حمى البوكيمون تغزو المطاعم والمتاجر في الأردن

لعبة البوكيمون غو متاهة أسرت الشباب العربي من مختلف الفئات العمرية والمستويات التعليمية، كما الحال في بقية دول العالم، حتى تجاوز لاعبوها حدود اللياقة، ففي الأردن يدخل اللاعبون إلى البقالات والمنازل بحثا عن بوكيمون، واستغل أصحاب المطاعم والمقاهي هذه اللعبة فأعلنوا أنها تتواجد في فضاءاتهم، كما تبحث هيئة السياحة استغلال الفضاءات الأثرية لإدراجها في هذه اللعبة قصد جلب السياح الأجانب.
الثلاثاء 2016/08/16
لعبة تضر بالشباب وتنفع البلاد

عمان- لم تتوقف حمى البوكيمون غو، تلك اللعبة التي جعلت من الإنسان أسيرا للتكنولوجيا، عند حدّ ارتباط الشباب بها والبحث عنها في الشوارع والمولات، بل تعدته إلى اقتحام خصوصية الآخرين في المنازل والبقالات وحتى المساجد والكنائس.

استغلت العديد من المطاعم والمتاجر في عمان لعبة بوكيمون غو للترويج لمنتجاتها عبر الإعلان عن توفر أعداد كبيرة من البوكيمونات داخلها، وأنه باستطاعة الزبائن التقاطها خلال الاستمتاع بوجبة شهية من الطعام، أو خلال التسوق داخل المتاجر، فأصبح مشهد الشبان (ذكورا وإناثا) وهم يسيرون دون وعي بما حولهم، أمرا اعتياديا في شوارع عمان المزدحمة، مثل الصويفية والشميساني أو وسط البلد، مع ما يحمله ذلك من خطورة على حياتهم جرّاء حوادث السير، أو حوادث تتعلق باقتحام حرمة البيوت والأماكن التي تشكل خطورة مثل المسابح، إلى جانب انشغالهم بأشياء غير مفيدة.

تقول إحدى السيدات لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) إن ضجيجا وحركة غير اعتيادية شعرت بهما خلف حديقة منزلها، لتتبين في ما بعد أنها حركة لشابين في مقتبل العمر يبحثان عن شيء، وعند سؤالهما أجابا أن “قصدهما شريف وأنهما يبحثان عن بوكيمون”.. هذه السيدة تعاملت مع الشابين بهدوء وقالت “خذا البوكيمون وارحلا بسرعة”، بينما دبت مشاجرة بين شاب آخر دخل إحدى البقالات في الحي وبين البائع الذي منعه من الدخول بغية التقاط البوكيمون.

إصابة الناس بعدوى البوكيمون لا ترتبط بمستوى تعليمي أو عمر، بدليل أننا نشاهد شرائح عمرية مختلفة تنجذب إلى هذه التطبيقات

شابان آخران اتجها نحو مرآب إحدى العمارات السكنية، يحملان هاتفا خلويا ويحاولان اصطياد بوكيمون هناك، فيما أوقف شاب سيارته فجأة لنفس الغاية، فصدمته سيارة أخرى من الخلف. ويقول الشاب يزيد، إن هذه اللعبة تخلط الواقع الافتراضي بالحقيقي حيث تسمح للمستخدمين اصطياد البوكيمونات، وامتلاك أكبر عدد منها في مواقع حقيقية سواء من داخل المنزل، أو في أي مكان آخر بالشارع العام دون اعتبار للمؤسسات العامة أو المساكن أو بيوت العبادة.

لقد وقع حادث اصطدام مروري في شارع بمنطقة الجامعة الأردنية بين سيارتين، بسبب التتابع القريب وظهور فتاة من المشاة فجأة أمام أحد السائقين؛ وبحسب المعلومات فإن أحد سائقي السيارتين تفاجأ بالفتاة أمام مركبته، فحاول الابتعاد عنها لكنه اصطدم بالمركبة الثانية التي كانت على مقربة منه، وتبين لاحقا أن الفتاة كانت مشغولة بلعبة البوكيمون على هاتفها المحمول، ولم تتفطن إلى أنها صارت تسير وسط الشارع بين السيارات.

تعتمد اللعبة على خاصية الـ”جي بي آس″ (نظام تحديد الموقع) في الهاتف الخلوي، حيث تظهر البوكيمونات على شاشة الهاتف كي يتم اصطيادها، ومع الاستمرار في اللعب تظهر أنواع مختلفة من البوكيمونات حسب موقع اللاعب والوقت ومستوى اللعبة، فكلما تطوّر المستوى تظهر أنواع أكثر ندرة. وضمن قواعد اللعبة يتاح للاعب التقاط ومبارزة وتدريب وتبديل بوكيمونات افتراضية، تظهر في أماكن حقيقية حين تتم رؤيتها من خلال كاميرا الهاتف الخلوي.

سطوة التكنولوجيا

الشباب أسرى العالم الافتراضي بعيدا عن واقعهم

أستاذ علم الاجتماع المشارك بجامعة مؤتة الدكتور حسين محادين قال “إن الحياة المعاصرة ألقت بأعباء كبيرة على الإنسان عموما، ولعل اهتمام الإنسان بأساسياته الشخصية كجزء من أبناء العالم نحو القيم الفردية، مقابل انحسار قيم الجماعة والتكافل وسطوة التكنولوجيا على الإنسان، أدّت جميعها وبنسب متفاوتة إلى شعور الإنسان بالافتراض”.

ويوضح أن هذا “الافتراض لا يجد في خاصيته سوى النفاذ عبر التكنولوجيا وأدواتها التي توهم الإنسان بحرية مزعومة أو جرأة على الخروج من هذا الواقع ولو لبرهة، أي ضرورة سعيه إلى أن يكون هدفا يشبه المغناطيس يجذبه إلى خروجه من هذا الاغتراب المعاصر، إذ أن الإنسان أصبح أسيرا لكل ما هو مفترض”.

ويتابع موضحا “إن هذا الإنسان يسعى إلى الخروج من ذاتيته المحكمة والأسيرة للرقم على حساب المعادل النفسي والاجتماعي لهذا الإحساس، الذي أصبح غائبا عن حياتنا، لذا نجد من السهل ان تنتقل العدوى الاجتماعية إلى مجموعة كبيرة في العالم كجزء من التكنولوجيا لكونها حاملة للفكرة”.

وأشار إلى أن “الإدمان أو بالأحرى إصابة الناس بعدوى البوكيمون لا ترتبط بمستوى تعليمي أو اقتصادي أو عمري، بدليل أننا نشاهد شرائح عمرية مختلفة انجذبت إلى أهداف الشركات المسوقة لهذه التطبيقات، والتي أكدت نجاحها بأنها خاطبت وظيفيا ما أصبح يفتقد إليه الإنسان المعاصر من تفاعلية اجتماعية مع الآخرين والإحساس الإنساني بهم”.

وأوضح الباحث محادين أن هذا الانتشار عمّ بشكل طاغٍ، وفي المقابل فإن الشركات المسوقة حققت أرباحا هائلة جرّاء انتشار هذا التطبيق، والتعامل بكل ما يمثله من هوس وخطورة يصاب بهما المدمنون على التكنولوجيا.

الحكومة تغازل السياح باللعبة الجديدة

رئيسة قسم التسويق بالجامعة الأردنية زينة قاسم قالت إن أخلاقيات التسويق في ما يتعلق بالترويج والإعلان عن وجود بوكيمون داخل المطاعم أو المراكز التجارية تكمن في أن “المواطن يقع ضحية غش وخداع في حال ذهابه إلى تلك الأماكن ولا يوجد شيء على أرض الواقع إضافة إلى استغلاله”، مشيرة إلى أن هذه الطريقة وبحسب رأيها، تعتبر مفيدة ومؤثرة وناجحة لكونها تساهم في استقطاب المواطن بالترويج لمنتجات استهلاكية وملء وقت الفراغ لديه.

الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام المقدم عامر السرطاوي حذر المواطنين “من تحميل أي تطبيقات إلا من مواقع أصلية ومصادر موثوقة، تفاديا لاختراق خصوصية المستخدم وتحميل فيروسات”. يذكر أن هيئة تنظيم قطاع الاتصالات ومن خلال صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) أطلقت حملة توعوية بخصوص استخدام لعبة بوكيمون غو.

وتضمنت الحملة، التي تبنت شعار “هيئة تنظيم قطاع الاتصالات تتمنى لكم السلامة”، عدة رسائل توعوية ضمن هذا الإطار تؤكد من خلالها على أن يتم تحميل لعبة البوكيمون من خلال المصادر الموثوقة في حال إتاحتها بالمملكة، وتحذر من تحميل التطبيق من المواقع غير الموثوقة، حيث قد يحتوي ملف التحميل على ملفات تجسس أو فيروسات تخترق خصوصية المستخدم وتهدد البيانات الخاصة به على جهازه الخلوي.

ونبهت الهيئة من انشغال المستخدم باللعبة أثناء القيادة أو السير على الطرقات وفي الأماكن العامة، الأمر الذي قد يعرّض سلامته الشخصية للخطر، كما حذرت من قيام مستخدمي اللعبة من التعدّي على خصوصيات الآخرين أو الملكيات الخاصة أو اختراق حرمة المنازل أو إقلاق الراحة العامة، والتي جميعها جرائم يعاقب عليها القانون، محذرة أيضا من استخدام الكاميرا أو التصوير في الأماكن أو المواقع أو المباني التي يحظر فيها التصوير.

البوكيمون لجلب السياح

أمام تراجع السياحة في الأردن والبحث عن الحلول التي يمكن أن تنقذ هذا القطاع، لم تتوقف الجهود الحكومية عن تنفيذ وسائل ترويجية مبتكرة من بينها السعي إلى إدراج المعالم السياحية الأردنية في لعبة البوكيمون الشهيرة.

وكشف رئيس هيئة تنشيط السياحة الأردنية عبدالرزاق عربيات، أن الهيئة خاطبت بشكل رسمي شركة “نينتيندو” بإدراج مناطق سياحية في لعبة بوكيمون غو على الأجهزة الذكية، بهدف الترويج لعالم السياحة.

اللعبة تعتمد على خاصية الـ"جي بي آس"

وأشار عربيات في تصريحات صحافية، أن الهيئة “تحاول بأي طريقة ممكنة أن تستغل كافة الوسائل التقنية والتقليدية المتاحة للترويج للسياحة في الأردن”. وشهدت صناعة السياحة الأردنية خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، تراجعا مع استمرار التوترات الأمنية في دول الطوق للمملكة (العراق وسوريا).

وأرجع رئيس جمعية وكلاء السياحة والسَفر الأردنية (غير حكومية)، شاهر حمدان، تراجع قطاع السياحة إلى مجموعة من العوامل المختلفة، أبرزها “الأحداث التي تمرَ بها المنطقة العربية، إضافة إلى ضعف الترويج السياحي للأردن في العالم، وعدم تنويع الأسواق المستهدفة.. فيتم التركيز على أوروبا وأميركا بشكل خاص وهي أسواق تقليدية دون النظر للأسواق الأخرى كآسيا وغيرها”.

وأضاف حمدان أن “عدم تطور المنشآت السياحية المحلية في وسائل تعاملها مع السائح وغياب صناعة الضيافة والاستقبال، انعكس سلبا على صورة الأردن وأثر على تراجع السياحة الوافدة”.

وأعلنت هيئة تنشيط السياحة نهاية العام الماضي، أن أعداد السياح الأجانب الذين زاروا الأردن انخفض بنسبة 6 بالمئة في 2015، مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2014، إلى نحو 2.7 مليون سائح، بسبب “الأوضاع الأمنية في المنطقة”.

ويبلغ عدد العاملين في صناعة السياحة الأردنية، وفق بيانات وزارة السياحة، نحو 50 ألف موظف وعامل في الفنادق ومكاتب السياحة والسفر ومكاتب تأجير السيارات ومتاجر التحف الشرقية، ووظائف الأدلاء السياحيين ومرافقي الرحلات وشركات النقل السياحي ومراكز الغوص والرياضة المائية.

20