حميد المطبعي ومشاريعه الثقافية

حميد المطبعي كان يعرف بأنه لو توقف عن الكتابة والنشر ومواصلة الحوار، سيموت، وهذا ما كان، فمنذ أن اضطرته ظروف ما بعد الاحتلال إلى العزلة تدهورت صحته، ثم رحل مكتئباً حزيناً.
السبت 2018/04/28
حميد المطبعي أرّخ لمفكري العراق

لا أريد أن أتحدث بتوسع عن علاقتي بالكاتب العراقي ذائع الصيت، حميد المطبعي بعد رحيله، وهي علاقة ابتدأت في العام 1963 ولم تنقطع حتى بعد أن غادرت العراق في العام 2003 واعتكف هو في بيته ببغداد، ومن ثم عودته إلى مدينته النجف، بعد إحساسه باقتراب أجله، وكثيرون من أصدقائه ومن أصدقائنا المشتركين يستطيعون الكتابة عنها، وسأتوقف عند بعض ما يتعلق بمشاريعه الثقافية التي كنت شاهداً عليها أو شاركته فيها،

غير أنني تحدثت في أكثر من حوار ثقافي قائلاً: إنه هو الذي أعادني إلى الشعر بعد انقطاع كاد أن يكون نهائياً، ففي العام 1967 زارني في بيت والدي بمدينة الحلة وكان برفقته القاص موسى كريدي، وكانت هذه الزيارة بعد الخامس من يونيو تحديدا، إذ جاء ليحدثني وبحماسته التي لم تفارقه يوما عن مشروع إصدار مجلة أدبية، هي مجلة الكلمة، وطلب مني قصيدة لينشرها في الكلمة، يومها حاولت الاعتذار لأنني كنت بعيدا عن الشعر، غير أنه لم يترك لي أي فرصة للاعتذار، فاضطررت إلى الاستجابة لطلبه من باب المجاملة، ليس إلا، وكانت بين أوراقي مقطوعتان شعريتان، جمعتهما معاً تحت عنوان ” شواطئ لم تعرف الدفء” ومن ثم اخترت هذا العنوان ليكون عنوان أول مجموعة شعرية أصدرها وهي الأخرى، قد صدرت ضمن منشورات مجلة الكلمة، بطبعتيها الأولى والثانية، وبمبادرة من حميد المطبعي.

حين صدرت الكلمة، كانت تصدر على شكل حلقات، حيث كان ينبغي الحصول على موافقة الرقابة، على كل حلقة من حلقاتها، إذ لم يتم الحصول على إجازة إصدارها كمجلة، وما أعرفه أن المؤسسين الأكثر اندفاعا لإصدارها وتحمل مسؤوليتها، بالإضافة إلى المطبعي، كان الشاعر عبدالأمير معلة والقاص موسى كريدي، بدعم آخرين من أدباء النجف الشباب أيامذاك، ولم يكن لي أي دور في مرحلة الإعداد لإصدارها، غير أن حميد المطبعي كان يصر على أن يزجني في هيئة تحريرها، ومن خلالها وجدتني أكثر حضوراً في الوسط الأدبي وقضاياه وحواراته، وطالما قلت إن مرحلة مجلة الكلمة هي التي كانت البداية الأهم في مسيرتي الشعرية.

كان مشروعه الثقافي كبير الأهمية، موسوعة الأدباء والمفكرين العراقيين، التي كتب فيها عن عدد من كبار أدباء المرحلة ومفكريها

بعد العام 1968 كنت وراء مجيء المطبعي ومعلة وكريدي إلى بغداد، وعملهم في المؤسسات الثقافية والإعلامية، ثم تم الحصول على موافقة إصدار الكلمة كمجلة، لكنها قبل هذه الموافقة لعبت دوراً أساسياً في تنشيط الحياة الأدبية وتجديدها، وكان لها حضورها محلياً وعربياً.

وفي بغداد، كانت المرحلة الأهم في حياة المطبعي ومشاريعه الثقافية، إذْ لا يمر يوم، إلا ويفكر بمشروع ثقافي ويعمل على تنفيذه، وكانت مرحلة عملنا المشترك في صحيفة الثورة، هي الأكثر إتاحة له لتنفيذ تلك المشاريع، إذ كان ينجز على صعيد الكتابة في اليوم الواحد ما ينجزه غيره في عدد من الأيام، وكان يقول باستمرار، لو توقفت عن الكتابة سأموت أو أصاب بالجنون.

وكان مشروعه الثقافي كبير الأهمية، موسوعة الأدباء والمفكرين العراقيين، التي كتب فيها عن عدد من كبار أدباء المرحلة ومفكريها، إذْ نشرت في حلقات على امتداد أعوام، في صحيفة الثورة، ثم جمعها في سلسلة كتب نشرتها وزارة الثقافة والإعلام في أجزاء، خصص لكل واحد ممن كتب عنهم، جزء من هذه الموسوعة التي تعد من المصادر المهمة في تاريخ الحياة الثقافية المعاصرة، وفي الوقت ذاته كان يعمل في أكثر من مشروع ثقافي، ظهر في كتب أو في مقالات نشرها في الصحف والمجلات، ولم يتوقف عن إجراء حوارات مع – من يحبهم من المثقفين – فهو لا يقترب من أي شخص إلا إذا كان يحبه.

لقد كان يعرف بأنه لو توقف عن الكتابة والنشر ومواصلة الحوار، سيموت، وهذا ما كان، فمنذ أن اضطرته ظروف ما بعد الاحتلال إلى العزلة والاعتكاف، تدهورت صحته، ثم رحل مكتئباً حزيناً.

14