حنجرة ذهبية وصوت كريستالي ومدرسة في الارتجال

من منا لم يدخل العشق قلبه، ومن منا لم يصغ إلى أم كلثوم في أغانيها البديعة وهو في أكثر حالاته تجليّا للعشق. أجيال تعقب أجيالا، ومازالت أم كلثوم ذلك الصوت الذي يرافق المحبين وعشاق الفن والشعر. نجاح أم كلثوم لم يكن وليد موهبتها وعملها الدؤوب في تفاصيل الموسيقى فحسب، بل كان أيضا وليد علاقتها المباشرة والعميقة بالشعراء، الذين افتتنوا بها وبصوتها وكتبوا لها القصائد التي غنتها، فكانت أغانيها كلمات حيّة وألحانا مصقولة تؤديها هي متسيّدة ركحها الأبدي بصوتها العابر للزمن.
الثلاثاء 2017/12/05
أيقونة الشعر والشعراء

القاهرة - يأتي كتاب “أم كلثوم في الشعر العربي” للباحث إبراهيم عبدالعزيز أبوزيد، ليكون جديدا في بابه من جهة أنه أول كتاب يصدر جامعا معظم الأشعار التي كتبت في عبقرية الغناء عند أم كلثوم، وقد كلف الكاتب نفسه مؤونة البحث الجاد الدؤوب في بطون المجلات والدوريات والدواوين الشعرية الحديثة، حتى استوى بين يديه منها ديوان شعر كامل، ينشر لأول مرة.

كما عالج المؤلف هذه النصوص الإبداعية معالجة نصية جمالية تقف على المكونات الداخلية للنصوص من الناحية المجازية والتركيبية والصوتية والدلالية، وأشار إلى الكيفية التي التقت هذه النصوص بصوت أم كلثوم، واعتبر أن هذا الحدث من قبيل التقاء الفن بالفن، وتجاوز المجاز مع المجاز.

الارتقاء بالفن

ينصب موضوع الكتاب الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، على الشعر العربي المعاصر الذي عالج الإبداع الصوتي الغنائي لسيدة الغناء العربي، صاحبة الحنجرة المثقفة والصوت الكريستالي المجدد، الذي يجمع بين التعبير والطرب، ووجه الطرافة في هذا الكتاب أن يقف الشعر متأملا وجوه الموسيقى والغناء، كما نبع من حنجرة، بل من جوارح سيدة الغناء العربي.

ومع الأخذ في الاعتبار أن الشعر العربي كان في معظمه غناء وموسيقى، وإن اختلفت وجهات النظر النقدية حول لون هذه الموسيقي عبر مدارس النقد والفن المختلفة، سواء في القصيدة الكلاسيكية والرومانسية والحرة أوالقصيدة النثرية، لكن عندما يقف الشعر بمجازاته وتراكيبه وموسيقاه متأملا الغناء في ذاته، وكأنه لون من الموسيقى على الموسيقى والجمال على الجمال، فهذا هو الجديد الذي قدمه المؤلف في هذا الكتاب.

ويؤكد المؤلف من خلال صفحات هذا الكتاب أن أم كلثوم كانت علامة عصر جديد، يؤرخ للعصر من خلالها، فكانت تغني من قلبها ومن جوارحها، بل ومن جميع كيانها، وكانت تغني لنفسها قبل أن تغني للناس، وتسكب في غنائها دموعها وأشواقها وخيالها، ويصف المؤلف أم كلثوم بأنها كانت بتول الأغنية المصرية، المتهجدة في محراب الفن، التي تقف على مسرح الغناء أمام الجمهور الحاضر لحفلتها، وعلى مسمع من الملايين الذين يجلسون بجانب المذياع ، لتتلو عليهم صلوات الغناء وتختصر تراتيل القلب الدفين.

لقد كسرت أم كلثوم الأعراف السائدة للفن العربي في وقتها، فأدخلت الغناء العربي الفصيح إلى الوجدان الشعبي العامي، كما أدخلت الدين إلى رحاب الفن عندما غنت قصائد شوقي الدينية، كما طوعت الشعر الفصيح للحن، وجعلت الفصحى تمشي بين الناس في الأسواق، حيث أن أم كلثوم تخرجت من مدرسة الابتهال الديني والمقامات العربية الأصلية عند الشيخ أبوالعلا محمد، فارتقت بالأغنية من المجال السطحي إلى عوالم الجمال العميقة التي تخاطب المستوى الوجداني والوطني والقومي.

الشعر بمجازاته وموسيقاه يقف متأملا الغناء في ذاته، وكأنه لون من الموسيقى على الموسيقى والجمال على الجمال

يورد المؤلف من الأدلة والمقاربات ما يخلص من خلاله إلى أن أم كلثوم اكتسبت في وجدان الخيال الشعبي لجمهورها صفات صاحبة السيرة الشعبية، التي يخلدها الجمهور بأن يضفي عليها صفات الكمال وينفي عنها كل نقيصة، ويشار هنا إلى أن الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان السابق، قد ساعد على تكريس صورة أم كلثوم كصاحبة سيرة شعبية من خلال منحها لقب “صاحبة العصمة”، وذلك بعد أن أنعم عليها الملك السابق بنيشان الكمال وهو النيشان الذي يمنح صاحبته لقب صاحبة العصمة.

وجدان الخيال الشعبي

يشير المؤلف إلى أن المكانة الرفيعة التي وصلت إليها أم كلثوم كانت بفضل مثابرتها وجهدها في محراب الفن، حيث بدأت مسيرتها الفنية ضمن طوائف المغنين في فترة من الزمان لم يكن فيها الغناء دارجا بين النساء، وكان الناس يربطون هذه المهنة بالإماء وغيرها مما تختزنه الذاكرة المشتركة من صورة سلبية حول المرأة الفنانة، لكن أم كلثوم استطاعت بفضل ما وصفه الكاتب بـ”نزالها في معركة الغناء” أن تغير النظرة الدارجة تلك، بصوتها وما أدته من الأغاني سواء في الحب أو الأغاني الوطنية ما جعلها تلقّب لاحقا بالمجاهدة في دعم صفوف الجيش بالغناء.

وقد اهتم السياق التاريخي للكتاب بالكشف عن النصوص المتعلقة بأم كلثوم، كما اهتم السياق المعرفي للكتاب بوضع هذه النصوص في جوانبها الثقافية والاجتماعية، بهدف كشف ما وصلت إليه العلاقة بين الشاعر والغناء، بالإضافة إلى وضع النصوص التي وردت في الكتاب في سياقها الجمالي، حيث حاول المؤلف من خلال ذلك كله الإجابة عن سؤال محدد وهو: هل رسم الشعراء صورة لأم كلثوم توازي هذا التحول المعرفي المصاحب لها؟ وهل الصورة ناتجة عن فهمهم للغناء عموما أم ناتجة عن شخصية أم كلثوم؟ وما الأثر الناتج عن ذلك في الإيقاع والصورة الشعرية؟

وينقل المؤلف عن معروف الرصافي مثلا قوله عن أم كلثوم “أم كلثوم في فنون الأغاني/ أمة وحدها بهذا الزمان/ هي في الشرق وحدها ربة الفن/ فما أن للفن رب ثان”. ويستمر الشاعر في وصفه لأم كلثوم شعرا حتى يختم القصيد ببيت يؤكد فيه أن أم كلثوم مثلت النموذج المثالي في رقي الفنان ورقي فنه، فيقول هكذا فلتكن يد الفن على/ هكذا فليكن علا الفنان”.

14