حملة عاصفة الحزم لن تفرّق بين تطرف حوثي وتطرف قاعدي

الأربعاء 2015/04/15
التحالف العربي مصر على إنهاء المظاهر الميليشياوية على اختلاف راياتها صونا لحرمة اليمن ووحدته

عدن -أضحى من الواضح، في ظلّ تواصل حالة الفوضى التي يشهدها اليمن، أنّ تنظيم القاعدة يستغل عمليّة عاصفة الحزم العسكرية التي تستهدف الحوثيين، ليُوسّع دائرة نفوذه في البلاد ويُحكم سيطرته على المناطق التي لا تخضع لسلطة الدولة ممثلة في قوات الجيش والأمن. ويرفع هذا التمدد من سقف التحديات المطروحة أمام العملية العسكرية التي قال خبراء يمنيون ان عليها وضع حد لإرهاب القاعدة والحوثيين على حد سواء من خلال دعم المؤسسات الرسمية وإعادة بناء الدولة.

يشير إعلان “تنظيم القاعدة في جزيرة العرب”، الذي يتخذ من الأراضي اليمنية مركزا له، مع بداية الشهر الجاري، سيطرته على مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت (شرقي البلاد)، إلى حضور التنظيم وقدرته على المواجهة في هذه المحافظة، فضلا عن تواجده المحدود في محافظتي البيضاء (وسط) وشبوة (جنوب)، بينما تبقى مناطق شاسعة، تحديدا في الشرق، خارج سيطرة الحكومة المركزية، وهو ما يرجح احتمال وجود القاعدة فيها، وإن كان بطريقة غير معلنة.

وخشية توسع تنظيم القاعدة، مستغلا تراجع جماعة “أنصار الله” (الحوثي) والقوات الموالية للرئيس السابق، علي عبدالله صالح، تحت وطأة غارات “عاصفة الحزم”، التي يشنها تحالف تقوده المملكة العربية السعودية، شدّد خبيران يمنيان على ضرورة ألاّ يمنح التحالف “جهاديي القاعدة” أيّ فرصة للتوسع بالتوازي مع تواصل العمليات العسكرية التي تستهدف مواقع الحوثي وصالح منذ 26 مارس الماضي.

القاعدة على أنقاض الحوثيين

يرى خبراء ومحللون أنّ تنظيم القاعدة يسعى إلى استغلال العمليات العسكرية التي ينفذها التحالف العربي ضدّ التمرد الحوثي في اليمن للسيطرة على المناطق التي تشهد فراغا ولا تخضع لسلطة أجهزة الدولة الشرعية.

ويقول الإعلامي والخبير السياسي، عبداللاه سُميح “لدي مخاوف من سعي مسلحي القاعدة إلى شغل الفراغ الناجم عن توسع دائرة المواجهات في ظل عاصفة الحزم، إمّا بتقديم أنفسهم كمدافعين على محافظات الوسط والجنوب ضدّ الهجوم الحوثي، أو بفتح جبهات جديدة كما فعلوا الأسبوع الماضي في حضرموت”.

عبدالسلام محمد: عملية عاصفة الحزم تقطع الطريق أمام القاعدة، كما قطعتها على الحوثيين

سميح، الذي شارك سابقا في التغطية الإعلامية التي رافقت المواجهات التي كانت دائرة بين الجيش والقاعدة في محافظتي أبين وشبوة، مضى قائلا إنّ “تنظيم القاعدة ربما يسعى إلى الاستفادة مما يجري، لكن إدراك قيادة تحالف عاصفة الحزم لخطورة ذلك سيحرم عناصره من تحقيق أيّ تقدّم على الأرض”.

وعمّا يتوجب على التحالف، الداعم لشرعية الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، أن يفعله في هذا الاتجاه، أوضح سميح، أنّه “لابد من دعم اللجان الشعبية (المسلحون الموالون للرئيس هادي) والسلطات المحلية في المناطق التي يرجح تمدّد القاعدة نحوها”، لافتا إلى “أنّ وجود سلطات محلية فاعلة ولجان شعبية مؤازرة لها من شأنه محاصرة مسلحي القاعدة، بينما يمنحهم ضعف سلطات الدولة بالمقابل فرصة التوسع″.

الخبير اليمني في شؤون الجماعات المسلحة، عبدالسلام محمد، قلّل من جهته من مخاوف سُميح، بقوله إنّ “عملية عاصفة الحزم تقطع الطريق أمام القاعدة، كما قطعتها على الحوثيين”.

محمد، الذي يرأس مركز أبعاد للدراسات الإستراتيجية في صنعاء، أضاف موضّحا أنّ “الجماعات المسلحة تخدم بعضها البعض، فكلّ جماعة تستمدّ قوتها من الجماعة التي تناقضها (في إشارة منه إلى تنظيم القاعدة وجماعة الحوثي)”، مشددا على “أنّ وجود الدولة سيهزم هذه الجماعات التي تلتقي أهدافها في الخروج عن سلطة الشرعية وإسقاط الدولة”.

وأضاف الخبير اليمني أنّ “عاصفة الحزم لا تمثل فرصة للقاعدة كي تتوسّع، فالعاصفة تأتي تعزيزا لشرعية دولة في مواجهة أيّ جماعة مسلحة خارجة عن هذه الشرعية، وبالتالي فإنّ مساعدة اليمن في دعم سيطرة الدولة على كافة أراضيها يعني الحدّ من تمدد هذه الجماعات”.

وأشار إلى أنّ “ما يُغذّي القاعدة والحوثيين، على حدّ سواء، هو الحروب الأهلية الناتجة عن تفشّي جذور التفكير المناطقية أو العرقية أو الطائفية، ولذلك فكلّما جرى حصار جماعة الحوثي ستفتح بوابة التمدد باتجاه الشرق، تحت مظلة مكافحة الإرهاب، أو نحو الجنوب (حيث دعوات الانفصال) تحت مظلة حماية الوحدة اليمنية”.

أمّا بالنسبة إلى القاعدة، حسب محمد، فإنّها “تبرر تمدّدها بقتال الحوثيين الذين تصفهم بالروافض، تحت لافتة طائفية، كما استخدمت في الجنوب خطاب التحريض المناطقي للتوسع تحت مبرر مقاومة الاحتلال الشمالي”.

ويمثل تنظيم القاعدة تهديدا للأمن والاستقرار في اليمن وخارجه، خاصّة بعد ما توسعت سيطرته في السنوات الأخيرة، بالتزامن مع احتجاجات 2011، التي أجبرت صالح في العام التالي على تسليم السلطة لنائبه، الرئيس الحالي، عبدربه منصور هادي.

تنظيم القاعدة يمثل تهديدا للأمن والاستقرار في اليمن وخارجه، خاصّة بعد ما توسعت سيطرته في السنوات الأخيرة

وما هي إلاّ بضعة أشهر على تلك الاحتجاجات حتى تمكنت جماعة “أنصار الشريعة”، الذراع اليمنية لتنظيم القاعدة، من إحكام سيطرتها على محافظة أبين بالكامل (جنوب)، بالإضافة إلى أجزاء من محافظة شبوة المجاورة، وإقامة ما أسمته “إمارة إسلامية” استقطبت عناصر من القاعدة من العديد من دول العالم، فضلا عن مئات المسلّحين اليمنيين.

ومنذ سقوط أبين في يد القاعدة، أواخر مايو 2011، ظلت المواجهات مستمرة بين مسلحي التنظيم وقوات الجيش والشرطة ومسلحي ما بات يعرف بـ”اللجان الشعبية”، المؤازرة للحكومة، لتنضم إلى هذه المواجهة طائرات أميركية دون طيّار، مكبدة القاعدة خسائر بالغة، ما سهل للجيش اليمني وحلفائه استعادة مناطق عدة، حتى انسحبت القاعدة من المحافظة نهائيا في يونيو 2012، في عملية عسكرية أسماها الجيش “معركة السيوف الذهبية”.

غير أنّ هذا الانتصار العسكري على القاعدة في أبين لم يعن انتهاء الحرب بين الطرفين، إذ فتح مسلحو التنظيم جبهات أخرى للمواجهة في مناطق جديدة، حيث اتجهوا شمالا إلى محافظة البيضاء، واتخذوا من أطرافها الجنوبية مقرا لهم باشروا منه استهداف مراكز عسكرية وشرطية، وشنوا عددا من الهجمات أسفر بعضها عن سيطرتهم على عدد من المناطق.

وظلت المواجهات تنشب من وقت إلى آخر في البيضاء، إضافة إلى انسحاب مجموعات من مسلحي القاعدة إلى محافظة شبوة، لاسيما المناطق الجبلية منها، وبعض مناطق محافظة حضرموت، ذات المساحة الجغرافية الواسعة.

ضرورة تثبيت أركان الدولة

تنامي وتيرة نشاط تنظيم القاعدة في اليمن رغم الضربات الموجعة التي تلقاها من طرف قوات الجيش اليمني وحلفائها، أعاده إلى السيطرة على مناطق عديدة من البلاد، أرجع الخبير عبدالسلام محمد ذلك إلى “التعاطف الشعبي الذي كسبه تنظيم القاعدة بعد سقوط الدولة وسيطرة الحوثيّين على العاصمة صنعاء، وعدم تحرك المجتمع الدولي لحماية المدنيين، وحماية عملية الانتقال السياسي الذي تمر به البلاد من خطر الحوثيين”، في إشارة إلى صدى الهجمات الدموية التي شنّها تنظيم القاعدة ضدّ أهداف تابعة للحوثيين.

عبداللاه سميح: لابد من دعم اللجان الشعبية في المناطق التي تتمدد القاعدة نحوها

هذا التعاطف الشعبي الذي أسهم في تمدد القاعدة، يرى الخبير اليمني أنه يعدّ ردّ فعل طبيعي من اليمنيين في ظلّ غياب الدولة وتنامي النفوذ الحوثي المدعوم من قبل إيران، لافتا إلى ضرورة التنبّه إلى مخاطره وتداعياته المستقبلية والتصدي إليه منذ الآن.

وفي هذا الإطار طالب قوات التحالف العربي بـ”عدم ترك فراغ لنشوء جماعات مسلّحة أو تمدّدها في المستقبل”، لافتا إلى ضرورة “دعم بناء الدولة اليمنية وتثبيت أركانها من أجل ّأن تستعيد سيادتها، بالإضافة إلى العمل على تكوين جهازي جيش وشرطة يمنعان تكرار نشوء ظاهرة الجماعات المسلحة، شأن جماعة الحوثي وتنظيم القاعدة، اللذين تقاسما السيطرة على اليمن بعد فشل عملية الانتقال السياسي، وانتكاسة مُخرجات مؤتمر الحوار الوطني، الذي انعقد بين مارس 2013 ويناير 2014 تحت إشراف الأمم المتحدة، كأساس لبناء دستور”. وأشار إلى ضرورة “ألاّ يكرّر التحالف العربي ما حصل في العراق حين سلمت قوات الغزو الأميركية الدولة لميلشيات طائفية شيعة بعد أن فككت مؤسساتها وعلى رأسها مؤسسة الجيش”.

ويرى مراقبون، في ما يتعلق بهذه النقطة الأخيرة، أنّ التحالف العربي الذي تقوده السعودية من المستحيل أن يعيد خطأ الأميركيين الذي يخيم بظلاله على الواقع العراقي إلى غاية اليوم، بترك اليمن مرتعا للميليشيات التي تحركها إيران يمينا ويسارا لغاية التمدد في المنطقة، خاصة أنّ الدول العربية التي حملت على عاتقها مهمة إعادة الشرعية في اليمن، مدركة أيّما إدراك بأنّها إنما تردع طموحا إيرانيا توسعيا يتجاوز الحوثيين في اليمن ليهدد أمن المنطقة برمّتها، وهي واعية بأنّ التصدي لهذه النزعات يمرّ عبر تثبيت أركان دول المنطقة أوّلا وقبل كل شيء، لا عبر سياسة بثّ الفوضى التي تنتهجها طهران.

وفي ظل تفاقم حالة الفوضى التي يعيشها اليمن، مازال تنظيم القاعدة يمثل خطرا محدقا، بسعيه للسيطرة على المناطق التي يحدث فيها فراغ جراء تقهقر الميليشيات الحوثية منها تحت وطأة ضربات عاصفة الحزم. وحاليا مازال التنظيم يشنّ هجمات في عدد من المحافظات، خاصّة في الجنوب والشرق والوسط، فضلا عن إعلانه مسؤوليته عن عمليات استهدفت مسؤولين حكوميين وقيادات في جماعة “أنصار الله” في محافظات أخرى، منها صنعاء.

إقرأ أيضا:

اليمن على شفا حرب طائفية تعمّق الأزمة الراهنة

7