حنّا تيتة سياسية غانية مرشحة لتولي الملف الليبي

السياسية الغانية لها علاقات مهمة على المستوى الإقليمي والدولي، ولديها تجارب سابقة في معالجة الأزمات، ودراية كاملة بالأوضاع في منطقة شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء.
الثلاثاء 2020/06/02
امرأة قوية تدرك خطورة تهديد الأمن القومي الأفريقي

تبدو حنّا سيروا تيتة، وزيرة الخارجية السابقة بجمهورية غانا، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي، ورئيسة مكتب الأمم المتحدة لديه، في صدارة المرشحين لخلافة اللبناني الفرنسي غسان سلامة على رأس بعثة الدعم الأممية إلى ليبيا. حيث بات من شبه المؤكد حصولها على إجماع أعضاء مجلس الأمن بخصوص ترشيحها للمهمة، لتكون سابع مبعوث أممي منذ بداية الأزمة في العام 2011 وأول شخصية أفريقية تتولى المهمة. وكان سلامة قد استقال من منصبه في الثاني من مارس الماضي، في خطوة مفاجئة.

تيتة من الشخصيات النسائية المؤثرة في القارة السمراء، وكذلك من الشخصيات السياسية والدبلوماسية الفاعلة في بلادها غانا، وهي من مواليد 31 مايو 1967 بمدينة زيجيد  ثالث أكبر مدينة في المجر وعاصمة مقاطعة تشونغراد، من أب غاني وأم مجرية. تلقت دراستها الثانوية في مدرسة ويسلي الثانوية للبنات في كيب كوست في المنطقة الوسطى بغانا. ثم درست القانون في جامعة  ليغون بغانا حيث حصلت على ليسانس الحقوق، قبل أن تلتحق بدورة القانون المهني كلية الحقوق، لتتخرج بوظيفة محامية مطلع التسعينات، ومن هناك اتجهت مباشرة لمزاولة خدمتها الوطنية لمدة عام كمسؤولة قانونية مع الاتحاد الدولي للمحاميات “فيدا”.

الاتحاد الأفريقي لم يخف رغبته في أن ترشح الأمم المتحدة شخصية أفريقية لإدارة بعثتها إلى ليبيا، وعبّر عن ذلك في مناسبات عدة. رغبة ترافقت مع انتقاد سياسات المجتمع الدولي باختيار مبعوثين من خارج القارة لهذه المهمة

 بعد إكمال خدمتها الوطنية عملت تيتة لمدة عامين في الممارسة القانونية الخاصة مع مكتب للمحاماة في أكرا، ثم  انضمت إلى لجنة حقوق الإنسان والعدالة الإدارية كمسؤول قانوني، ولكن  في وقت لاحق اتجهت إلى العمل كمستشارة قانونية في شركة غانا للأغذية الزراعية “جافكو” كمستشارة قانونية، وهي شركة لتصنيع المواد الغذائية وإنتاج دقيق القمح والدواجن والأعلاف الحيوانية وإنتاج السمك والتونة المعلبة، وتقوم بتسويق منتجات غذائية وبيطرية أخرى وكانت موجودة في منطقة الميناء التجاري بمدينة تيما. وظائف عديدة أخرى شغلتها تيتة في الشركة، من أبرزها الإشراف على إدارة الموارد البشرية والخدمات القانونية، ومنصب نائب المدير العام المكلف بالشؤون المالية والإدارية.

قررت  تيتة خوض غمار السياسة، عندما ترشحت لعضوية البرلمان عن حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي الذي يعتبر أكبر أحزاب المعارضة في غانا ويتزعمه الرئيس الأسبق جيري رولينغز، حيث فازت بمقعد عن دائرة أواتو سينيا، اقتربت من خلاله أكثر من الشأن العام، وكرست فيه نفسها كناطق رسمي باسم الأقليات في مستوى النوع الاجتماعي والطفولة، وكنائب للمتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى للقضاء، إضافة إلى عضويتها لجان المالية والتشريعات الفرعية والأمن والدفاع.

ناطقة باسم الأقليات

ترشيح تيتة لتولي رئاسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا يأتي بعد أن تم طرح عدد من الأسماء الأخرى، مثل السوداني يعقوب الحلو، ووزير الخارجية التونسي السابق خميس الجهيناوي الذي رفضت رئاسة بلاده ترشيحه
ترشيح تيتة لتولي رئاسة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا يأتي بعد أن تم طرح عدد من الأسماء الأخرى، مثل السوداني يعقوب الحلو، ووزير الخارجية التونسي السابق خميس الجهيناوي الذي رفضت رئاسة بلاده ترشيحه

 تم انتخابها عضوا في المكتب الوطني للحزب، وعيّنت مديرة وطنية للاتصالات في مركز تطوير المؤسسات الأهلية، لتحل محل جون دراماني ماهاما، الذي أصبح مرشح المركز لمنصب نائب رئيس الدولة، وتولت بين عامي 2009 و2013 منصب وزيرة التجارة والصناعة في غانا، وهي الفترة التي كانت خلالها عضوًا في فريق الإدارة الاقتصادية للحكومة الغانية، وفي مجلس إدارة هيئة الأهداف الإنمائية للألفية واللجنة الوطنية لتخطيط والتنمية. إضافة إلى توليها رئاسة مجلس المناطق الحرة بغانا.

وبسبب ميولاتها الرياضية، أشرفت تيتة في تلك الأثناء على إدارة فريق “أكرا هارتس أوف أوك أس سي” لكرة القدم الذي يعد أعرق وأكبر أندية غانا بعد أشانتي كوتوكو، ويمثل البلاد في بطولات أفريقيا للأندية، ومن أبرز إنجازاته في ظل إدارتها حصوله على عدد من الألقاب من بينها بطل دوري أبطال أفريقيا، وبطل كأس الاتحاد الأفريقي، وبطل كأس السوبر الأفريقية.

الأمن القومي الأفريقي

رئاستها لبعثة الدعم الأممية وكممثل للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا يعتبر حدثا مهما بالنسبة للقارة السمراء، خصوصا وأن تيتة تتمتع بعلاقات مهمة على المستوى الإقليمي والدولي
رئاستها لبعثة الدعم الأممية وكممثل للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا يعتبر حدثا مهما بالنسبة للقارة السمراء، خصوصا وأن تيتة تتمتع بعلاقات مهمة على المستوى الإقليمي والدولي

كانت تيتة الناطقة باسم الفريق الانتقالي للرئيس جون إيفانز أتا ميلز الذي كان يشغل منصب رئيس جمهورية غانا. وعندما تولى جون دراماني ماهاما الرئاسة المؤقتة خلفا لميلز عيّنها على رأس إدارة حملته الانتخابية، فقررت خوض الانتخابات البرلمانية من جديد عن دائرة أواتو سانغا الغربية المنشأة حديثا، وفازت بالمقعد، وبعد شهر واحد، رشحها  الرئيس ماهاما لمنصب وزيرة  للخارجية والتعاون الإقليمي بعد موافقة البرلمان.

أثناء توليها لحقيبة الخارجية، اختيرت تيتة أيضا عضواً في مجلس الأمن القومي ومجلس القوات المسلحة، وعندما أصبح الرئيس ماهاما رئيسًا لمجلس رؤساء دول وحكومات الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، أصبحت تيتة رئيسة لمجلس وزراء تلك المجموعة، في الوقت الذي كانت فيه المنطقة تواجه تحديات الإرهاب وخاصة من جماعة بوكو حرام، قالت تيتة آنذاك “لا يزال يتعين علينا الحفاظ على مستوى أكبر من اليقظة. علينا أن نستخدم بنية بناء السلام التي ابتكرناها وأنظمة الإنذار المبكر التي أنشأناها بالفعل في مناطقنا ونستخدم تلك الآليات لحماية مواطنينا. إن الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا هي منطقة متكاملة تسمح بحرية حركة المواطنين، مما يخلق ضرورة أكبر للهياكل الوطنية للاندماج بشكل أكثر فعالية. وبشكل متزايد، ستعمل الاتصالات المنتظمة مع بعضها البعض بشكل طبيعي على تعزيز تبادل المعلومات وتوفير أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية عند الطلب، مما يسمح لنا بالعمل معًا للتعامل مع أي تحديات أمنية قد تنشأ”.

وبعد تركها مكتبها في عام 2017، عملت تيتة كزميل ريتشارد فون ويزيسكر في مؤسسة روبرت بوش الألمانية، ومسيّرة مشاركة في المنتدى رفيع المستوى بقيادة الهيئة الحكومية للتنمية “إيغاد” التي تتخذ من جيبوتي مقرا لها، لتنشيط اتفاقية حل النزاع في جنوب السودان.

الأوضاع في ليبيا تزداد تعقيدا، مع أنه توافد ومنذ العام 2011 للإشراف على الحل السياسي فيها ستة مبعوثين أمميين، منهم من لم يبق في مهمته أكثر من أربعة أشهر، ومنهم العربي ومنهم الأوروبي ومنهم من طالته مع أعضاء البعثة التهديدات بالقتل

وفي نهاية العام 2018 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، تعيين تيتة، كممثلة خاصة له لدى الاتحاد الأفريقي، ورئيسة مكتب الأمم المتحدة لدى الاتحاد الأفريقي بنيروبي. خلفا لساهلي وورك زودي التي كانت قد أصبحت رئيسة لإثيوبيا.

تعتبر تيتة من أبرز السيدات الأفريقيات الناجحات في مجالاتهن، وهي واحدة من أهم المدافعات عن حقوق ومنزلة المرأة الأفريقية. فبمناسبة منتدى وجوائز المرأة الأفريقية الجديدة بفندق أنداز في لندن، قالت تيتة إن “المرأة الأفريقية هي السبب في استمرار أفريقيا في البقاء”، وفسرت ذلك  بالقول “أود أن يرى الناس المرأة الأفريقية على حقيقتها الآن. لسنا بحاجة إلى إنشاء امرأة أفريقية رائعة جديدة، أعتقد أن المرأة الأفريقية الرائعة موجودة بالفعل، فهي تحتاج فقط إلى أن تكون مهيأة لاكتشاف جميع جوانبها الرائعة المختلفة. يجب أن يعلم الجميع أن المرأة الإفريقية قوية، ومرنة، ومبتكرة. إنها قادرة على فعل الكثير بموارد قليلة وقليلة جدا”.

ويعتبر تعيين تيتة في منصب رئيسة بعثة الدعم الأممية ومبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا حدثا مهما بالنسبة للقارة السمراء وكذلك للنساء الأفريقيات، خصوصا وأن لتيتة علاقات مهمة على المستوى الإقليمي والدولي، ولديها تجارب سابقة في معالجة الأزمات، ودراية كاملة بالأوضاع في منطقة شمال أفريقيا ودول الساحل والصحراء منذ أن شغلت منصب وزيرة الخارجية الغانية.

الملف الليبي المعقد

تيتة تعتبر من أبرز السيدات الأفريقيات الناجحات في مجالاتهن، وهي واحدة من أهم المدافعات عن حقوق ومنزلة المرأة الأفريقية
تيتة تعتبر من أبرز السيدات الأفريقيات الناجحات في مجالاتهن، وهي واحدة من أهم المدافعات عن حقوق ومنزلة المرأة الأفريقية

كان الاتحاد الأفريقي قد أعرب في مناسبات عدة عن رغبته في أن ترشح الأمم المتحدة شخصية  أفريقية لإدارة بعثتها إلى ليبيا، وهي رغبة كانت محفوفة كذلك بالانتقاد لسياسات المجتمع الدولي باختيار مبعوثين من خارج القارة لهذه المهمة. ومنذ العام 2011 توافد على ليبيا ستة مبعوثين أمميين، هم الأردني عبدالإله الخطيب الذي لم يبق في مهمته أكثر من أربعة أشهر، والبريطاني إيان مارتن الذي ظل في منصبه أقل من عام، ثم اللبناني طارق متري الذي تولى المهمة لمدة عامين ثم غادرها بعدما أصبحت مهمته مستحيلة وفشل في إقناع النخب السياسية بالتسوية. وطالته مع أعضاء البعثة التهديدات بالقتل، حسب قوله.

بعد ذلك تسلم الدبلوماسي الإسباني برناردينو ليون مهمته الأممية، وساهم في جمع غالبية الأطراف السياسية في البلاد لتوقيع الاتفاق السياسي في منتجع الصخيرات بالمغرب، ووصفت الفترة التي تولى فيها ليون عمله بأنها الأصعب بين كل المبعوثين؛ إذ كان الاقتتال وتسلّط الميليشيات المسلحة على أشده، لكنه غادر منصبه تاركاً وراءه حالة من الغضب بسبب ما وصف بالتقسيمات التي أحدثها اتفاق الصخيرات.

أما المبعوث الخامس فهو الألماني مارتن كوبلر الذي كانت مهمته محددة، وهي تطبيق اتفاق الصخيرات، لكن الدبلوماسي الألماني، فشل في ذلك، تلاه غسان سلامة الذي اضطر للاستقالة لتحل محله مؤقتا نائبته الأميركية ستيفاني وليامز.

ويأتي ترشيح تيتة بعد أن تم طرح عدد من الأسماء الأخرى كالدبلوماسي السوداني يعقوب الحلو، وزير الخارجية التونسي السابق خميس الجهيناوي الذي رفضت رئاسة بلاده ترشيحه، ووزير الخارجية الجزائري السابق رمطان العمامرة الذي ووجه بفيتو أميركي، ووزير الخارجية الموريتاني  المستقيل إسماعيل ولد  الشيخ محمد الذي نفى لاحقا أن يكون قد استقال من منصبه بسبب ترشيحه للمهمة.

13