حميد دباشي يرفض ولاية الفقيه وينادي بتصورات مختلفة عن الشرق

الأحد 2017/07/02
مفكر إيراني يساجل حول أفول مركزية الغرب

تونس - يحيل دباشي أن أحداث ما أطلق عليه بالربيع العربي كانت قد بدأت جذوتها في إيران مع اندلاع الثورة الخضراء، هناك في العام 2009. هو لا يعتبر أن الشباب العربي قد تأثر تماما بما حصل في طهران ولكن الأمر كان مصدر إلهام لهم.

شباب وشابات ضاقوا ذرعا بتهميشهم واستبعادهم كمشاركين فاعلين في مجتمعاتهم التي يرغبون العيش فيها، وليس الهجرة إلى أوربا وأميركا والبقاء فيهما كمنفيين ومهاجرين. لقد كانوا يريدون “استرداد مجتمعاتهم وثقافتهم وسياستهم”، بعد أن تم خطفها بوسائل القهر والاستبداد والفساد من قبل أنظمة سياسية وحكومات فاشلة حكمت بلدانهم.

ينظر دباشي إلى “الحركة الخضراء” في إيران بكونها كشفت عن عمق فشل سياسة ولاية الفقيه. ربما تم قمعها كتظاهرة في شوارع طهران من قبل الحرس الثوري الإيراني، لكنها لم تقمع كحركة عميقة الجذور وتتمتع بجماهيرية واسعة، وسوف تعلن عن نفسها باستمرار بشكل أو بآخر “فهي لا تنتهي بسقوط تمثالٍ ورفع راية أخرى”، بل هي دائمة من خلال طبيعتها المفتوحة.

ولد دباشي سنة 1951 في إقليم الأحواز في إيران، وأكمل دراسته الجامعية في طهران. تحصل على شهادة الدكتوراه في علم اجتماع الثقافة والدراسات الإسلامية من جامعة بنسلڤانيا عام 1984، وقام ببحوث مابعد الدكتوراه في جامعة هارفارد. وهو أستاذ كرسي في قسم الدراسات الإيرانية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا بنيويورك. وله العديد من المؤلفات التي تعنى بمجال النقد الثقافي والتنظير حول مفهوم مابعد الاستعمار.

يفترض دباشي أن القراءة التي تعرفت إلى تجربة “الثورة الخضراء” في إيران وثورات الربيع العربي بانحساراتها اللاحقة التي شهدتها في البلدان التي انطلقت منها في كل من تونس ومصر واليمن وسوريا، انتهت لكي تكون قراءة عكسية، أسقطت فهمها على هكذا حدث غير عادي وكبير من خلال معرفة مألوفة وسابقة.

لذلك فإن تلك الأحداث في حاجة إلى أسئلة جديدة تماثل حقيقتها، وإلى فهم جديد ومختلف لاستيعاب ما حصل، ووعي مغاير يكمن خلف هذا الفهم. وهو الأمر الذي يفتقده التفكير الأوروبي المهيمن في صورته الأكاديمية بخاصة، والذي تعرض بالشرح والتوصيف والجدل لهذه التحولات السياسية لتلك البلدان والتغيرات المجتمعية التي صاحبتها. ما يدعو الحاجة إلى تفكير نقدي ومعرفي جديد يعبّر بلغة هذه المنطقة وينطلق من سياقها السياسي والمجتمعي. وجعل الحقائق القائمة على الأرض هي من تنتج معرفتها الخاصة بها وفي المرحلة التي تعيشها.

هل يستطيع غير الأوروبي التفكير

مقالته “هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟” والتي نشرت سنة 2013 في أحد المواقع الإلكترونية، وحملت عنوان كتابه الذي أصدره بعد عام، والتي تعتبر من أكثر المقالات التي كتبها شهرة خلال مسيرته الأكاديمية، أثارت جدلا في الوسط الفكري الأوربي بخاصة.

كان السؤال الذي تضمنه عنوانها قد ألقاه على سبيل “دعابة” فكرية كما قال. ما حفلت به مقالته تلك نوع من نقد للسردية المطلقة، التي تبناها الفكر الغربي بوصفه الفكر العالمي الوحيد وهو في حقيقته ليس سوى نتاج مركزية النزعة الأوربية المهيمنة. كما أن المقالة لم تخلُ من مسحة من الاستفزاز والمشاكسة ودافعية نقدية متحدية محملة بقدر من الفطنة والدعابة والتهكم تتحدث عن قضايا سائدة في إنتاج المعرفة تندرج ضمن سياق يتخطى ما بات يعرف بحقبة “مابعد الاستعمار”، أي تلك الحالة الاستعمارية التي “أدت إلى وضع معين في إنتاج المعرفة في جميع أنحاء العالم الاستعماري من آسيا إلى أفريقيا إلى أميركا اللاتينية”، هذه الحقبة يطلق عليها دباشي اصطلاح “مابعد الاستعمار”.

حميد دباشي ينظر إلى "الحركة الخضراء" في إيران على أنها كشفت عن عمق فشل سياسة ولاية الفقيه. وربما تم قمعها كتظاهرة في شوارع طهران من قبل الحرس الثوري الإيراني، لكنها لم تقمع كحركة عميقة الجذور تتمتع بجماهيرية واسعة، وسوف تعلن عن نفسها باستمرار بشكل أو بآخر

يساجل دباشي في أن المعرفة التي أنتجت مابعد حقبة الاستعمار هذه، والتي ارتبطت بهذه الفترة في الشرق، قد استنزفت اليوم وتحولت كي تكون معرفة ماضية بأثر الأحداث الجارية منذ سنوات، سواء في إيران منذ اندلاع الثورة الخضراء، أو مع تحولات ما سمّي بالربيع العربي. وهو الأمر الذي يدعونا للتفكير باجتراح طريق آخر نسلكه، لما بعدها بكونها باتت حقبة قديمة، وعبر محاولة البحث عن عوالم جديدة تتقدم ولا تضيع في متاهات الماضي.

فشل الإسلاميين وغيرهم

ينبري من خلال هذا الشأن إلى توصيف الفكر الغربي، والذي يعاني من نزعته الأوروبية، بأنه مازال عاجزا عن قراءة غيره، رغم التحولات التي طرأت على العالم. مرة لنفيه قدرة الآخرين من غير الأوربيين على التفكير النقدي والإبداعي. ومرة أخرى بتخويل أنفسهم بالتفكير نيابة عن العالم. إن المفكرين الأوروبيين، من وجهة نظره، مازالوا مشغولين دائما في دوائرهم الضيقة والخاصة بهم. إنهم بعيدون عمّا يحصل في العالم؛ الحركة الخضراء في إيران، الربيع العربي، حركة ” احتلوا وول ستريت” تبدو بعيدة عن اصطلاحاتهم التي يمارسونها.

لقد فشلت الاتجاهات القومية منها أو الاشتراكية وسجالاتها ذات الطابع الشمولي بحكوماتها المستبدة، كما تم تطويق توجهات الإسلام السياسي والإعلان القريب عن اندحاره، ذلك الذي تم اختراعه عبر أطروحة الاستشراق. في مقابل تطورات شهدها الحوار الذي يسعى لتعزيز الديمقراطية وحضور مباحث للنقاش لجهة النظر إلى العلمانية بوصفها خيارا سياسيا ومجتمعيا يمكن القبول به. ثمة عالم مختلف إذن سوف يشهده العالم العربي والإسلامي بات يتكشف أمامنا رويدا رويدا، وهو قادر على إنتاج نظامه المعرفي الخاص به.

وفيما يظل المفكرون الأوربيون، كما يذكر دباشي، ماكثين في دوائرهم الضيقة والخاصة بهم، فهم لا يستطيعون القراءة، ليس لأنهم غير قادرين على الرؤية أو لكونهم لا تحدوهم تلك الرغبة تجاه شيء مجهول بالإمكان معرفته وتعلمه، بل لأنهم يحيلون الأشياء دائما إلى ما يعرفونه. يقول دباشي “وما يعرفونه هو كيفية إطلاق الحكم، وكيفية التملك، وكيفية الامتلاك، وكيفية تقسيم العالم، في تحد لإرادة قاطنيه، ورغباتهم، ومقاومتهم لإرادة المعرفة”، في ظل وجود حالة جديدة تتجاوز حقبة مابعد الاستعمار، حينما أهملوا قراءتها، أو حتى إحالتها عند القراءة العابرة، مرة أخرى إلى الحالة الاستعمارية. إن تصوّراتهم لم تعد تنتج معرفة ذات مغزى.

لعنة الاستشراق

إن دباشي يبحث عبر هذا النقد عن محاور كي يناقش معه شروط العالم الناشئ ومن ضمنه العالمان العربي والإسلامي، الذي يمر بتغيرات تاريخية أسفرت “عن تبدل كبير في مركز الخيال الأخلاقي والسياسي لديهم، ولدى مفكريهم وشعرائهم وفنانيهم ومثقفيهم العموميين ليفكروا ويعملوا وفقا لهذه التغيرات في مناخ حي واحد متعلق بجغرافيتهم الحالية والعواقب المترتبة على هذه التغييرات عالميا”.

"الثورة الخضراء" في إيران وثورات الربيع العربي بانحساراتها اللاحقة يرى دباشي أنها انتهت لكي تكون قراءة عكسية، أسقطت فهمها على هكذا حدث غير عادي و كبير من خلال معرفة مألوفة وسابقة بسبب التفكير الأوروبي المهيمن في صورته الأكاديمية بخاصة، والذي تعرض بالشرح والتوصيف والجدل لهذه التحولات

جهد إدوارد سعيد الفذ في” الاستشراق-1978”، وهو نقد لنمط إنتاج معرفي والذي يعد أحد أقوى المفاهيم التحليلية في القرن الماضي، كان قد تعرض كثيرا لإساءة الفهم وبات يشبه “العمل الكلاسيكي” وهو الكتاب الذي يستشهد به الجميع، ولكن نادرا ما يطّلع عليه أحد حقا.

يثق دباشي بأن “الاستشراق” ليس مشروعا مغلقا أو مكتملا، بل هو في حاجة تامة لإعادة صياغة متواصلة نظريا لغرض تطويره، وقراءة تلك العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة. خاصة بعد أن تفككت طرق إنتاج المعرفة في عصرنا الراهن، حين لم تعد تستند إلى نظام معرفي موثوق به، والذي تحول في بعده الاستشراقي إلى دراسة مناطقية منفصلة. دراسة تستعمل لمرة واحدة لا تعتمد معرفة متواصلة ومترابطة، إنها “المعرفة السريعة” غير المبنية على معرفة دائمة والتي تنتجها غالبا مراكز أبحاث أميركية وأوروبية المرتبطة بأصحاب الثروة والمؤسسات اليمينية المتطرفة.

يمثل دباشي معرفة كهذه، والتي باتت تنتج مابعد أحداث 11 سبتمبر 2001، على غرار “الوجبات السريعة مع أكواب بلاستيكية وسكاكين بلاستيكية وشوكات بلاستيكية وفائدة غذائية سيئة وإشباع كاذب”. إن المعرفة التي أفضت إلى غزو أفغانستان تنطوي على اتصال ضئيل بإنتاج الخطاب الذي أفضى إلى احتلال العراق، وكذلك الأمر ما يتعلق بإيران. إنها معرفة يمكن التخلص منها ورميها بعد استخدامها لمرة واحدة. هي أيضا نتاج مراكز قوى متغيرة تفتقد للثبات ومن دون ملامح والتي أصبحت تنتج أنماطا وطرائق تفكير تماثلها وعلى صورتها وبالقدر ذاته بعدم الاستقرار والرسوخ وغياب اليقين.

مفكرون مختلفون مفردة نبعت من كتاب “الاستشراق”، ذاك النص الإلهامي، كما يقول دباشي، فشخصيتهم النقدية وصوت المعارضة لديهم ونسيج سياستهم وشجاعتهم هي ذاتها. يتحدث بوصفه مثقفا مهاجرا نجد دباشي ينظر إلى إدوارد سعيد صديقه وزميله في جامعة كولومبيا لمدة عقد من الزمن، بكونه شخصية فكرية شاهقة، مازالت تلقي بظلها على كل جملة يكتبها. لقد قام بما يكفي ومع آخرين ليمكنهم من التفكير معه، أن يكون جزءا لا يتجزأ من أبجدية خيالهم الأخلاقي والسياسي، ما جعله يصبح مرجعا وأمثولة لتفكيرهم.

توقف دباشي عن النظر إلى نفسه كمثقف مهاجر وتحول إلى أن يكون أصيلا لأساس فكري يتمثل في نتاج اكتمال معارك سعيد ضد مفهوم السلطة. لم يعد ثمة مفكّر عالم ثان أو ثالثي، لقد باتت ساحة المعارك الفكرية عالمية تماما. كتب عنه “بقي إدوارد مستيقظا عندما ذهب العالم للنوم، الضمير المؤرّق للعالم، متعمقا مثل مينيرفا، ومراقبا بعينيه المتيقظتين، كالبومة الحكيمة، يرى كل شيء، يسمع كل شيء، ويعي كل شيء”.

يسعى دباشي في ما يكتبه إلى عالم بديل يناهض هيمنة العولمة هذا الذي يعيش الآن محاولة إعادة تشكيل تضاريسه القائم على جغرافيا تمتد خارج التقاليد الفكرية الواسعة في الغرب، ولكن ليس بعيدا عنها كذلك.

9