حنان الأمهات لا يغني عن عناق الآباء

إظهار الأب عاطفته مفيد لنمو الطفل وتوازنه النفسي، وعناق الآباء مهم لتربية الأبناء تماما مثل عناق الأمهات.
الخميس 2020/01/16
توطيد للأبوة

تحرم الصورة التقليدية والنمطية للأب كرب للأسرة من التعبير عن عواطفه الغريزية تجاه أبنائه فتجده يكبت رغباته في إظهار حنانه وحبه لهم عبر ممارسات صغيرة مثل العناق والقبل غير أن الآباء اليوم يميلون للتخلي عن النموذج التقليدي للأبوة الذي يختزل دور الأب في السلطة والقوة ويفضلون التعبير عن عواطفهم لأبنائهم، وقد أكدت دراسة حديثة أن ممارسات مثل العناق تؤثر بشكل مباشر في نمو الطفل وسلامته النفسية.

واشنطن - يظهر الآباء اليوم حنانهم وحبهم عند التعامل مع أطفالهم، دون خوف من أن يؤدي ذلك إلى تشويه قوتهم أو “رجولتهم”، وينصح المختصون في ما يهم العلاقة التي تجمعهم بأبنائهم، بإظهار الحب والعطف وعدم إهمال العناق.

وأظهرت دراسة جديدة أن عناق الآباء مهم لتربية الطفل تماما مثل عناق الأمهات، ووفقا للبحوث التي أجرتها الجامعة الحرة في بروكسل بالتعاون مع جامعة ليفربول البريطانية، يعدّ الاتصال الجسدي بين الأب وطفله مفيدا لنموه.

وقامت الدراسة على تجربة علمية طُلب فيها من 25 أم وأب أن يحرصوا على عناق أطفالهم. وأشرف الباحثون على التجربة من خلال قياس معدلات ضربات القلب وإيقاع الجهاز التنفسي قبل هذا الاختبار وأثناءه وبعده.

ومن بين النتائج التي كشفتها تسجيلات فريق البحث، أصبح الطفل أكثر هدوءا وأقل عصبية بعد عناق الأب أو الأم، إذ تنخفض معدلات ضربات القلب وإيقاع الجهاز التنفسي لديه، ما يقلص من الضغط النفسي الذي يمكن أن يعاني منه الصغير. وبالتالي، استنتج الباحثون أن العناق يعتبر مصدرا فعالا لتعزيز صحة الأطفال ونموّهم.

وجاءت هذه التجربة من فكرة ورغبة أبدتها مديرة البحث مارتين فان بيفيلد، حيث قالت “نريد تشجيع الآباء على أن يكون دورهم أكبر في رعاية طفلهم والاهتمام به.

وبالرغم من توسّع دورهم على مر العقود، بقيت هناك فجوة يجب سدها حتى يصبحوا أكثر حضورا في حياة أبنائهم مثل الأمهات”.

ولا تنطوي سلوكيات الآباء الجدد على تصرفات أو مواقف من شأنها أن تحوّلهم إلى معارضين لفكرة العناق. وفي ولاية فرجينيا، على سبيل المثال، يسجل بعض الآباء في دورات لتعلم كيفية احتضان أطفالهم. ويعدّ الآباء الأميركيون من أصل كوري، والذين لم يكونوا معتادين على هذا النوع من التصرفات مع أبنائهم الأكثر ترددا على هذه الدورات. ففي الماضي، كان الأب يرمز إلى السلطة، بينما تهتم الأم بكل ما يتعلق بتوفير الإحاطة والحنان.

بالعناق، يقلّ شعور الطفل بالتوتر، ويزيد إحساسه بالأمن وتتعزز ثقته بنفسه، ما يؤكد ضرورة احتضانه منذ الولادة

وتعتبر مدرسة دورانو للآباء في سنترفيل بفرجينيا مكانا يجمع أبناء المجتمع من أصل كوري، وخلال الدورات التدريبية، يدرك الآباء الذين تمتد أعمارهم من الثلاثين إلى السبعين سنة قدراتهم في التحول إلى مصادر للحب والحنان. ويتخلّون بذلك عن بعض الأفكار المسبقة والنمطية التي ترسم رب الأسرة في صورة سلطوية لا تترك مهامها مكانا للعاطفة.

واغتنم المدربون فرصة التجربة، في ما يشبه العلاج الجماعي، لمناقشة أهمية التواصل بحرية مع الأطفال وإشراك الأب في هذه العلاقة.

وتدافعت أصوات كثيرة عن فضائل هذه العلاقة، ففي مجلة سيكولوجيز التي تتعمق في مواضيع علم النفس، تصر المختصة في علم النفس العصبي سيلين ريفيير على الفوائد الجسدية التي تحققها هذه الممارسة التي تعد نتائجها أكثر مما يضن الكثيرون.

ووفقا لمؤلف كتاب “العلاج بالعناق: وصفة للسعادة”، فإن حركة العناق البسيطة تطلق هرمون الأوكسيتوسين المرتبط بالحب والسعادة، وهو بدوره يحمل أهمية خاصة في الولادة وفي علاقة الأم بطفلها والعلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة.

وخلال العناق، يقلّ شعور الطفل بالتوتر والقلق، كما يزيد إحساسه بالأمن وتتعزز ثقته بنفسه، ويعد هذا السبب عنصرا يؤكد ضرورة احتضان الطفل منذ الثواني الأولى من حياته. وترى ريفيير في ذلك تعبيرا عن الترحيب بالرضيع.

وترى عالمة الاجتماع كريستين كاستيلين مونيير في كتابها الذي يحمل عنوان “الغريزة الأبوية” أن الآباء الجدد يشككون في القوالب النمطية المبتذلة، وأصبحوا يشاركون في مهام المنزل من أجل تخفيف العبء على زوجاتهم.

وتعرب مارتين فان بيفيلد مديرة البحث في الدراسة الجديدة عن العناق عن استيائها من ترك الرجال لهذه المهام للأم خاصة في ما يتعلق بنمو الطفل، لأنهم “يعتقدون بأنها تحمل روابط فسيولوجية مميزة مع الطفل بسبب الحمل”، ومع ذلك، تبقى غريزة الأب موجودة وتشمل الرغبة في بث الحنان.

قوة مميزة للعناق الأبوي
قوة مميزة للعناق الأبوي

وينطوي العناق على قوة مميزة وهو ما يسعى أب مجهول الهوية لإظهاره على مدونة أين ينقل بعض جوانب حياته اليومية ليشير إلى قوة العناق الأبوي، ووفقا لما دوّن، يعدّ العناق من تلك الأشياء الصغيرة في الحياة اليومية التي نستهين بالأهمية التي تحملها.

ويذكر، على سبيل المثال، أن ابنته الصغيرة تحب فك أربطة حذائه عندما يعود من العمل، ويتابع أنه في إحدى الأمسيات، نزع حذاءه دون أن تكون موجودة، وعبرت الطفلة عن استيائها على الفور. وكان نزع حذاء والدها حركة تحمل معاني خاصة بالنسبة إليها، وتعدّ من الأمور التي يمكن أن لا يتفطن إليها البالغون.

ووفقا لنوعية العناق الذي يأتيه من ابنه، يدرك المدوّن شعوره الداخلي، ويعلم إن كان سعيدا أو حزينا أو خائفا أو مريضا. وبذلك، لم يصبح العناق مجرد طقس، وبالنسبة لهذا الأب، أصبحت الممارسة لغة عاطفية حقيقية “تساوي أكثر من ألف كلمة” على حد تعبيره.

وتعدّ المعانقة الدافئة تعبيرا عن القرب والاحترام، وتظهر هذه العلاقة بين الأب وأبنائه بوضوح أنه ورغم الارتباط الفسيولوجي المميز الذي يجمعهم بأمهاتهم، لا تقصي هذه العلاقة رغبة الأب في لعب دور فعال في تربيتهم. ويختتم هذا الأب تدويناته كاتبا “عانق ابنك أو ابنتك وستندهش من قوة هذه الحركة البسيطة”.

ويشيد الكثير من الآباء بهذه الممارسات، بدءا من الآباء النشطين على إنستغرام والذين يروّجون لهذه الأمور، وعلى موقع “بابل داد” حيث يشدد أحدهم على قيمة قبلة ما قبل النوم التي تساعد الأطفال على النوم.

ويقول المدوّن إن والده احتضنه في مناسبات نادرة جدا وحاول الحفاظ على مسافة جسدية معينة. لهذا السبب، أصبح المدون بعد أن أصبح أبا، معارضا لهذه العادات الجامدة حتى لا يعاني أبناءه من نفس البرود. ولم يعد يريد أن يشعر بالحرج بسبب التعبير عن مشاعره. ويأمل أن ينتهي الإحراج من جانب الرجال العاطفي مع الجيل التقليدي.

ويعتبر هذا المدون كما الكثير من الآباء أنه ينبغي لنا أن نروج لأهمية العناق بين الأب وأطفاله. فحسب سيلين ريفيير، “تولّد هذه الحركة البسيطة حالة من الهدوء والامتلاء”.

21