حمى التيفوئيد وباء جديد يفضح تهميش الحكومة التونسية لجنوب البلاد

قطاع الصحة يتعرض لانتقادات واسعة في تونس لتدني خدماته وغياب التجهيزات والكوادر الطبية في المناطق الداخلية المهمشة.
الجمعة 2020/07/10
التهميش وباء دائم

تونس - تشدد السلطات التونسية على أنها نجحت في كبح انتشار فايروس كورونا وأنها حققت انتصارا صحيا من حقها الإشادة به، غير أن ظهور وباء جديد بمدن الجنوب من شأنه أن يختبر مرة أخرى قدرة الحكومة ووزارة الصحة تحديدا على الحفاظ على أرواح مواطنيها.

وتشهد مدن الجنوب مثل تطاوين وقابس وقبلي، في الآونة الأخيرة، ارتفاعا مقلقا لبكتيريا التيفوئيد (الحمى التيفية)، وفيما لم تحدد بعد وزارة الصحة الأسباب الحقيقية وراء ظهور هذا الوباء، يعزو السكان ذلك إلى غياب المرافق الأساسية اليومية مثل الماء وتقصير حكومي مرده سنوات طويلة ومريرة من التهميش، نتج عنه تدهور للأوضاع الصحية.

وشخصت مصادر طبية محلية وباء التيفوئيد المتفشي، وأوضحت أنه ناتج عن “بكتيريا السلمونيلا التيفودية وهي نادرة الظهور في الدول المتقدمة ولا تزال تشكل خطرا يهدد الصحة في الدول النامية لاسيما بالنسبة إلى الأطفال.

وتنتقل هذه الحمى من خلال الطعام أو الشراب الملوث أو الاتصال المباشر بالشخص المصاب وعادة ما تتضمن العلامات والأعراض ارتفاع درجة الحرارة والصداع وآلاما في البطن (الإمساك أو الإسهال) وقد تؤدي إلى موت عدد من المصابين بها نتيجة لمضاعفاتها التي تصل إلى الأعصاب”.

إبراهيم غرغار: 350 حالة إصابة بحمي التيفوئيد في تطاوين
إبراهيم غرغار: 350 حالة إصابة بحمي التيفوئيد في تطاوين

وتعد قبلي أول منطقة شهدت انتشار الوباء بتسجيلها 60 حالة إصابة. وقالت وزارة الصحة “وقعت السيطرة تماما على هذا المرض سريع الانتشار في قبلي، عبر تطويق السبب المتمثل في وحدات عشوائية لمعالجة وتصفية وتحلية المياه وبيعها في ظروف غير صحية تماما”، كما أكدت السيطرة على انتشار العدوى بقابس التي سجلت 30 حالة ما زالت حالتان منها فقط تقيم بالمستشفى فيما يتماثل بقية المصابين للشفاء.

ومع ذلك، فإن جهود السيطرة على الوباء في تطاوين لم تكلل بالنجاح مع ارتفاع سريع ومقلق لعدد الإصابات. وعلى سبيل المثال، قاد تفشي العدوى إلى إصابة 25 من تلاميذ الباكالوريا بأحد معاهد الجهة، نتيجة عدوى من إحدى التلميذات المصابة بالمرض.

وأوضح إبراهيم غرغار، المدير الجهوي للصحة في تطاوين، لـ”العرب” أن” العدد الجملي للإصابات بلغ 350 إصابة وتتراوح أعمار المصابين بين 4 و70 عاما”.

وكشف غرغار أن “فريقا بحثيا أخذ عينات تحليل وتوصل إلى أن المياه غير الصالحة للشرب ومياه حنفية غير مراقبة صحيا وعدم تعقيم الخضر والغلال، إضافة إلى مشروب ‘اللاقمي’ (مشروب مستخلص من جمار النخل)، كان وراء انتشار الحمى”.

وكانت بلدية تطاوين قد أصدرت قرارا بمنع بيع واستهلاك مشروب اللاقمي مرجحة أنه السبب المباشر وراء انتشار هذه الحمى، في حين ترجح جهات أخرى أن السبب المباشر هو الماء الملوث الذي يستهلكه المواطن. وحذر غرغار من تداعيات اضطرابات المياه في الجهة التي يصعب على المواطن فيها تطبيق إجراءات السلامة.

وبين أن وزارة الصحة بصدد تقييم الوضع الوبائي بتطاوين، وعلى إثره ستحدد برنامجا هدفه تطويق نهائي لهذه البكتيريا.

ويذهب بعض المتابعين إلى الاستنتاج أن انشغال الحكومة بمحاربة كورونا قاد إلى إهمال الطواقم الصحية بقية الأمراض الأخرى، وأسهم في ظهور أوبئة جديدة.

وكان قطاع الصحة قد تعرض أعقاب ظهور وباء كورونا لانتقادات حادة من قبل المواطنين لتدني الخدمات وغياب التجهيزات والكوادر الطبية المتخصصة خاصة في المناطق الداخلية المهمشة إضافة إلى اتهامات بالتقصير في رعاية أصحاب الأمراض الأخرى.

وعلى الرغم من النقائص والانتقادات، يشير خبراء إلى أن الوزارة تبذل جهودا حثيثة في محاربة الأمراض.

سهيل العلويني: حمى التيفوئيد محل متابعة من قبل وزارة الصحة
سهيل العلويني: حمى التيفوئيد محل متابعة من قبل وزارة الصحة

وأوضح سهيل العلويني، مستشار مكتب تونس لمنظمة الصحة العالمية، لـ”العرب” أن”التيفوئيد محل متابعة من قبل وزارة الصحة وتسعى جاهدة لتطويقها”.

واعتبر العلويني أن هذا الوباء يتطلب أساسا معالجة أزمة المياه في الجنوب، حيث أن استعمال المياه الملوثة وراء انتشاره، إضافة إلى” ضرورة الالتزام بالاحتياطات الصحية الأخرى”.

ويستنتج نشطاء حقوقيون أن التدهور الصحي بمدن الجنوب ناجم أساسا عن غياب التنمية العدالة بين الجهات، حيث لم تنجح الحكومات المتعاقبة بعد ثورة يناير 2011 في الإيفاء بوعودها وتحقيق مطالب مشروعة وبسيطة في نظر سكان الجنوب أبرزها توفير وظائف والحق في التعليم والصحة.

ولا توجد في ولاية (محافظة) تطاوين التي تبعد نحو 550 كلم عن العاصمة تونس كليّات للهندسة أو الطب مثل تلك المنتشرة في المدن الساحلية وفي العاصمة. وظلت المنطقة مهمشة حتى بعد ثورة يناير. 

وحسب رأي منصف خبير، المدير التنفيذي لجمعية الدفاع عن حقوق الإنسان فرع تطاوين، فإن “عودة الأوبئة قد فضحت قصة تهميش طويلة تعاني منها المدن الداخلية، فيما اكتفت الحكومات على مدى سنوات بالسفسطة السياسية”.

وذكر منصف خبير لـ”العرب” أن “تطاوين كما بقية مدن الجنوب تعاني من غياب الدولة والتزاماتها أمام مواطنيها حتى بلغ ذلك حد اللامبالاة السياسية”. وتجلى هذا الغياب حسب خبير، في عدم القدرة على تحمل مسؤولية انتشار وباء جديد بهذه المنطقة وهو الحمى التيفية.

ويلفت إلى أن أبناء الجهة يجهلون أسباب هذه الحمى وأسباب تفشيها بشكل سريع في ظل تضارب تصريحات بعض المسؤولين.

وحسب خبير ما عمق المخاوف “هو التزام الهيكل المركزي والمعني الأساسي أي وزارة الصحة بالصمت، ودون تقديم أي توضيح لمواطنين لا ذنب لهم إلا أنهم يقطنون أقصى الصحاري”.

وشكلت الأزمة الصحية فرصة للشارع لانتقاد الطبقة السياسية، التي انهمكت في لعبة الصراع على السلطة، فيما لا تبدي اهتماما بالمشاغل والمشاكل الحقيقية للمواطن إلا حين يحل موعد استحقاق انتخابي جديد.

ويشير خبير إلى أن “تطاوين بمثابة خزان انتخابي، تزدهر فيها تجارة الخطابات والوعود الجوفاء قبل الانتخابات ويغيب عنها التطبيق بعد الانتخابات، حتى أطلق عليها اسم ولاية المليون زيتونة وهي أكبر الوعود الانتخابية وأكثرها استخفافا بأهالي الجهة”، وخلص بقوله “بين الحمى التيفية والوعود الانتخابية تظل تطاوين تحت وطأة السفسطة السياسية”.

6