حنا السكران

الأحد 2014/02/09

ذات يوم من أيام 1970 كنت في رحلة عودة من اللاذقية إلى دمشق، وكانت وسيلة العودة، سيارة أجرة من نوع “فورد” ابنة سنتها، كانت صفراء اللون تنهب الأرض نهبا، وكنت مع صديقين لي نجلس في المقعد الخلفي، وآخرين غريبين عنا يجلسان إلى جانب السائق. وكان أحدهما، منذ انطلقنا حتى وصلنا إلى مدينة طرطوس يردد جملة واحدة، وهي: وهم كلوو(كله) وهم وأحيانا يردفها بجملة “فات المعاد”، وإذ نزلنا إلى الاستراحة، تقيأ الرجل وتبين لنا أنه سكران “طينة”.

وتقصدت في الاستراحة أن أقعد إلى جانبه وأن أحادثه -فأنا ومنذ صغري كنت أحب الفلسفة- ولذلك أخذت كلامه على أنه موقف من العالم، وأن العالم وهم مطلق لا يعرف المرء فيه هل هو نفسه أم هو غيره. الأمر الذي أعادني إلى رجل آخر اسمه “هبنقة” وهو شخصية تراثية.. وهبنقة هذا كان يضع قلادة كبيرة حول عنقه وعندما كان الناس يسألونه عن سبب وضعها، كان يقول حتى أعرف نفسي فلا أضيع. وذات يوم أخذها أخوه ولبسها، وعندما رآه هبنقة، سأله مستغربا، يا أخي: إذا أنت أنا، فمن أنا؟

وتذكرت هذين الشخصين - الحقيقي والتراثي- لأني كنت أشاهد طيلة الأيام العشر الماضية حوارا بين طرفين سياسيين هما وفد نظام عربي ووفد معارض له، وكنت أرى فيهما صورة هبنقة والسكران الواهم. نسيت أن أقول لكم إن السكران أيضا كان يظن نفسه أنه أخاه الصاحي، وكان يحاوره على أنه هو.

وأتساءل أية نتيجة ترجى من هبنقة وصاحبه؟

لم أر السكران بعدئذ وأظنه بعد وصوله إلى دمشق، توجه فورا إلى حاكم بلاد الشام ليبلغه أشواق أهل اللاذقية ويشكره على نوعية الخمر التي أرسلها إليهم. كما أني لم ألتق هبنقة أصلا، والذي أظنه كان يبحث عن نفسه بعد أن سرقها أخوه، فوجدها لدى حنا السكران. والغريب أن يلتقي الاثنان في جنيف الطرشان.

24