حميد عبد القادر: اغتالوا الثقافة وقضوا على البرجوازية فسادت مظاهر الفوضى

الأحد 2013/12/15
انتصرت ثورة المليون شهيد وأنجبت العداء للمثقفين

الجزائر- حميد عبد القادر من مواليد 1967، التحق بالصحافة بعد أن درس العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر . يعمل بيومية "الخبر" منذ أكثر من عشرين سنة، ترأس القسم الثقافي من عام 1993 إلى غاية يناير 2011. يكتب حميد عبد القادر بشكل مختلف عن الآخرين. في هذا الحوار نتناول أحدث روايته "توابل المدينة" الصادرة أخيرا عن دار "الحكمة بالجزائر"، ليحدثنا من خلالها عن كثير من القضايا الإشكالية لجزائر الاستقلال.

في رواياته الثلاث الصادرة لحد الآن، وهي "الانزلاق" و" مرايا الخوف" و"توابل المدينة" لا يتوقف الكاتب الجزائري حميد عبد القادر عند المسائل الجمالية، بل يتعداها إلى كثير من القضايا الشائكة التي تحيلنا إلى التاريخ الجزائري المعاصر بكل تعقيداته.


رثاء البرجوازية


يكاد بطل رواية "توابل المدينة" يحمل اسم حميد عبد القادر، وتكاد سيرة عائلة البطل المغراوي تطابق سيرة عائلته، وهنا تتداخل عناصر السيرة كواقع معيش والمتخيل الذي أراد من ورائه الكاتب أن يحلق في فضاء المجاز، عن هذا التماهي العجيب يقول حميد عبد القادر:" فعلا، يوجد تماه كبير بيني وبين محفوظ عبد القادر المغراوي، لكن فقط على مستوى الأفكار. أما على مستوى التجربة، فكل الأحداث متخيلة".

ويضيف قائلا:" سبق لي أن وضعت تجربتي الشخصية في قلب روايتين هما "الانزلاق"، و"مرايا الخوف"، لكن هذه المرة، فضلت كتابة رواية متخيلة. وأريد أن أوضح أنه يوجد في روايتي شخصيات وليس أبطالا، فأنا لا أحمل همّا أيديولوجيا، حتى أقول إنني أقحمت أبطالا. كما لا تقوم الرواية على الصوت المفرد، ولا على (البطل) الواحد. وتعتمد على سردين متوازيين منذ البداية، فكل من محفوظ عبد القادر المغراوي، وبرهوم بوسلمان يرويان أحداثا وقعت لهما في مدينة متخلية، لا تحمل أي اسم، فهي مدينة فقط.

ثم يظهر في الأخير مستوى سردي ثالث يقوم على التعرية، والمكاشفة من خلال تقديم محفوظ عبد القادر نفسه ككاتب الرواية، ليختفي برهوم بوسلمان القاتل، ويترك المجال أمام سارد واحد يمسك بزمام الأمور، ويروي تفاصيل ما بعد حادثة مقتل السيدة جنات. أعتقد أن مهمة الروائي تتمثل في الانتصار للكتابة وللقيم الإنسانية".

ويتابع: "حسب اعتقادي فإن محفوظ عبد القادر المغراوي / الكاتب انتقم لمقتل السيدة جنات، وشوه صورة برهوم بوسلمان بفضل قدرته على الكتابة، وقراءة ظروف الجريمة من الزاوية التي يريدها انطلاقا من قدرته على الكتابة. الكتابة في النهاية هي السلطة الوحيدة القادرة على تغيير مجرى التاريخ، وليس العنف الذي يجسده برهوم بوسلمان. ماتت السيدة جنات، لكن محفوظ عبد القادر، ظل يبحث عن اليوتوبيا التي عثر عليها في حي "كوسموبوليتي" يسمى "لافابيس"، يقع في مدريد بأسبانيا. أعتقد أن رواية "توابل المدينة"، في النهاية هي عبارة عن لحظة البحث عن هذه اليوتوبيا التي تجعل الإنسان سعيدا، بالتالي فهي تطرح السؤال التالي: كيف يكون الإنسان سعيدا؟".

المتأمل في الرواية يلاحظ أن جلّ أحداثها وقصصها تعود إلى الماضي على إيقاع الحنين الدائم لمدينة الجزائر، فهل هذا اشتياق أم رثاء لها، يجيب عبد القادر قائلا: " الرواية لا ترثي المدينة فقط، بل ترثي لحال البرجوازية الجزائرية التي عرفت مصيرا مخيفا بعد استقلال البلد. فقد اتهمت بالخيانة، من قبل نظام الحزب الواحد، الذي احتكر الوطنية، واعتنق الأيديولوجية الاشتراكية، ودافع عن الانتماء العروبي، رغم أنها شاركت في حرب التحرير، وقدمت لنفسها نقدا ذاتيا مكّنها من التخلي عن أوهام الاندماج في المنظومة الاستعمارية التي راودتها خلال مطلع القرن العشرين. لقد ألفتُ سلسلة من الكتب التاريخية قبل كتابة رواية "توابل المدينة"، حول شخصيات تاريخية ليبرالية، ومثقفة أمثال فرحات عباس، وعبان رمضان، والدكتور لمين دباغين، مكنتني من فهم مسار الحركة الوطنية الجزائرية، وهو ما استثمرته إبداعيا في هذه الرواية. أدركت أن مصير الشخصيات البرجوازية والمثقفة في الجزائر كان مصيرا مأساويا يسهل نقله إلى عالم الروائية لاحتوائه على عنصر المأساة والإخفاق. كان الخطاب السياسي عقب الاستقلال خطابا معاديا للنخب، وللمثقفين، وبالأخص خلال مرحلة حكم الرئيس أحمد بن بلة. وهذه الفترة بالذات هي المرحلة التي تدور فيها أحداث الرواية، مع تسجيل عداوة مستمرة لمرحلة ما قبل الثورة، التي أراد التاريخ الرسمي طمسها، بسبب ما تمثله من نضال ثقافي وفكري ضد الاستعمار، حتى تظهر العنف الثوري، كاللحظة الوحيدة المؤسسة للوطنية الجزائرية".

قراءة التجربة الديمقراطية، بالموازاة مع قراءة تجربة العنف الثوري، كلاهما تفيد الجزائريين وتنفعهما في الوقت الحاضر


الروائي المنصف


في رواية "توابل المدينة"، يبدو السارد متحيّزا وغير منصف، مع أن الرواية بنيت على "حوارية" بين شخصين مختلفين إلا أن حميد عبد القادر حمّل الثاني المسمى "برهوم" كل أسباب المصائب في حين صوّر الأول "محفوظ" تصويرا يقترب من المثالية، وهنا تتبادر إلى أذهاننا مسألة القصدية، أم أن الكاتب كان عفويا، يقول عبد القادر:" هل يوجد سارد غير متحيز؟ الكاتب يحمل قيما جمالية وفلسفية وهو يكتب، وهذه القيم هي التي يدافع عليها. أعتقد أن الروائي لا يكتب الرواية لكي يتخذ مواقف حيادية، بالتالي، فهو لا يتحلى بالموضوعية وهو يكتب. يكتب الروائي لأنه يحمل في أعماقه أوجاعا تجعله يتخذ مواقف، يكتب تحت تأثير الشعور والعواطف، وليس تحت تأثير العقل. بالتالي هل يوجد روائي منصف؟ أجيبك بسرعة، وأقول.. لا يوجد روائي منصف، الروائي كائن ذاتي، وهو يختلف عن المؤرخ الذي تسيره سلطة العلم. شخصيا أنتقل كثيرا بين الكتابة التاريخية والكتابة الإبداعية، وأعرف أن الأدب هو لحظة شعورية، وعليه أعتبر روايتي كمحاولة لإبراز مأساة البرجوازية الجزائرية، التي وجدت نفسها عند الهامش بسبب سياسات اشتراكية عروبية غير واقعية، مفروضة استنادا لحقائق غير تاريخية. وتقدم محاكمة لبرهوم بوسلمان، وهو رمز البداوة التي أرادت أن تتحكم في زمام الأمور، وتصبح القوة المحركة في المجتمع، على حساب البرجوازية والمثقفين. نعرف جيدا أن حرب التحرير الجزائرية عرفت هذا الصراع بين القادة المنحدرين من المدن، والذين انحدروا من الأرياف لتزعم الثورة. وكان أنصار التيار الثاني "المنحدر من الريف" يتهمون التيار الأول بعدم القدرة على اكتساب الوعي الثوري، ويتهمه بالخيانة لأنه سار في وقت سابق وراء أوهام الاندماج في المنظومة الاستعمارية. وكل المشاكل التي برزت عقب مؤتمر الصومام كانت بسبب هذا الصراع. فتح مؤتمر الصومام أبواب الثورة أمام جميع التيارات السياسية، بما في ذلك البرجوازية، لكن بعض القادة المنحدرين من أصول ريفية رفضوا هذا الخيار، واعتبروه انحرافا عن بيان أول نوفمبر. لكن بعد التراجع عن قرارات مؤتمر الصومام، استحوذ القادة المناصرون للثورة تتكون قيادتها من العناصر الريفية التي لا تثق سوى في سكان الأرياف باعتبارها حسبهم الفئة الوحيدة القادرة على اكتساب الوعي الثوري، واتضح أن مصير البرجوازية والمثقفين سيكون مأسويا، واتضح أنهم لن يلعبوا في صيرورة الثورة سوى دور ثانوي. وهذا ما تقوله الرواية في بعض من فصولها، وهي تحاول فهم مأساة البرجوازية بالعودة إلى التاريخ. وبالفعل فقد انتصرت لقيم إنسانية تمثلها البرجوازية، التي كانت تظهر في أعمال الروائيين الجزائريين في السبعينات كأنها "الشر المطلق"، مثلما هو الحال في رواية "الزلزال" للطاهر وطار، وحتى في أعمال رشيد بوجدرة. انتصرت للقيم الإنسانية وليس للأيديولوجيا، وجاءت الرواية كمرافعة من أجل إعادة الاعتبار لقيم التسامح، والفن، انطلاقا من اعتقادي بأن البرجوازية هي الفئة الأكثر قدرة على حمل مشروع تكون فيه الثقافة ركيزة أساسية.

روايتي محاولة لإبراز مأساة البرجوازية الجزائرية، التي وجدت نفسها على الهامش بسبب سياسات اشتراكية عروبية غير واقعية


التمدّن والبداوة


مثلما انتصر – من خلال السارد- لأحد الرّاويين، حاكم حميد عبد القادر الخيار الاشتراكي الذي ساد في البلاد بعيد الاستقلال. مع أنها كانت تبدو مرحلة ضرورية في سياقها التاريخي، إلا أن المطلع على الرواية يلاحظ أن عبد القادر قد أخرج إقطاعيا لينصّب إقطاعيا مكانه، عن هذه المسألة يقول حميد عبد القادر:" حاكمت الخيار الاشتراكي الذي تسبب في تفكيك فئة اجتماعية كانت قادرة على المشاركة في مجهود البناء الوطني. أنا لا أقول إن الاشتراكية كانت خيارا خاطئا، لأنها اقترنت بالديكتاتورية، وبغياب الحرية. وبالرغم من أنني استفدت شخصيا من المرحلة الاشتراكية بسبب ديمقراطية التعليم، لكن ليس بإمكاني اليوم القول إنها كانت ضرورية وفق تلك الطريقة التي طبقها بن بلة وهواري بومدين. كانت ضرورة وإيجابية من زاوية العدالة الاجتماعية، لكنها سلبية من زاوية انتشار القمع وانعدام الحريات".

ويضيف عبد القادر قائلا: " انتصرت في الرواية للتمدن على حساب البداوة، انتصرت للكتابة، ووضعت خيار العنف في مأزق، هو مأزق برهوم بوسلمان الذي يجد نفسه محاطا بأشباح الماضي والجريمة التي اقترفها. كانت الجزائر العاصمة التي أعرفها جيدا، بحكم المولد والنشأة، بعد الاستقلال مدينة كوسموبوليتية، فيها خليط من الأجناس والثقافات، لكنها تحولت في بضعة سنوات إلى مدينة باهتة ثقافيا، وهذا ما تحاول الرواية أن تقوله، فمقتل السيدة "جنات" كحادثة تنطلق منها الرواية، تحيل إلى اغتيال الثقافة والقضاء على البرجوازية، وما صاحب ذلك من مظاهر الفوضى التي نعرفها حاليا في مدننا".


محاكمة القمع


مع أن الرواية "من نسج الخيال" كما نوّهت في بدايتها إلا أنها مليئة بالشخصيات التاريخية المعروفة. فما هي حكاية عبد القادر مع التاريخ، يقول:" يصعب عليّ الابتعاد عن التاريخ، أنا روائي مهووس بالماضي، واعتقد أنه دون العودة إلى أحداث ماضية لا يمكن فهم الواقع المعاش. التاريخ هو الزمن البهي، ليس التاريخ مأساة مطلقة، كما يحاول التاريخ الرسمي أن يوهمنا به. وهو لا يتوقف عند تاريخ اندلاع الثورة. هذا التاريخ الرسمي يجعلنا نتوهم أن الحياة كانت قاسية وصعبة بالنسبة إلى كل الشعب الجزائري، والحقيقة هي غير ذلك تماما. صحيح أن الاستعمار كان عبارة عن نظام ظالم ومأسوي، قام على العنصرية وعلى القمع، لكن في نفس الوقت كانت توجد لحظات بهية أخرى في هذا الماضي، غير لحظة الثورة، وأقصد هنا لحظات تكوين فكر المقاومة ضد الاستعمار خلال مطلع القرن العشرين، كانت النخب المثقفة والبرجوازية قد سلكت طرقا مختلفة للتخلص من الاستعمار، غير طريقة العنف الثوري – الذي أؤمن به إيمانا مطلقا، وأقول إنه كان بمثابة الحل النهائي للتخلص من الهيمنة الاستعمارية- وتمثلت في النضال السياسي، والفكري، عبر الممارسة الحزبية والكتابة الصحفية وإنشاء الجمعيات الثقافية وغيرها من طرق النضال الثقافي".

ويتابع: أريد أن أقول إن قراءة التجربة الديمقراطية، بالموازاة مع قراءة تجربة العنف الثوري، كلاهما تفيد الجزائريين وتنفعهما في الوقت الحاضر. فالتركيز على العنف الثوري لوحده، أعتقد أنه لا يفيدنا في شيء. ومن بين أسباب تهميش البرجوازية في الجزائرية، كما تريد الرواية قوله، أنها كانت تمثل تجربة حياة ونضال مغايرتين، تختلفان تماما عن تجربة وخيار السلطة بعد الاستقلال. لقد وجد محفوظ عبد القادر المغراوي نفسه، بعد مقتل السيدة جنات، يعيش في عالم خال من اللمسات الفنية، فالسيدة جنات هي التي جعلته يكتشف عوالم موزار- حتى أن العنوان الأول للرواية كان "الحياة من غير دون جيوفاني"، في إشارة إلى ولع السيدة جنات بأوبيرا دون جيوفاني لموزار، ليصبح في الأخير "توابل المدينة"- ويتذوق الموسيقى الكلاسيكية، التي منحته القدرة على تجاوز لحظات مأسوية من جراء تعرض والده للمتابعة من قبل البوليس السياسي خلال السنوات الأولى من الاستقلال، رغم أنه كان ثوريا وشارك في الحرب ضد الاستعمار. وفي المحصلة أقول إنني حاكمت الجانب القمعي في الاشتراكية، وليس جانبها المتعلق بالعدالة الاجتماعية التي ننشدها جميعا".

16