حملة المقاطعة لأهدافها وإيصال صوت شرائح واسعة من المجتمع المتضررة من غلاء بعض المواد الغذائية والطاقية. وينتمي كل الوزراء الذين أدلوا بتصريحات مستفزة حول حملة المقاطعة ونالتهم انتقادات كثيرة إلى حزب العدالة والتنمية.

ونبّه الفريق البرلماني لحزب الاستقلال المعارض إلى أن الحكومة “مطالبة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين، وذلك في ظل وجود عشوائية في الأسعار”، في حين تدخل فريق حزب الأصالة والمعاصرة متسائلا “أليس من حق الحكومة أن تتفاعل مع المواطنين للإجابة عن تساؤلاتهم عِوَض سبهم؟”.

وشدد سعدالدين العثماني عقب الاجتماع الوزاري الأسبوعي، على أن الحكومة عازمة على المضي في منهجها الذي اختارته منذ تعيينها وتنصيبها قبل سنة، والمتمثل في تحقيق شعار “الإنصات والإنجاز”، مشيرا إلى أنها “قررت أن تنصت لجميع الأصوات، وتعمل على أن يكون الإنجاز في مستوى التحديات وتلبية متطلبات المواطنين”.

وقال عبدالإله السطي إن السقوط في تقديم أحكام متسرعة تسبب في جلب العديد من الانتقادات الشعبية ضد بعض الوزراء من حزب العدالة والتنمية، الأمر الذي يشي بتراجع شعبية الحزب والإعلان عن تآكل شرعية الإنجاز لديه في ظل المواقف غير المنحازة للفئات المتضررة من المجتمع.

واعتبر أنه في الوقت الذي كان ينتظر من الحكومة أن تتفاعل بشكل إيجابي مع حملات المقاطعة عبر تقديم حلول ناجعة للحد من ضعف القدرة الشرائية للمواطن، لجأت إلى التشكيك في الجهات الداعية لهذه الحملات والتنقيص من قيمة أهدافها ودوافعها.

الحكومة هددت باللجوء إلى المادة 72 من مدونة الصحافة والنشر، لمعاقبة من وصفتهم بمروجي الأخبار الزائفة للتحريض على المقاطعة والتي تصنف ضمن جرائم الإخلال بالنظام العام

وقال الباحث في العلوم السياسية خالد شيات، إنه لا مانع من تحصين الاقتصاد الوطني مع تحصين كرامة وحقوق وحريات المواطنين أيضا، كما لا يجب على القوانين أن تخرج للوجود انفعالا بظرفية خاصة كيفما كان أثرها وتأثيرها.

وأوضح مصطفى الخلفي أن الحكومة تفكر بمسؤولية وبمصلحة الوطن قبل شعبيتها، قائلا “نحن في موقف المسؤولية، والمهم ليس أن يُصفق لنا، وإنما أن نتخذ الإجراءات المناسبة”.

إلا أن حفيظ الزهري يرى “أن عمر الحكومة أصبح قصيرا جدا، إذ أن هذه التصريحات جعلت حزب العدالة والتنمية في مواجهة مباشرة مع المواطنين وهذا سيؤدي حتما لتراجع شعبيته”.

وأبرز مصطفى الخلفي أن “مادة الحليب تسجل هامش ربح محدودا والمتضرر الأول هم الفلاحون، وأن هذه المادة بذل فيها مجهود كبير في المغرب لتحقيق الاكتفاء الذاتي”.

وانتقدت البرلمانية أمينة ماء العينين عن حزب العدالة والتنمية سياسة العثماني قائلة “إن الحكومة ليست ناطقة باسم الشركات الخاصة لتخوض في نسب أرباحها ولتحكم بمعقوليتها أو بعكس ذلك”.

وتابعت “الحكومة مسؤولة عن تكريس أجواء المنافسة الحرة ومنع الاحتكار وسد منابع التسريبات المخلة بالمنافسة ووضعيات تضارب المصالح وتنازعها خدمة للمواطن أولا وأخيرا”.

4