حناء العيد.. النساء يكافئن أنفسهن بالزينة بعد الصيام

عرفت الحناء منذ القديم، فقد استعملتها الشعوب في أغراض شتى، إذ صنعوا من مسحوق أوراقها معجونا لتخضيب الأيدي وصباغة الشعر وعلاج الجروح، واتخذوا من أزهارها عطرا، ولها نوع من القدسية عند الكثير من الشعوب، وتستعمل في التجميل، فتخضب بمعجونها الأيدي والأقدام والشعر، وقد تطورت الزينة بالحناء لتصبح على شكل نقوش مختلفة لا تخلو من السحر والأنوثة.
الجمعة 2017/06/23
موسم الحنانة وقاعات التجميل

أبوظبي - حناء العيد طقس عربي قديم تقبل عليه النساء في مناسبات الزواج والأعياد، فينقشن بالحناء أو الخضاب على اليدين والقدمين رسوما جميلة تضفي الزينة والدلال على النساء المتزوجات والفتيات.

وتخضع نقوش الزينة في المجتمعات العربية لقوانين صارمة، فما تنقشه المتزوجة ليس ما تنقشه الفتاة العزباء، لكن رسم الحناء تطور اليوم وأصبح يشمل الأجزاء الظاهرة من الجسد وأصبحت الشابة المتزوجة أو العازبة تسرف في نقش الرسوم التي لا تخلو من السحر والأنوثة ليظل فن النقش على الجسد جديدا بكل المقاييس، ومنافسا للكثير من إنتاج بيوت الزينة ومستحضرات التجميل العصرية.

في القديم تتجمع مجموعة من الجارات في منزل إحداهن قبل أيام العيد يتبادلن رسم الحناء، أو تقوم بذلك إحدى المتطوعات من ذوات الخبرة من فتيات الحي كمكافأة لهن على ما لاقينه من عناء في الطبخ طيلة شهر رمضان وعلى اهتمامهن بالعائلة وموائد الإفطار وإعداد لوازم السهرة من حلويات ومشروبات.

وتطور النقش بالحناء من حيث أشكاله وزخارفه وأصبحت له “حنانات” مختصات ورسوم متنوعة من الهند والباكستان والسودان والإمارات، وحتى طريقة إعداد الحناء لم تكن كما كانت عليه من قبل، بل ظهرت خلطات أخرى تستجيب لأذواق الفتيات والنساء اللاتي لا تحتملن رائحة الحناء ويرغبن في نقوش شديدة السواد تضاهي الوشم (التاتو)، إلا أن هذه الخلطات الجديدة تحتوي على مواد كيمياوية قد تتسبب في بعض المخاطر للجلد.

عجينة معطرة

تقول العراقية أم جابر، إن من متممات الاستعداد لاستقبال العيد هي الحناء حيث تعجن الأم الكمية الكافية من الحناء قبل ليلة العيد وتهيئ قطعا كافية من الملابس القديمة لتشد بها أيادي بناتها وأولادها الصغار بعد تخضيبها بالحناء، إذ تجتمع العائلة حول الجدة والأم والأخت الكبرى اللواتي يقمن بوضع الحناء على أيدي الصغار أولادا وبنات وربطها بقطع من القماش ثم يُطلب منهم إبقاؤها حتى الصباح حين تقوم الأم بغسل أيدي أطفالها فتظهر أكفهم منقوشة يتفاخرون بها أمام أقرانهم ويتشممون عطرها، لكن هذا أيام زمان.

زخرفة الجسد

وتقول نساء متقدمات في السن من مصر والعراق والسودان والإمارات والسعودية إن الحناء في الماضي كانت تعجن بمواد طبيعية بسيطة متوفرة في المنزل، ولا تضاف إليها أي مواد أخرى، ويتم عجن الحناء الناشفة بالماء المغليّ والليمون اليابس أو الليمون الطازج، ثم يوضع الخليط لمدة ساعة في الشمس حتى يتغير لونه وتصبح العجينة جاهزة للاستخدام بعد ذلك.

تقول عائشة السويدي من النساء الإماراتيات اللاتي لا يزلن يتخضبن بالحناء التقليدية في المنزل، إن “عجينة الحناء اختلفت كثيرا وأصبحت تضاف إليها مواد قد تكون مضرة بالجلد، وإن الكثير من النساء أصبحن يضعن الكثير من الإضافات على الحناء كبياض البيض والقهوة والزيت وغيرها من الإضافات”.

وبينت أن طريقة خلط الحناء المشهورة، هو وضع حناء خضراء مطحونة ناعمة وعصير الليمون وسكر ناعم وخلطها جيدا لتحضيرها للنقش، في المناسبات المختلفة فهناك “حنة العروس” التي تملأ الأيدي والأرجل بنقشات كثيرة، و”حنة الخطوبة”، و”حنة الأعياد” و”حنة المناسبات الأخرى”.

ولا يقتصر استعمال الحناء على النساء فقط، فحتى الرجال يستخدمونها لصبغ شعر الرأس أو لصبغ الشارب أو اللحية أو لعلاج خشونة وتشقق اليدين والقدمين وعلاج باطن الكف، وتبريد العين والرأس كما يعتقد العامة.

علاج ودواء

للحناء فوائد جمة إضافة إلى زينة اليد والقدم والشعر لتغيير لونه أو لتقويته ومنعه من السقوط أو لإخفاء ملامح الكبر وبياض الشعر.

تقول داليا وهي صاحبة محل للحلاقة في بغداد إن الكثير من النسوة يستعملن الحناء لصبغ الشعر باللون الأحمر المرغوب فيه، ومنهن من يستعملنها لتقوية الشعر ومنعه من السقوط حيث تخلط الحناء بقشور الرمان أو صفار البيض مع مسحوق الكزبرة وورق التفاح الجاف.

وتقول الحاجة فوزية خاتم من العراق، إن النساء كن ومازلن يستخدمن الحناء لشعورهن، “وكنا في أيام زمان نبيت بها ونذهب عند الفجر إلى حمام السوق وخصوصا في أيام الأعياد، وكانت النسوة الكبيرات في السن يخلطن مع الحناء مادة الوسمة وهي مادة تضفي اللون الغامق على الحناء”.

أم نبيل 55 عاما من بغداد تصف الحناء بأنها علاج لامتصاص حرارة الصيف، وهي تقول،” الجميع على علم بالصيف اللاهب في المنطقة العربية، لهذا نحن كعائلة نستخدم الحناء في كل موسم صيف حيث إنها تساعد على امتصاص الحرارة من الرأس، وأنا شخصيا وفي هذا العمر من المؤكد بأن شعري قد أصبح أبيض، لهذا أستخدم الحناء كمادة للتلوين بدلا من صبغ الشعر، حيث إن الصبغ عبارة عن مادة كيمياوية ربما تضر الشعر عند الاستخدام المتكرر، بينما استخدام الحناء صحي ويعطي فائدة للشعر، لكن لا نستخدمها في الشتاء فهي مضرة جدا حيث تؤدي إلى أمراض الحمى والأنفلونزا لأنها تحتوي على الرطوبة”.

شهد شابة من مصر، بيّنت أن استخدامها للحناء أسبوعيا وذلك لأنها تمنح الشعر لونا جميلا وتعطيه فائدة صحية حيث تمنعه من التساقط وتعمل على إطالته وتكثيفه.

وأضافت “أنا أستخدم الحناء باستمرار، لكنني لا أستخدمها لوحدها، إذ أضيف إليها البيض والليمون لكي يعطي الخليط بريقا وجمالية للشعر”.

صالونات التجميل

لحناء العيد أصول وعادات وأذواق تكونت عبر السنين، حيث تكتفي المرأة قديما بنقوش خجولة ومحتشمة تتركز على أسفل القدمين ومقدمة البنان وبنقش خفيف على الكف في البيت، أما اليوم فقد ظهرت نقوش مختلفة الأشكال التي تفضلها السيدات ومنها النقش الهندي والنقش السوداني والنقش الإماراتي والنقش البحريني والنقش المغربي والنقش الطاووسي والكثير من الأنواع التي تطلبها كل فتاة حسب رغبتها.

وظهرت تحسينات وطرق حديثة في إعداد حناء العيد وذلك بشراء أشكال ورسومات جاهزة لطبع الحناء على اليدين والقدمين من دون عناء في تشكيل وترتيب الحناء.

تقليد قديم بلمسات عصرية

وأصبحت الفتيات يضعن نقوشا جريئة على الكفين تفيض بالعواطف الجياشة، ويفضلن النقش الناعم والرسوم الهندسية والأزهار وأشكال الأساور والحروف وحتى كتابة أسمائهن على باطن اليد مع الرسم ولا يحبذن الحناء على أطراف الأصابع لأنهن يفضلن تلوين أظافرهن بالـ”مناكير”.

وكان النقش بالحناء والخضاب في القدم يتم في المنازل ويعتمد على أشكال بسيطة، وهناك من النساء من احترفنه واكتسبن الخبرة والقدرة على صياغته وتطوير زخرفته. وعرفت الحنانة في الأحياء في معظم المناطق العربية ليتطور بعد ذلك وينتقل من المنزل إلى محلات الكوافير، واستبدلت شوكة الطلح التي كانت النساء يستخدمنها في الزينة بالريشة والإبرة المعدنية.

ومثلما تطورت أدوات النقش وأشكاله تطورت كذلك أماكن النقش في الجسد وتعدت اليد والقدم والمعصم والعنق لتشمل الساق كلها من الأصابع إلى أعلى الفخذ واليد إلى الكتف، وأصبحت النساء المتزوجات والعرائس ينقشن رسومات على الصدر وعلى مناطق مختلفة من الجسد.

قالت صفاء مديرة صالون في دبي، “تختلف أنواع النقوش وأحجامها، فمن النساء من يفضلن النقوش الخفيفة، ومنهن من يرغبن في تزيين اليد بنقوش صغيرة ومتلاصقة. ومنهن من يفضلن الحناء الممتدة من الكف إلى أعلى الكتف، وكل نوع يتطلب سعرا معينا، وزيادة الأسعار تنعكس على طلب الزبونة في زيادة النقوش وهكذا”.

وتضيف أن هناك موديلات مختلفة من النقوش منها الهندي والخليجي والقديم، حيث نقدم تشكيلة واسعة من النقوش لتختار المرأة ما يتناسب مع ذوقها وميزانيتها على حد سواء.

وتقول إن صالونات الحلاقة تشهد ازدحاما شديدا ليلة العيد في جل المدن العربية لذلك لا تجد من لم تحجز مكانها من قبل فرصة لتتزين بالنقوش.

وتقول المصرية هنادي “إن من الشابات من يفضلن الزينة والنقوش لكنهن لا يحتملن رائحة الحناء”، مبينة أن في الحناء عراقة وأصالة وجمالا لا يمكن الاستغناء عنها، وتعتقد أن سبب انصراف البعض عن الحنّاء هو الرائحة القوية التي تنبعث منها، وآثار اللون التي تبقى على الجلد بعد أيام عدة من نقشها، لذلك أصبحت الأصباغ المؤقتة هي المفضلة عند الجيل الجديد.

وتقول السعودية هناء ذات الستة عشر عاما إن الموضة والابتكارات الجديدة في نقش الحناء وراء ذهابها إلى الكوافي قبل حلول العيد لتبدو في أبهى حلّة، واستبدلت هناء الحناء التقليدية، بأخرى مستعارة، وتسمى “ستيكر الحناء”، وهي نقوش جاهزة توضع في المكان المرغوب بعد ترطيب الورقة بالماء لطبع الرسم على الجلد، مؤكدة أن ما دفعها لخوض تلك التجربة هو أن النقش مؤقت، ويدوم ثلاثة أيام أو أربعة على الأكثر، إضافة إلى أنه غير مكلف وبلا رائحة.

الحناء السوداء مادة كيمياوية عضوية مصنعة تدعى بارا فينيلاندماين تضر بالبشرة

واختارت هناء أن تطبع رسم الفراشة باستخدام ستيكر الحنّاء لتخرج الصورة بشكل جميل، وهو حسب رأيها أفضل من النقش بالحناء لأنه سريع الجفاف وخال من الأخطاء أثناء عملية الرسم.

الخلطة الكيمياوية

نقش الحنّاء أصبح اليوم يلقى رواجا تحت أشكال أكثر عصرية، وأقرب إلى شكل التاتو، حيث يتم خلط الحنّاء بمواد وأصباغ أخرى للحصول على لون قريب من السواد فيظن الكثيرون أن هناك “حناء سوداء”، وهذا مصطلح مضلل تستخدمه صالونات التجميل، فلا أشجار تطرح أوراق حناء سوداء، بل هي مادة كيمياوية عضوية مصنّعة تدعى “بارا فينيلاندماين”، وقد تضر هذه المادة بالبشرة والجلد وتسبب الحكة والتحسس، لذلك يفضل الاختصاصيون في الأمراض الجلدية أن يكون إحياء تقليد الحنّاء بالمواد الطبيعية والأصلية، والابتعاد عن كل ما هو اصطناعي.

وتقول أصالة عراقية مقيمة في السعودية إنها كانت تفضل الرسم بشكل طولي على الساق بخط رفيع ورسوم عصرية بلون الحناء السوداء، إلا أنها توقفت عن هذه العادة بعدما تعرضت في إحدى المرات لإحساس حاد في المنطقة المحيطة بالنقش حيث ترك آثارا لم تختف بسهولة، مما اضطرها لمراجعة الطبيب والخضوع لجلسات تقشير للتخلص من تلك الآثار، التي كانت أشبه بالحروق الممتدة على طول ساقها، وتعتقد أصالة أن السبب قد يعود إلى استخدام النقّاشة مواد غير أصلية في خلطة الحنّاء.

ويقول عبدالعزيز محمد عبدالله طبيب أخصائي الجلدية والتجميل في السعودية، “المعروف أن الحناء أو أوراق الحناء الخالصة وغير المخلوطة مع أي مواد، نادراً ما تتسبب في أي ضرر للبشرة، على عكس الأشكال المتداولة حاليا والتي يتم فيها مزج الحناء بمواد وأصباغ مثبتة قد تثير حساسية بالجلد، ويعد أبرزها التهاب الجلد التماسي التخريشي، والذي يكون على هيئة حروق واحمرار بعد دقائق أو ساعات من وضع هذه المادة على البشرة، ويشبهه أيضا التهاب الجلد التماسي اليرجي، الذي تصاحبه الحرقة والاحمرار والانتفاخ والتورم في مكان النقش، وقد تدوم هذه الأعراض من 24 ساعة إلى أيام عدة”.

20