حمل الطفل لاسم عائلته البديلة حل عقلاني وإنساني لرفض المتشددين فكرة التبني

تمرد بعض مكونات المجتمعات العربية يوقف إطلاق الأسماء الوهمية على مجهولي النسب.
الجمعة 2020/10/09
مكاسب إنسانية ونفسية واجتماعية

بدأت بعض الحكومات العربية تتحلل نسبيا من الضغوط الدينية الواقعة عليها، فيما يخص توسيع احتضان الأطفال مجهولي النسب، من خلال إجراء تعديلات قانونية تقضي بحصول هذه الشريحة من الصغار على لقب من يتولون كفالتهم، كمدخل لانخراطهم داخل المجتمع وتجنيبهم النظرة الدونية.

صادقت تونس قبل 22 عاما على قانون يسمح بإضافة اسم عائلة (لقب) للأطفال مجهولي النسب، ووجدت دول إسلامية في الفكرة حلا مثاليا لتشجيع الأسر المحرومة من الإنجاب على الانخراط بشكل أكبر في الكفالة، وسبقت الكثير من الدول العربية في هذا الشأن.

وأعلنت الجزائر تعديلا قانونيا يتيح للأطفال مجهولي النسب الحصول على لقب من يتولون كفالتهم إذا رغبوا في ذلك. ومضت مصر على النهج نفسه. وتتيح الحكومة الكويتية هذا الحق كبديل عن تطبيق التبني.

ويرتبط نجاح هذه الدول في تكريس احتواء مجهولي النسب أسريا ودمجهم اجتماعيا، بتجاوز عقبة الرفض لتسمية هؤلاء الأطفال بأسماء العائلات الكافلة، والتعامل مع قضيتهم بشكل إنساني، وعدم الانصياع لأصوات المتشددين الذين يصرون على تصوير الأمر باعتباره مدخلا للتبني. ويعكس الدعم الأسري لحصول مجهولي النسب على ألقاب عائلتهم الكافلة أن الناس لم يعد يروق لهم إقحام رجال الدين في مسار حياتهم، لأنه يصعب ظُلم شريحة من الأطفال ووصمهم طوال حياتهم بحصولهم على أسماء وهمية، لمجرد أن متطرفين يرفضون تسميتهم بمن يحتضنهم.

وتحللت المؤسسة الدينية في مصر من الجمود الذي تعاملت به لسنوات طويلة مع قضية إلصاق أسماء الأطفال مجهولي النسب بالأسر التي قررت كفالتهم وتربيتهم داخل المنزل، ووافقت لأول مرة على أن يحمل كل طفل اسم ولقب العائلة التي احتضنته.

وأدركت بعض الحكومات العربية أن تسمية الأطفال الذين يتم نعتهم بأسماء وهمية، أكبر الأزمات التي يعانون منها طيلة حياتهم، سواء عند الالتحاق بالتعليم أو عند الزواج، أو عند استخراج الأوراق الرسمية من الجهات الحكومية، بسبب التمييز الذي يُمارس ضدهم.

وقالت نيفين القباج، وزيرة التضامن الاجتماعي في مصر، إن موافقة المؤسسة الدينية على تسمية الطفل بالاسم الأول أو لقب الأسرة البديلة تحقق مكاسب إنسانية ونفسية واجتماعية كثيرة، ولم يعد هناك بديل للدول التي تعيش الظاهرة سوى تطبيق الفكرة.

ومن شأن السماح للعائلة الكافلة بأن يحمل مجهول النسب اسمها ولقبها إغراء الكثير من الأسر التي حُرمت من الإنجاب على التكفل برعاية الأطفال الذين تعج بهم دور الرعاية التي لا توفر الاحتضان والجو الأسري المناسب للصغار، مهما كانت خدماتها وإمكانياتها.

وأكدت عفاف رزق، وهي أخصائية اجتماعية بإحدى دور رعاية الأطفال في القاهرة، لـ”العرب” أن نسب الطفل مجهول النسب للعائلة الكافلة كان مطلبا جماعيا من الأسرة البديلة، لأنها تحلم بالتعامل مع الصغير على أنه ابنها بعيدا عن حاجز الاسم الوهمي. وأضافت أن الطفل الذي يحمل اسما مستعارا يتم التعامل معه بتمييز وعنصرية ينعكسان سلبا على شخصيته، ويُصاب بإحباط وانطوائية، ويشعر بأنه منبوذ اجتماعيا، ولو كان يعيش داخل أسرة بديلة وفرت له الرعاية والحنان والاحتواء.

السماح للعائلة الكافلة بأن يحمل مجهول النسب اسمها ولقبها من شأنه إغراء الكثير من الأسر على التكفل برعاية الأطفال الذين تعج بهم دور الرعاية

وقالت “الطفل عندما يكون اسمه وهميا، ويعيش مع أب وأم غريبيْن يظل يعتقد أن العائلة التي هو ضمنها عائلتَه الحقيقية، ثم يصطدم مستقبلا بأنه لا ينتسب إلى هذه الأسرة في اسم الأب أو اللقب العائلي، وهنا يشعر بالغربة ويدخل متاهة البحث عن هويته الأصلية دون جدوى”.

ويرى متخصصون في شؤون الطفل أن تسمية مجهول النسب بالعائلة الكافلة هي الحل الوسطي والعقلاني والإنساني للالتفاف على تمسك متطرفين برفض التبني، ويكفي أن هذا الصغير أصبح له أب وأم يرفعان عنه التنمر والوصمة الاجتماعية.

ولا تعني هذه الخطوة أنه يحق للأسرة البديلة رفع دعوى قضائية لإثبات نسب الطفل مجهول النسب إليها، فأغلب الدول العربية تضع شروطا صارمة تحول دون اختلاط الأنساب، على رأسها تقديم ما يفيد بأن الصغير ليس مدرجا بقوائم دور الرعاية، ما يحول دون استغلال فرصة الاسم بشكل غير قانوني. وقال أحمد مصيلحي رئيس مؤسسة الدفاع عن الطفل المصري، إن الأسماء الوهمية لمجهولي النسب في أي بلد، أحدثت أزمات اجتماعية يصعب تجاوزها بمرور الزمن. ونصح بمحاولة البحث عن بديل يحصنهم من التنمر خلال أخطر مرحلة عمرية تتكون فيها شخصية الطفل.

وأوضح لـ”العرب” أنه من الضروري إقرار الأسرة البديلة بترك الحرية للطفل عند بلوغه سن الرُشد ليحدد مصير حياته ويختار الأسرة التي يريدها، حتى لا يتحول الأمر من كفالة إلى احتكار أبدي، وصار حتميا وجود مرونة في التعامل مع قضايا مجهولي النسب، لأن المكتسبات الراهنة غير كافية لدمجهم مجتمعيا.

وتجهل الكثير من العائلات التي حُرمت من الإنجاب نظام الأسر البديلة، وهذه ظاهرة تؤرق مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ومن لديهم معرفة يتعاملون مع الفكرة بحذر لفتاوى التحريم التي تصدر عن رجال الدين المتشددين.

ويصر بعض متصدري الفتوى على تحريم حضانة الأطفال بذريعة أنهم غرباء على الأسرة، والأب سوف يطلع على جسد فتاة كفلها، ويحل له الزواج منها، والابن المكفول سيجتمع بالأم ويحتك بها في المنزل بشكل يتناقض مع أخلاقيات الدين. ويصعب فصل استهداف السلفيين تحديدا لأي قرار يغري الأسر على كفالة الأطفال، عن تعاملهم مع القضية من منظور المكسب والخسارة، لأنهم يمتلكون دور رعاية اجتماعية يوظفونها لجلب التبرعات وتحقيق أكبر قدر من المكاسب باستعطاف الناس.

ولا يهتم الرافضون لحضانة الأطفال داخل أسر بديلة وحصولهم على ألقابها بالأبعاد النفسية للصغار، لأن نظرتهم للقضية تقتصر على المرامي الجنسية، وهي أفكار تنتقل أرباب العائلات التي تقدّس آراء هذه الشريحة. وتسوق هذه الفئة فتواها حول الاحتواء العائلي للأطفال مجهولي النسب، وتستغل خلط كثيرين بين التبني والكفالة. وهناك فئة تبرر رفضها منح مجهول النسب لقب الأسرة الكافلة بأنه سوف يعيش مخدوعا، وقد يتبرأ من العائلة ويكنّ لها العداء، ولا تدرك هذه الفئة أن تسميته باسم وهمي ووصمه باللقيط سوف يُعرضانه لأذى نفسي واجتماعي طوال حياته.

وتبدو جميع أسماء الأطفال مجهولي النسب المدونة في شهادات الميلاد جزافية، ويتم اختيارها من قبل ضباط قسم الشرطة الذي يتسلم الطفل بمجرد العثور عليه. وتسهل معرفة أنهم لقطاء، لأن اسم الأم لا يتم تدوينه في وثيقة إثبات الشخصية بعكس الأيتام.

وحتما سوف يأتي اليوم الذي يعرف فيه مجهول النسب حقيقة هويته المزيفة وتسميته لأسرة غريبة، فمن الصعب أن يتبرأ من عائلة تعاملت معه بحنان وعاطفة، وحصّنته من التمييز والعنصرية ومنحته اسمها ولقبها ليكون في مأمن من التربص والتنمر.

21