حميد شباط سياسي في مهمة مستحيلة ضد الجميع

السبت 2017/02/25
حميد شباط أمين عام حزب الاستقلال المغربي يتسلح بترسانة من القذائف

الدار البيضاء- كثيرا ما جرف الحماس الشعبوي بعض السياسيين إلى الهاوية، وتسببت ألسنتهم الطويلة في العصف بفاكهتهم قبل أوان القطاف، والسبب على الأرجح أنهم لم يفهموا أن السياسة كالفلاحة لها مواسمها هي أيضا. والأكيد أن حميد شباط أمين عام حزب الاستقلال، من الصنف الذي إذا تكلم بلسانه استقال دماغه عن التفكير في العواقب والمآلات، فالرجل نقابي أراد احتراف السياسة فكان زواجا لم تستقم معه معادلة التوافق بين عقل السياسي المفاوض واليد الضاربة للنقابي المعاند.

منحى الاختيارات

كل إنسان يختار دربه الذي سيسير فيه إلى النهاية، وشباط قصير القامة وصاحب الامتياز الأكبر في إثارة غبار الجدل وراءه، قرر أن يعتمد على العائلة والعشيرة عمادا لقوته، فارتقى الدرجات من “سيكليس” ميكانيكي الدراجات، إلى نقابي محترف ثم قيادي لحزب سياسي وبين هذه وتلك كانت أرانب الثروة تتكاثر.

يعرف المتابعون شباط النقابي المناور الذي استعمل مع خصومه في التنظيم النقابي كل الحيل لإسقاطهم، وعندما تستمع إلى خطاباته وتشاهد تدخلاته في البرلمان أو بالمهرجانات الخطابية، تخرج بخلاصة أن هذا الرجل أعجوبة السياسة الشعبوية بالمغرب لا يضاهيه سوى غريمه عبدالإله بن كيران. شباط الذي يقترب من سن الرابعة والستين من عمره في أغسطس المقبل، دخل غمار العمل النقابي في العام 1975 تحت لواء الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الذراع النقابية لحزب الاستقلال.

بعدما ساقته أقداره من أحواز مدينة تازة بجبال الأطلس المتوسط، ليجد في الأحياء الفقيرة لفاس ملاذا آمنا وفرصة لكي يصعد من مستخدم عادي إلى نقابي استطاع أن يخلق أنصاره وحوارييه، قادهم في أحداث فاس سنة 1990 التي أدخلته تاريخ العمل النقابي من أوسع الأبواب وفتحت أمامه مشوار العمل السياسي والتأثير في مجريات الأمور داخل الحزب والنقابة، التي انتخب بالإجماع كاتبا عاما لها خلال المؤتمر التاسع في يناير 2009.

المناضل والمحرض

كان 23 سبتمبر 2012 تاريخ انقلاب حقيقي داخل حزب الاستقلال بعدما تم انتخاب شباط أمينا عاما جديدا له، ليضع حدّا لاحتكار العائلات الفاسية لهذا المنصب. واستطاع بعدها أن يتحكم في دواليب الحزب وأتقن لعبة الاستقطابات فاتهمه تيار داخل تنظيمه السياسي بأنه يريد تفجير حزب الاستقلال وهدم المعبد على أهله.

وقبل المؤتمر السابع عشر المزمع عقده ما بين شهري مارس وأبريل المقبلين يعمل شباط كل جهوده كي يعاد انتخابه أمينا عاما لولاية أخرى. ولم يتورع في تحجيم المعارضين له أو تطويق كل وجود لهم فأدخل بعض القياديين إلى محكمة التأديب داخل الحزب وحرمانهم من مهامهم لمدة عام ونصف العام أي الاستراحة منهم طيلة التهيؤ للمؤتمر وأثناءه.

كانت أحداث فاس الدامية في العام 1990، فرصة لبروز الرجل كشخصية محرضة حسب السلطة آنذاك وأحد المناضلين الشجعان كما رآه مناصروه، لم يتم القبض عليه ولم يرضخ رغم اعتقال زوجته وابنه ذي العشر سنوات. نفى شباط كل اتهامات السلطة بأنه كان أحد أعواد الثقاب التي أحرقت فاس، وله وجهة نظره في الأحداث مخالفة لما روّجته عنه الدولة، وبأن هذه الأخيرة هي من تسبب في الاحتقان والاحتراق معا. كلام يؤكد أنها ليست المرة الأولى التي يدخل فيها الرجل في صراع إرادة مع السلطة.

الفرصة المواتية لشباط لقصف غريمه بن كيران من على منصة مجلس النواب، جاءته في يوم من أيام رمضان، فطالب بن كيران بالكشف عن طبيعة علاقته بداعش وجبهة النصرة وجهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد

بعد ما وقع في فاس اختفى المحرّض والمناضل، لكن إلى أين ذهب؟ سؤال مؤرق للبعض ولا يمثل شيئا عند آخرين، فهناك من قال إنه هرب من المدينة متسللا وآخرون كانوا لنظرية المؤامرة أقرب واعتقدوا جازمين أن شباط عقد صفقة ما مع السلطة، ولم يصدّقوا أن تعجز معه كل أجهزة “المخزن” الاسم الذي يطلق على الدولة المغربية. ودليلهم أنه بعد أن أمضى محكوميته أصبح سنة 1992 عضوا بالمجلس البلدي.

لكن الرجل يجيب في حوار وببساطته المعهودة أنه “كان يتواجد في مقر النقابة المكان الذي لم يكن يخطر على بالهم”. ويا لسخرية القدر فللتاريخ دورته الكبيرة بعدما تسكن الأجساد والأرواح وتدخل ذاكرة الإنسان في دوامة النسيان ينطق شباط موجها كلاما قاسيا لبن كيران في يوليو 2014، يقول فيه إن هناك من “يظهر في الواجهة أثناء التظاهرات، ومن كان يهيّج الشارع من الباطن بيد، ويساوم بيد أخرى”.

بسبعة أرواح هكذا وصفه مناصروه والمعجبون بسيرته، فأحياء فاس العتيقة كانت معقله الشعبي حيث بنى شعبيته من خلال قربه من ناسها وراكم ثروته. لم يبرح الرجل منزله بحي بنسودة الذي كان أحد أحياء الصفيح والذي أعيدت هيكلته، ولم يتزحزح عن عمودية فاس إلا في العام 2015 عندما هزمه أحد قيادات حزب غريمه عبدالإله بن كيران.

من أين لك هذا

يقول خصومه إن شعبيته بالمدينة ضُرِبت في العمق رغم استعانته بأحد السلفيين لاستقطاب هذا التيار في الانتخابات التشريعية في أكتوبر 2016. فقد صال وجال عندما كان عمدة لمدينة فاس ونائبا عنها وقياديا نقابيا بإحدى نقاباتها. حمل شباط طيلة حياته النقابية والسياسية عدة ألقاب منها تلك التي حاول بها خصومه إخضاعه لمنطق الهزيمة فهو “السيكليس” أي ميكانيكي الدراجات، أراد مناهضوه تذكيره بمهنته الأولى تصغيرا له وتبخيسا لشأنه أمام الناس، وكلمة “هبيل فاس” أي الأحمق هو اللقب ذو الحمولة النفسية القاسية الذي وصفه به غريمه عبدالإله بن كيران، إلى جانب المافيوزي واللص والفاسد. في الوقت الذي أصبغ عليه مناصروه ألقابا محبّبة تعزز من موقعه داخل العائلة والشعب في كونه زعيما شجاعا ومقداما وكريما لا يردّ من طلب منه تقديم أي خدمة.

ورغم ازدواجية هذه الشخصية فيبدو شباط من أفعاله وردود فعله القتالية أنه متحرر من كل شيء ما جرّ عليه غضب أكثر من جهة، إذ كان من نصيبه بلاغان قويان من الداخلية الأول تتهمه فيه بابتزاز الدولة لأجل منصب رئيس الجهة، والأخير تتهمه فيه بفبركة الادعاءات واختلاق الوقائع لدوافع سياسية غامضة وتوجيه اتهامات دون حجج. ليرد هو بكل بساطة أن إصراره بالمشاركة في الحكومة هو السبب.

نظرا لشعبويته المفرطة وتاريخه العام والشخصي خلق سؤال ثروة شباط جدلا كبيرا داخل الأوساط السياسية والإعلامية منذ أكثر من عشر سنوات، إذ لم يسلم من سهام الاتهامات وربط ثروته بعدة ملفات فساد منها الاتجار بالمخدرات والإثراء غير المشروع في العقار وغيره، ومرتكزهم أن الرجل عندما سكن بمدينة فاس بدأ مستخدما بسيطا وتعليمه لا يؤهله لمراكمة ثروة ضخمة كالتي يملك.

وما دامت للصحافة مصادرها فقد نشرت صحيفة “الأخبار” المحلية، في عدد 30 يناير 2017 اعتمادا على معطيات اعتبرتها صحيحة، أن أمين عام حزب الاستقلال يملك 20 شقة سكنية، و9 ضيعات فلاحية، و6 قطع أرض مجهزة ومعدة للبناء، زيادة على حسابات بنكية هائلة، موضحة أن ثروة شباط تتضخم وممتلكاته تتوسع، حتى أصبح أبناؤه من أغنياء المدينة يملكون الشركات والحسابات البنكية المنتفخة، رغم أنهم لا يزاولون أيّ مهنة لتبرير الممتلكات المسجلة بأسمائهم.

شباط وضع رهانه على عنصري المباغتة والمناورة حماية لرأسه السياسي

أرقام ومعطيات كما أوردتها تلك الوسيلة الإعلامية، استفزت المعني بالأمر وخرج موضحا أن حجم الثروة المالية وعدد العقارات التي بحوزة العائلة وكلّ ما ذكرته الصحيفة مبالغ فيه جدا ولا يقبله العقل، كاشفا عن الحجم الحقيقي لممتلكات العائلة والتي حددها في 5 مليارات كمداخيل مالية، و2.5 مليار كممتلكات عقارية، معتبرا أن ذلك ناتج عن 40 سنة من الوظيفة و20 سنة من العمل البرلماني و18 سنة من العمل الجماعي و5 سنوات من العمل البرلماني لزوجة شباط، وكذا عمل الأب والابن اليوم كبرلمانيين، بالإضافة إلى العمل التجاري الذي تقوم به العائلة.

بين الشهرة والتشهير

والغريب أن شباط هاجم رئيس حزب الأحرار عزيز أخنوش بنفس الأسلحة التي هوجم بها مشيرا إلى أنه “لو جمعنا كل ثروة الشعب المغربي فلن تصل إلى ثروة أخنوش، حيث بلغت مليارا و750 مليون دولار”، ليثبت هذا الشخص أنه في مهمة مستحيلة فوق أعمدة كهرباء السياسة دون أن يخشى صعقة من سلك مشحون.

هناك سِرّ ما في تزامن الحروب التي يخوضها شباط مع خصومه بحلول شهر شباط. ففي فبراير من العام 2015 شن على رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران هجوما كاسحا استعمل فيه كل ما جاد به قاموسه اللغوي من ألفاظ واتهامات لا تجاري الواقع في شيء، ففي أحد اجتماعات لفريقي الحزب بمجلسي النواب والمستشارين، وصف بن كيران بأنه “مسخوط العائلة”، أي العاق لوالديه والسبب أن جزءا من عائلة هذا الأخير يدعمون حزب الاستقلال وكلهم “معقولين”.

تحدى شباط عبدالإله بن كيران بأن يتبادلا معا الثروات، كي يحكم الناس في ما بينهما، ويميزوا الغني من الفقير، ومن يمتلك أكثر من الآخر، بل من هو المليونير بينهما، ليجيبه الشعبوي الآخر أنه مستعد للتنازل عن ممتلكاته لفائدة عمدة فاس، شباط، دون أن يتسلم منه أيّ شيء. وكان أحد أيام رمضان 2014، فرصة مواتية لشباط لقصف غريمه بن كيران من على منصة مجلس النواب، ولم يراع أمين عام حزب الاستقلال أن ذلك الشهر الكريم يتحرّى فيه المسلم ألا يكذب ولا يشتم فطالب من الأمين العام لحزب العدالة والتنمية عبدالإله بن كيران بالكشف عن طبيعة علاقته بداعش وجبهة النصرة وجهاز المخابرات الإسرائيلية الموساد. تناقض السيد شباط يظهر من خلال تأكيده على أن “الدين الإسلامي يوصي بالعمل، وأن الكلام الكثير يُسقط صاحبه في مواقف حرجة”.

وفي شهر فبراير 2016 مر شباط إلى السرعة القصوى متسلحا بترسانة من القذائف لم تسلم منها الدولة التي اتهمها عبر مقال نشر بموقع حزبه، بأنها السبب في موت أحمد الزايدي القيادي السابق بالاتحاد الاشتراكي ومحمد باها وزير الدولة السابق والقيادي بالعدالة والتنمية، دبّجه صاحبه، تحت عنوان “ماذا يريدون من الأمين العام لحزب الاستقلال؟”، هذا المقال الصاعقة كان سببا في شكاية قدمتها في حقه وزارة الداخلية إلى القضاء.

لكن شباط المناور تنكر لما جاء في المقال بعدما وصلت شظاياه إلى أبعد مكان، وقبل هذا الموقف خرج شباط عبر قناة فرانس 24، بتصريحات مثيرة لمّح فيها إلى أنه قد تتم تصفيته جسديا، هذا اليأس الذي خيم على مجموعة شباط بعدما فشلت في الانتخابات التشريعية الماضية وإبعاد الحزب عن التشكيلة الحكومية المقبلة جعلته يفتح النار على كل الجهات ويرفع من تشويق لعبة التفاوض بخطة الهجوم الكاسح وقلب الطاولات.

وحتى موريتانيا لم تسلم من لسانه بعدما ضمّها إلى السيادة المغربية متناسيا أن أحد قياديي حزبه قاسم الزهري كان أول سفير في نواكشوط ممثلا للمغرب في سبعينات القرن الماضي، فتصريحاته حول موريتانيا جلبت له الكثير من الجدل والغضب اضطر معها العاهل المغربي إلى إرسال بن كيران إلى نواكشوط للملمة الآثار السلبية الناجمة عمّا نطق به شباط.

وليبقى وفيا لخرجاته المثيرة والفريدة استعان شباط بالحمار في سبتمبر 2013 ليكون حاضرا بقوة في تكتيكاته السياسية، عندما حرّك مناضلو حزبه هذا الحيوان الخدوم بعدما ألبسوه قمصانا أنيقة وربطات عنق، في مسيرة احتجاجية تقدمها شباط ضد الزيادات التي همّت عددا من المواد الأساسية، فهذا السلوك استهجنه البعض وصفق له آخرون لم يفقهوا جيدا في لعبة الشعبوية.

شباط بسبعة أرواح كما يصفه مناصروه والمعجبون بسيرته. فأحياء فاس العتيقة كانت معقله الأصيل حيث بنى شعبيته من خلال قربه من ناسها وراكم ثروته. فلم يبرح الرجل منزله بحي بنسودة الذي كان أحد أحياء الصفيح والذي أعيدت هيكلته، ولم يتزحزح عن عمودية فاس إلا في العام 2015 عندما هزمه أحد قيادات حزب غريمه بن كيران

لغز شباط

مباشرة بعد المسيرة خرج شباط في مهرجان خطابي ينعى فيه الحكومة معتبرا أن المسيرة التي حملت عبارة “فهمتيني ولا لا” في إشارة لرئيس الحكومة عبدالإله بن كيران، بمثابة جنازتها، ولكن الأيام كذبته واستمرت الحكومة التي انسحب منها في العام 2013، إلى أن أكملت ولايتها وبدأ يتباكى للمشاركة في الحكومة التي سيرأسها من أوغل في قدحه بالأمس.

ومن غرائب الرجل أنه وعد أهل فاس خلال الحملة الانتخابية التشريعية لعام 2007، أنه سيجلب البحر إلى المدينة وذلك بإنشاء مشروع ضخم عبارة عن شاطئ اصطناعي به رمال في منطقة واد فاس، إذ أنه سيلطف حرارة الصيف إلى جانب مطاعم ومراكب، وكان العمدة السابق لفاس قد قام بتشييد برج “إيفل”، أسوة بما تم إنجازه في باريس لكن تمت إزالة هذه “المعلمة”، بعدما تبين عبث من ركبها وخسر أموال دافعي الضرائب على هندستها.

لا يزال لغز الأمين العام لحزب الاستقلال شباط غامضا، فقد وضع رهانه على عنصري المباغتة والمناورة حماية لرأسه السياسي ولأذرعه النقابية، لكن هل يستطيع تحريك الرأس وما حوى أكثر من الأذرع لكسب رهان المرحلة المقبلة بعد الضجة والخصومة التي راكمها؟ القانون هنا واضح فالمرجح أن شباط يعرف أصول اللعبة السياسية ويعي جيدا بعض الخطوط الحمراء التي لا يمكنه بأيّ حال تجاوزها؟ وحسب مناصريه فهو المدافع الشرس عن الشرعية والمشروعية والديمقراطية، وعند الخصوم ليس هذا الشخص سوى شعبوي تسلّق على أكتاف من أتوا به إلى عوالم السياسة فزواج السلطة بالمال، وأنه لم يكن دقيقا في اختيار التوقيت الأنسب لتوليد القرار الحكيم وإنجاح مهمته المستحيلة.

13