حناء عالمية

الاثنين 2014/10/13

رسم بالحناء على الجلد، أراد أن يستعيد قدرة البصر على اختراق عالم الخفاء، مسحورا بالحكايات الشعبية، نحت أصواتا لتجسد رغبته في أن يمزج الحكاء بالرائي، فكان تجريديا مسحورا بقوة الأشكال.

فريد بلكاهية (1934/ 2014) كان عميقا في إنصاته إلى ما يتحرك في الروح المغربية من إيقاعات، هو الرسام والنحات الذي ظهر في ستينات القرن الماضي، كان واحدا من أبرز أفراد جيل قرر أن ينتقل بالفن التشكيلي المغربي من إطاره المحلي إلى العالمية، مرورا بمدّ جسور متينة كانت تقود إلى العالم العربي.

السعي إلى العالمية لم يفقد نتاج أفراد ذلك الجيل نكهته المحلية. وهي المعادلة المتوازنة التي دافع عنها بلكاهية من خلال اتجاهه إلى استعمال المواد المحلية في الرسم، بدلا من المواد المصنعة والمتاحة في الأسواق.

اختار أن يرسم بالحناء على الجلد، ليستعيد مهارات الفنان الشعبي في ظل خيال معاصر.

في العرض الذي قدمه متحف الفن العربي الحديث في الدوحة عام 2010 لرسوم بلكاهية، كان هناك الكثير من الإشارات إلى مفهوم الأصالة الذي اختار الفنان الانحياز إليه. وهو مفهوم لا يخفي ارتباطه بانجازات الفن الشعبي، في بلد لا تزال فيه الفنون الشعبية تعزز مواقعها من خلال ما تحظى به من اهتمام ورعاية ثقافية واجتماعية، وهي تمثل جزءا حيويا من الدورة الاقتصادية.

ومع ذلك فإن بلكاهية لم يكن فنانا شعبويا. كانت أعماله ذات نزعة نخبوية، ترتقي عن طريق حساسية بصرية نادرة بذائقة المتلقين الجمالية.

وعن طريق تلك الحساسية نجح بلكاهية في تخليص المواد المحلية مما علق بها من عادات استعمال جعلتها محدودة الفاعلية.

لقد فجر هذا الفنان في أعماق تلك المواد خياله حين استطاع أن يستخرج منها إمكانات جمالية لم تكن متاحة من قبل.

بلكاهية الذي فقدناه مؤخرا كان بمثابة الساحر الذي تكتسب المواد بين يديه صفات جديدة، وهو ما يؤسس لمعادلة متوازنة في التعبير الفني تعيد إلى المادة حيويتها الكامنة.


كاتب من العراق

16