حنيف قريشي يكتب الكلمة الأخيرة

الأحد 2014/05/11

حنيف قرشي في روايته الجديدة يضع شخصيتي الشاب والشيخ وجها لوجه

باريس – كان لتفتح إنكلترا على الثقافات الأخرى، الهندية والكراييبية بخاصة، دور في تغير ملامح البلاد، حيث صارت المدن الإنكليزية، لندن بخاصة، موئلا لموسيقى العالم وفنونه وآدابه. وصارت الأطراف هي التي تغذي المركز وتطوره. وكما هو الشأن في الولايات المتحدة حيث برز لفيف من أدباء الهامش مثل أليس وولكر وجون إدغر وايدمان وتوني موريسون وجومبا لاهيري، ظهر في إنكلترا جيل من الكتاب ترجع أصوله إلى المستعمرات القديمة كسلمان رشدي ونايبول ومونيكا علي وزادي سيمث ونديم إسلام وحنيف قريشي موضوع هذه الورقة.

ولد حنيف قريشي عام 1954 بمقاطعة الكنت من أب باكستاني وأم إنكليزية، وبعد دراسة في الفلسفة، دخل عالم التأليف بروايات إباحية كانت صورة لحياة التيه والضياع والمجون في قاع لندن وأحيائها الصاخبة كان يوقعها باسم مستعار هو أنطونيا فرنش، ثم تقلب بين السيناريو مثل “غسالتي الجميلة” الذي أخرجه للسينما ستيفن فريرز عام 1985، و”نهاية أسبوع في باريس” من إخراج روجر ميتشل عام 2013، وبين الرواية مثل “بوذا الضواحي” و”علاقة حميمة” و”الكلمة الأخيرة” التي صدرت ترجمتها الفرنسية هذا العام عن منشورات فرنسوا بورغوا بباريس قبل صدور أصلها الإنكليزي.

تضع الرواية وجها لوجه رجلا عجوزا وشابا في مقتبل العمر، في حوار يحمى حينا ويهدأ حينا آخر، وما بينهما شخصيات أخرى لها علاقة قريبة أو بعيدة بالرجلين، تساهمان في فهم شخصيتيهما، الأول كاتب من أصل هندي يدعى مأمون عزّام، قامة عالمية في طريقها إلى الانحدار والنسيان، يظهر ما لا يبطن ويود لو يلقي بماضيه في رديم مهمل. والثاني مؤلف واعد يعرف بهاري جونسون، استمد شرعيته من كتاب خصصه لسيرة الزعيم نهرو، لم يكتف فيه بالتاريخ الرسمي الذي يعرفه كل هندي بل دعّمه بأمور خاصة كعلاقاته الجنسية، الشاذة أحيانا، مع نساء ورجال من عرقيات أخرى، وخمرياته وإصابته بمرض فقدان الشهية للأكل.

منذ أن دفع قريشي بمخطوطه إلى الناشر، سارع النقاد بالقول إن بطل الرواية يحيل في جانب كبير من ملامحه ونمط حياته على كاتب عالمي

منذ أن دفع قريشي بمخطوطه إلى الناشر، سارع النقاد بالقول إن بطل الرواية يحيل في جانب كبير من ملامحه ونمط حياته على كاتب عالمي حقيقي هو الهندي نايبول، كان له في العلن حضور وصيت وأدب أهّله للفوز بجائزة نوبل، وله في السرّ علاقات متوترة مع أبيه والنساء اللاتي شاركنه حياته.

ثمة أيضا تشابه بينه وبين مأمون عزام من حيث الثيمات التي تشغل كتبه، ومواقفه التي جعلت البعض يصفونه بالمحافظ المتشدد والرجعي وكاره النساء والنيو كولونيالي، وأخيرا وليس آخرا مساهمته هو أيضا في سيرة شخصية أعدها عنه باتريك فرنش وصدرت عام 2008 تحت عنوان “العالم هو كما هو” أوغلت في خصوصيات الكاتب وفضحت أسراره الحميمة بشكل أسال حبرا كثيرا فيما وراء المانش. قريشي ينفي ذلك بطبيعة الحال، فما يقترحه ليس بيوغرافيا مقنعة أو سردية لصاحب “بيت للسيد بسواس”، وما التشابه إلا محض صدفة، فغايته اجتراح نص يطرح قضية العلاقة بين الكتابة وحياة مُنشئها، بين الإبداع كأثر مفتوح كما يقول أمبرتو إيكو يمكن تأويله إلى ما لا نهاية، وكتب السيرة المنغلقة على معطيات قد تكون خاطئة حتى وإن استقاها واضعها من صاحب السيرة نفسه، بين ما يبديه الكاتب من مصادر يستند إليها لصياغة نصه وما يتكتم عنه لأسباب لا صلة لها بالأدب.

هي إذن مواجهة درامية لا تخلو من مشاهد مضحكة، تدور في ما يشبه الفضاء المغلق، بين كاتبٍ ومدوّنِ سيرته.

بين التذكر والنسيان تطرح الرواية قضية كاتب يعشقه من لا يعرفه

بين مؤلف كان في ما مضى أشهر من نار على علم، فإذا هو يرتجف خوفا من تمزيق الحجاب الذي أسدله على ماضيه، ولولا ليانا زوجته التي كلفت الشاب هنري بنشر كتاب يعيد تسليط الأضواء على زوجها لرفع عائداته التي لا تناسب في رأيها حجمه، لما قبل أن يعرض حياته على غريب. وعندما بدأ النبش في قيعان الماضي ومعاينة الحاضر اتضح أن لمأمون أكثر من امرأة في حياته. زوجته الأولى التي ماتت وتركت يوميات تطفح بحكايات عن سوء المعاملة التي كانت تلقاها منه، ماريون عشيقته السابقة التي سعى هاري في أثرها حتى نيويورك وباحت له بما نالها من قسوته وظلمه. لفيف الخادمات اللاتي يأتين من القرى المجاورة للعمل في بيته. كلهن، إلى جانب أليس خطيبة هاري، يؤدين أدوارا ثانوية، ولكنها أساسية لفهم طبيعة الصراع الذي يضع الرجلين وجها لوجه في كامل فصول الرواية. من جهة يتبدى مأمون كالمارد المنهك يحاول عبثا استنهاض عنفوانه الذي كان في ما مضى يستهوي النساء فيصيدهن بغير مشقة، فيما يظهر هاري حَملا وديعا يزداد، كلما احتدت المناظرة، تشبّها بذئب يافع في جموحه واندفاعه تعبيرا عن طاقة جنسية متوفّزة.

عندما قدم هاري لمباشرة العمل المنوط به، كان شديد الإعجاب بهذا الكاتب العملاق، ولكن عندما لاحظ عليه كذبه وتشنجه وتهربه من الأسئلة، تغيرت نظرته إليه، وازداد منه جفوة بعد أن حصل على شهادات النسوة اللاتي وقعن في شباكه ودفعن ثمنا باهظا. وشيئا فشيئا دخل معه في منافسة ذكورية، حيث تَعلّق بإحدى خادمات البيت، فتأكد له ما قاله الكاتب العجوز “إن الأشياء المبتذلة هي التي تصنع الرجل”، وبدأ يرى في البيوغرافيا عملية لا يأتي من ورائها غير الخداع، خصوصا وأن الرجلين يقفان من بعضهما بعضا على طرفي نقيض. أحدهما يبحث عن الشفافية، والثاني يروم التلهية وتغيير الموضوع كلما أحس بالحرج. يقول مأمون عزام لهاري: “مجالك الذاكرة، ومجالي النسيان. أن ننسى هو أجمل ترف يغنمه الذهن، حمّام ساخن معطّر ترتخي فيه الروح”.

بين التذكر والنسيان تطرح الرواية قضية كاتب يعشقه من لا يعرفه ويعاديه أقرب الناس إليه، وقضية السيرة إذ يعبث بها المدونون والمؤرخون، والكلمة الأخيرة كما يوحي بها قريشي لن تكون لمدون السيرة، لأنه مهما نبش في ماضي الكاتب لن ينفذ إلى كل أسراره. يقول مأمون عزام في تحدّ: “سأكون دائما المعطى المجهول في كتابك”. ولئن أخفقت، مثل هاري، في الكشف عن الوجه الحقيقي لمأمون عزام، فقد توصلت إلى رسم صورة عن كاتب فظ لا يعرف حدوده، لأن تألقه السابق وذيوع صيته يوهمانه بأن له حق التصرف كما يهوى والتعامل مع الناس كما يشاء. وهي ظاهرة تلتقي فيها كل الشعوب التي تعشق أدباءها حدّ الوله، فيتحولون بسبب من ذلك إلى وحوش، يستبيحون كل شيء بلا وازع ولا رادع.

12