حنين المهاجر والمقيم

الخميس 2013/11/14

غالبا ما يعاب علينا، نحن الكتاب المهاجرين، اصطباغ نصوصنا، إن قليلا أو كثيرا، بصبغة الحنين بدعوى أنها تيمة مستهلكة، والحال أن الحنين حاضر في الأدب العربي، قديمه وحديثه، حضورا يفصح عما يحس به الشاعر أو الناثر من حسرة على زمن تولّى بغير رجعة، أو شوق إلى وطن تناءى وصار بعيد المنال، من أبي تمام إلى ابن شرف القيرواني، ومن المعتمد بن عباد إلى ابن خفّاجة، ومن أحمد شوقي إلى محمود درويش، مثلما هو حاضر في الأدب الغربي، في شكل شوق إلى الوطن كما في أشعار فرلين ورومان غاري، أو في هيئة تأسّف على زمن مضى كما في رواية مارسيل بروست، أو في صورة حسرة على زمن البراءة في مرحلة الطفولة، كما في بعض قصائد بودلير.

فالحنين لا يختص به جنس بشري دون آخر، ولا يتميز به مهاجر عن مقيم، لأنه إحساس ناجم عن قطيعة، تغذيها الحسرة على ماض تمتد جذوره إلى مرحلة الطفولة، رمز النقاوة والبراءة، والفردوس المفقود، ترى في تلك الحقبة أجمل الأزمنة وأفضلها، ولا يهمّ أن تأتي وقائع التاريخ بما يفنّدها، أو يثبت أنها لم تكن جميلة للجميع، وهو إحساس يشترك فيه المغترب والمقيم. ويغذيها أيضا الشوق إلى أوطان مفقودة أو صارت بعيدة، أو غيرت السنون ملامحها، أو أمست أثرا بعد عين. وهنا أيضا يلتقي المهاجر والمقيم. فالمغترب يزداد تعلّقُه بوطنه كلما طالت سنوات غربته، وباعدت المسافات وضيق ذات اليد في عودة مأمولة، ويصبح الوطن حينئذ أمنية لا يروم عنها بدلا، يتوق إلى تحقيقها بكلّ مهجته. وهو مصداق ما قاله العرب قديما : "من علامة الرّشْد أن تكون النّفْسُ إلى بلدها تَوّاقَة، وإلى مسقط رأسها مشتاقة." أما المقيم فينتابه الحنين إلى مراتع الطفولة والصِّبا، والشوق إلى بطاح كان يطارد فيها مُتَع لهوه، وهو يعلم أن الزمن غير الزمن والإحساس غير الإحساس كما في مثال "مادلينة" بروست المنقوعة في الشاي.

كما أن الحنين يختلط في العادة بشعور بالنقص والرغبة والأسف، فالذي يحن إلى زمن أو تربة أو مكان أو صحبة، يحس بأن ثمة شيئا ينقصه، فيرغب في استكماله أو استعادته، وإذا الواقع المتشح بالشظف أو الموانع وضيق الأفق يصدّه، فيأسف أسفه على عزيز ضيّعه، ويذكي بذلك جذوة حنينه، فالحنين ينشأ حين لا يكون الحاضر في مستوى وعود الماضي. وهذا كله لا يختلف فيه المغترب والمقيم في شيء، وإن اختلفا فبالدرجة لا بالنوع، كما يقول المناطقة.

والذين ينتقدوننا إنما يعيبون علينا بالذات حنيننا إلى الأوطان، ولو جرت به أقلامنا عرَضًا، ويتناسون أن ذلك هو ما يشدّنا إلى جذورنا ويجعل ماضينا، ذاتيا كان أم مشتركا، متوهّج الحضور، ويحمينا من الاستلاب والاغتراب في مجتمعات كل ما فيها يغري بالانسلاخ والذوبان، والإنسان، كما يقول فكتور هوغو، مثلما لا يستطيع أن يعيش بلا خبز، لا يستطيع أن يعيش بلا وطن. فالحنين بهذا المعنى ليس تمجيدا للماضي أو تجميلا للواقع، بل هو حنين إلى الأصول، إلى المنبت نستلهم منه أجواء وطقوسا ومفردات تستحضرها الذاكرة ويسمو بها الخيال، لأن الحنين موقف فكري أيضا، تقف ضدّه فئة - مقيمة ومهاجرة - ترفض انتماءها لأوطانها وتعتبر نفسها من مواطني العالم، وترى الغربة "منفى سعيدا" والحنين "تيمة ميثولوجية". وإذا كان المفهوم قد دخل قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1835 كمرض ناجم عن رغبة شديدة في العودة إلى الوطن، فإن ألبير كامو ينزله منزلة أخرى ويمنحه أبعادا فلسفية بقوله : " فكر المرء هو قبل كل شيء حنينه."

14