حملة مقاطعة شعبية لغلاء الأسعار في الأسواق التونسية

المبادرة تمثل شكلا جديدا للاحتجاج بعد فشل النقابات العمالية والجهات المهتمة بالدفاع عن المستهلكين في التصدي للغلاء في أغلب الأحيان.
الخميس 2019/10/10
سلع لم تعد في المتناول

استشعر تونسيون خطر تفاقم الأزمات الاقتصادية الراهنة وتداعياتها المحتملة عليهم في المستقبل، لذلك أطلقوا حملة شعبية عبر الشبكات الاجتماعية لمقاطعة منتجات استهلاكية تسبّب المضاربون والمحتكرون في ارتفاع أسعارها بشكل جنوني، وهذه الحملة هي بمثابة حل بديل للضغط على السلطات للتحرّك وردع هذه الممارسات.

تونس - تمارس شريحة من التونسيين منذ أكثر من أسبوع ضغوطا على السلطات، بهدف إجبارها على حلّ مشكلة الارتفاع الجنوني لأسعار منتجات استهلاكية، بعد أن أفرغت جيوبهم وجعلتهم غير قادرين على توفيرها لأسرهم.

وفي محاولة للنسج على ما حصل في المغرب والجزائر خلال الأشهر الماضية، أطلق عدد من الشباب حملة مقاطعة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك تحت شعار ”قاطع الغلاء تعيش بالقدا”، وهي ليست الأولى ممّا يعني أنها أمام اختبار للنجاح.

وتعكس حالة الاحتقان الاجتماعي في ظلّ ضبابية المشهد السياسي حتى الآن مدى التخبّط في معالجة الأزمات الاقتصادية المتراكمة منذ سنوات.

وضمّت الحملة عددا كبيرا من المشاركين الذين دعوا إلى مقاطعة منتجات معيّنة تتسم بالارتفاع الكبير في الأسعار بسبب ندرتها، نظرا إلى عمليات الاحتكار التي يقوم بها التجار.

وتأتي المبادرة بهدف التخلّص من جشع التجار الذين يراكمون الأرباح بطرق عشوائية، مما تسبّب في تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، ولاسيما الطبقة الفقيرة والشرائح الاجتماعية محدودة الدخل.

وسرعان ما استجاب التونسيون للحملة، حيث اضطروا في ظلّ الأوضاع السائدة وانعدام السبل الكفيلة بزيادة النمو وتحسين الأوضاع الاجتماعية إلى سلاح المقاطعة للمنتجات التي تشهد ارتفاعا كالبطاطا والموز والتمور.

كما أجبرت الأزمات المتراكمة، المواطنين على مراجعة حتى عاداتهم الغذائية، فتخلّوا أيضا عن الاستهلاك المرتبط بالمناسبات الدينية، فقاطع عدد كبير منهم مادة الزقزقو التي يكثر الإقبال عليها أثناء الاحتفالات بالمولد النبوي.

وتقول إحدى المشاركات في حملة ”قاطع الغلاء تعيش بالقدا”، في تصريح لـ”العرب”، إن المقاطعة تهدف إلى الضغط على الحكومة للضرب بقوة على أيادي المحتكرين والمتلاعبين بالأسعار وإجبار التجار على خفض الأسعار.

ناشطون على فيسبوك أطلقوا حملة "قاطع الغلاء تعيش بالقدا" كورقة ضغط على الحكومة لخفض الأسعار

وتنفي الناشطة التي طلبت عدم ذكر اسمها وجود أيّ تدخل سياسي، مؤكدة أنّ الحملة عفوية ويقودها مجموعة من الشباب وأظهرت تجاوبا كبيرا من روّاد فيسبوك، مما شجع على مواصلتها لتحقيق مطالب الآلاف ممن تبنّوا الفكرة.

وأكدت أن الحملة متواصلة إلى حين خفض الأسعار بما يلائم كافة الشرائح الاجتماعية، وهو أمر مشروط بتجاوب السلطات وفرضها لرقابة اقتصادية أكثر صرامة لحماية المستهلكين.

وتمثّل المقاطعة شكلا جديدا للاحتجاج، خصوصا وأنّ التحرّكات الاحتجاجية من قبل النقابات العمالية والجهات، التي تهتم بالدفاع عن المستهلكين لم تعُد تُجدي نفعا في أغلب الأحيان.

ويرى محلّلون أن المقاطعة سلاح فعّال يعبّر عن وعي اقتصادي من شأنه دفع الحكومات إلى تدارك سياساتها الاقتصادية الخاطئة.

وتظهر الأرقام ارتفاع نسب التضخّم التي استقرت خلال أكتوبر الجاري عند 6.7 بالمئة، إضافة إلى انعدام النموّ ونقص الإنتاجية الذي دفع بالأسعار إلى الارتفاع.

وتسببت الفوضى التي ضربت تونس في يناير 2011 في تراجع نسبة شريحة الطبقة الوسطى نتيجة غلاء المعيشة.

وأشارت دراسة للمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أن نسبة الطبقة الوسطى تراجعت من نحو 70 بالمئة في 2010 إلى لتصل إلى 50 بالمئة في العام الماضي.

ويرى خبراء أن تقلّص حجم الطبقة الوسطى يهدّد الاستقرار الاجتماعي، باعتبارها صمام الأمان المجتمعي، وهي التي تتأثر بالهزّات الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الأساسية.

وتندرج حملة المقاطعة في إطار تصعيد الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل على الحكومة نظرا إلى عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تحسين أوضاعها.

وتعاني الأسواق من فوضى شاملة على أساس استفحال ظاهرتيْ التهريب والتجارة الموازية، اللتين أخلّتا بقواعد المنافسة التجارية.

ضغوط على السلطات لملاحقة المضاربين والمحتكرين
ضغوط على السلطات لملاحقة المضاربين والمحتكرين

ودفع غليان الأسعار وضعف القدرة الشرائية الكثير من الأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود لتغيير وجهتها نحو الأسواق الموازية، وأسواق الملابس المستعملة لتوفير المستلزمات بأقلّ التكاليف.

وتتجه أصابع اللوم نحو الحكومة في انتعاش السوق الموازية على حساب القطاعات المنظمة، ممّا ضرب القدرة الشرائية للمواطنين وحتى حركة التسوّق والتبضّع.

ويشير خبراء إلى أن الحكومة ورغم ترسانة التشريعات والقوانين التجارية والجمركية لم تتمكّن من القضاء على التهريب، وفكّ عزلة السلع المحلية التي قلّ الإقبال عليها لارتفاع أسعارها.

ويخشى التجار ومن ورائهم السلطات، حملة المقاطعة نظرا إلى تخوّفهم من التأثير على عمل المصانع وركود السوق وتراجع الأرباح.

ويهدّد تواصل المقاطعة استمرارية قطاعات التصنيع والإنتاج لاسيّما في ذروة نشاط السوق، مما يفرض على السلطات والمصنّعين المحشورين في الزاوية مراجعة حساباتهم.

وسبق وأن أثبتت المقاطعة فعاليتها في المغرب، حيث بدأت الحملة تتشكّل من فيسبوك لتكبر وتخرج إلى الشارع، وقد تضررت منها شركات كبرى تعمل في صناعة الوقود والألبان والمياه المعلّبة، لتنسحب فيما بعد إلى منتجات أخرى.

وانتقلت العدوى في ما بعد إلى الجزائر، الدولة التي تعتمد على النفط بشكل مفرط، إثر حملة مقاطعة للوقود التي أجبرت المورّدين على خفض أسعاره بشكل معقول.

11