"حمى" هشام عيوش عن الجيل العربي الغاضب في فرنسا

الجمعة 2014/12/05
الفيلم ناقش موضوع المهاجرين العرب في فرنسا بطريقة مبتكرة

تونس- ضمن قسم “سينما العالم” بمهرجان قرطاج السينمائي عرض أخيرا فيلم “حمى” للمخرج المغربي هشام عيوش، وذلك ضمن 35 فيلما من بلدان العالم المختلفة، والحقيقة أنها كانت مفاجأة غريبة أن يخرج فيلم “حمى” للمخرج المغربي هشام عيوش من مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان أبوظبي الأخير دون الحصول على أيّة جائزة من جوائزه الرئيسية.

هذا فيلم ليس كسائر الأفلام التي تناقش موضوع المهاجرين العرب في فرنسا، وخصوصا الجيل الثاني، أي جيل الأبناء الذين يولدون وينشؤون في فرنسا؛ يتحدثون الفرنسية، ولا يعرفون شيئا عن البلد الذي جاء منه آباؤهم. خصوصا وأننا في هذا الفيلم، على نحو مقصود، أمام طفل في الثالثة عشرة من عمره، يدعى “بنجامين”، وهذا أول الملامح التي تؤكد اغترابه عن الثقافة العربية.

من الواضح أن بنجامين جاء إلى العالم نتيجة علاقة جنسية عابرة بين الجزائري المهاجر “كريم” وفتاة فرنسية، وبعد أن يزجّ بأمه في السجن جرّاء جريمة لا نعرف عنها شيئا، ويودع بنجامين بإصلاحية للأحداث، لكنه يختار ويلحّ على الالتحاق بوالده المسجل عنوانه واسمه لدى السلطات.

ولمّا تأخذه المسؤولة عن رعاية الأحداث إلى محل إقامة والده في أطراف المدينة، يفاجأ بأنه مهاجر عربي عمله إنزال البضائع وحملها في “سوبر ماركت”، فيقيم مع والده بشقة ضيقة في إحدى البنايات المرتفعة والمخصصة لإيواء المهاجرين في الضواحي الباريسية.


بنجامين الغاضب


من البداية يبدو بنجامين رافضا التأقلم مع حياته الجديدة، فهو يشعر بالعار من كونه “ابن زنا” جاء نتيجة علاقة عابرة استمتع خلالها رجل، دون أن يدرك أصلا أن طفلا نتج عنها.

والأب “كريم” يستقبل الطفل كولد غريب عليه، فرض نفسه فجأة على حياته، بعد أن نسي أمر تلك العلاقة العابرة مع فتاة ربما يكون قضى معها ليلة أو أكثر قبل نحو أربعة عشر عاما، دون أن يعرف أنها حملت منه وأنجبت ولدا! بنجامين إذن غاضب، يعبر عن غضبه ورفضه التعايش مع “أقاربه” لكونهم أيضا من المهاجرين العرب، وهذا “أدنى” مقاييس النظرة الفرنسية العنصرية المتعالية.

ويغلق أذنيه عند الاستماع لما يوجهه له الجدّ من نصائح، بسماعات نعرف فيما بعد أنه لا يستمع بواسطتها إلى الموسيقى، بل يستخدمها فقط لكي تحول بينه وبين الاستماع لما يملى عليه من تعليمات ونصائح لا يفهمها أصلا، بل ولا يحترمها.
قدر فرنسا هو أن تصبح وطنا متعدد الأجناس والثقافات، إذن عليها أن تفتح صدرها للجميع

الجدّ “عبد القادر” الذي يحلم بالعودة إلى الجزائر، وتشييد بيت صنع له نموذجا مصغرا يحرص عليه كل الحرص، يعامل بنجامين بخشونة، ويحاول ترويضه، أمّا الجدة “زهرة” فتحنو عليه وتحول بينه وبين الجد، عندما يريد تأديبه كما ينبغي أو كما يتصوّر.

وتبرز العلاقة بين الجد والجدة من حيث هي علاقة حب وودّ وتعاطف إنساني رائع، فليس من الممكن هنا الحديث عن نموذج “بطريركي” قمعي يميل إلى الخشونة بطبعه، ممّا يجعل الجدّ سرعان ما يشعر بالرغبة في احتضان الولد، ولكنه يلوم ابنه كريم، من طرف خفي، على استخفافه بما فعل وغياب إحساسه بالمسؤولية.

شخصية واحدة تشدّ بنجامين إليها بشدّة، هي شخصية مهاجر أفريقي أسود يدعى “نونورس”، يعيش في عربة على هامش المجتمع، شاعر يجيد استخدام الكلمات للتعبير عن أحلامه وهواجسه وغضبه وحبه، لا يقيم وزنا للمال، يعرف كيف يستمتع بالحياة حتى وهو في أشدّ لحظات الأسى.

بنجامين يقيم صداقة مع هذا الشاب الذي لا يسأله شيئا، ولا يريد ترويضه أو تعنيفه، بل يبدو مثله أي كطفل صغير يتطلع إلى التحليق في الفضاء. لكن هذا المرح والعيش في الخيال وحجب الواقع بترديد أبيات الشعر، لا تفلح في مغالبة الشعور بالوحدة والغربة، فينتهي الأمر بنونورس إلى أخذ حياته بيده، وتكون هذه الصدمة الأولى القاسية التي تلعب دورا في استفاقة بنجامين.

الشخصية الثانية التي يألف بنجامين التعايش معها ويشعر نحوها بودّ وحبّ وارتباط هي شخصية “هيكل”؛ عمه المعاق، أي الشقيق الأصغر لوالده، والذي يقيم في مصحة لعلاج المعاقين، فهو أيضا بتصرفاته وحركاته وضحكاته الدائمة، يبدو مثل طفل كبير، لا يأبه كثيرا لما يحدث حوله، ولكن رغم هذا القناع الخارجي الذي يوحي بأنه لا يشعر بالألم والأسى لحالته، إلاّ أننا نلمح من ورائه أنه يدرك ويشعر بمأزق الحياة لكونه قد أصبح عاجزا عن الحركة مثل الآخرين.

ويشعر بنجامين بآلام هيكل، فيعمل على مساعدته في التحرر من حالته الساكنة، ويتجلّى ذلك خاصة في مشهد من أجمل مشاهد الفيلم، حيث يدفع بنجامين العربة التي يجلس فيها هيكل ويهبط به من المصحة في مسار طويل بين الأشجار، تتحرك معه الكاميرا في حركة “ترافلنغ” خلفي طويلة معقدة، مع انتقال جيّد بين أحجام اللقطات من خلال المونتاج الذي يضفي مع الموسيقى، الكثير من الحيوية والجمال على المشهد، لكن مع بلوغ هيكل قمة السعادة بالتحرّر تأتي أيضا النهاية الهادئة لحياته.


إخراج راق


السيناريو الذي اشترك في كتابته المخرج هشام عيوش مع حفيظ بن عثمان وعائشة يعقوبي، ينجح في رسم الشخصيات جميعها، ونسج العلاقات فيما بينها، والانتقال المحسوب من هذه الشخصية إلى تلك، في الوقت المناسب، من خلال ذلك الإخراج الواثق الذي يتحكم في تصميم المواقف، في “الميزانسين”، وفي الأداء التمثيلي بحيث لا نرى مغالاة في تصوير المشاعر.

بنجامين جاء إلى العالم نتيجة علاقة جنسية عابرة بين الجزائري المهاجر “كريم” وفتاة فرنسية

بل يبدو كل شيء محسوبا بدقة للتعبير عن الأزمة العميقة التي يناقشها الفيلم من خلال شخصية بنجامين، ذلك النتاج الممزق بين الشمال والجنوب، وبين كونه منتميا إلى المجتمع الذي نشأ فيه، وكونه لقيطا لم يكن والده يدري عنه شيئا.

التعبير عن الغضب مرسوم بدقة أيضا من خلال مواقف محدّدة ومعبّرة: الرسم العشوائي في البداية على الجدران، التمرّد على الأب والتهديد بمغادرة المنزل والاختفاء، السرقة من “السوبر ماركت” الذي يعمل فيه كريم، والتي كادت تتسبب في طرد كريم من عمله، سدّ أذنيه بالسماعات، تهديده للجد بحرق كتاب القرآن، السخرية من طريقة حياة المهاجرين العرب.

ولكن في الوقت نفسه، تبدو كل هذه الاستفزازات وردود الفعل نتاج ضعف وإحساس بالضياع والاغتراب والرغبة في العثور على الأب الذي يمنح الحب والحنان. وعندما يحدث هذا أخيرا، يتغيّر بنجامين، ويكشف عن وجهه الإنساني: إنه وجه الفنان المبدع القادر على التعبير بالرسم كأجمل ما يكون.

فيلم “حمى” لا يوجد به حمى، بل هي تلك الرغبة المحمومة في العثور على الهوية، على الانتماء، وهو فيلم عن قدر ذلك البطل الصغير، الذي ربما يجسد أيضا قدر فرنسا نفسها، في أن تصبح وطنا متعدّد الأجناس والثقافات، إذن عليها أن تفسح صدرها للجميع.

إخراج هشام عيوش يصل إلى أرقى المستويات: الانتقال من أحجام اللقطات القريبة للوجوه إلى اللقطات العامة، وبالتالي خلق إيقاع خاص يربط الشخصيات بالمحيط وبالمكان.

16