"حواديت" أسامة غريب ترسم صورا سريالية للواقع

في مجموعته القصصية “سامحيني يا أم ألبير” يجمع الكاتب المصري أسامة غريب بين الحس الأدبي والسخرية وفن القصة والسيرة الذاتية، في مزيج شيق من الصعب الفصل بين مكوناته، لذا فقد آثر الكاتب في مقدمته للمجموعة أن يقترح على القارئ التحرر من تصنيف نصوصه، والتعامل معها كـ”حواديت”، كما يحب أن يسميها هو.
السبت 2017/08/12
راوية فاتنة الشارع التي تحولت قصة حبها إلى مأساة

القاهرة – تضم المجموعة القصصية “سامحيني يا أم ألبير” للكاتب المصري أسامة غريب عشرين قصة تروي معظمها وقائع تعرض لها المؤلف في فترة من حياته، ورغم وجود المؤلف كراو لهذه الأحداث إلاّ أنه لا يقحم نفسه باعتباره بطلا في معظم هذه القصص، إذ قدم أغلبها كشاهد عليها وقريب من أبطالها.

ورغم تعدد القصص التي يحتويها الكتاب الصادر حديثا عن دار الشروق في القاهرة، إلاّ أن هناك خيوطا تؤلف بينها، أولها وجود المؤلف نفسه كراو للأحداث، وثانيهما أنها جميعا تدور في فترة زمنية متقاربة بين زمن المدرسة الثانوية والجامعة، والتي عاشها الكاتب بين أواخر السبعينات وأواخر الثمانينات من القرن العشرين.

أما الخيط الثالث فهو المكان، حيث حي “الظاهر” في القاهرة بشوارعه ودروبه وحواريه، والذي قضى فيه الكاتب سنوات طفولته وشبابه البكر، وهو حي يضم أبناء الطبقة المتوسطة بشرائحها المختلفة إلى جانب الشرائح الأخرى الأكثر فقرا، ما أتاح للكاتب حصيلة واسعة وثرية من الحكايات التي اعتمدت في الغالب على التقابل بين هذه الشرائح في مكان واحد، أما عن السخرية التي يتمتع بها أسامة غريب في كتاباته فقد مثلت إطارا صبغ تلك الأعمال جميعا بنوع من الطرافة والمتعة.

وفي هذه المجموعة القصصية يحكي الكاتب عن “راوية” فاتنة الشارع التي تحولت قصة حبها إلى مأساة، وعن “سرحان” حارس البيت الذي راح ضحية ولعه بالنساء، و”روماني” صبي “المكوجي” وقصة اكتشافه لدلالة اسمه، وعن رحلته إلى حي “الباطنية” القريب والشهير بتجارة المخدرات برفقة زميله ميمي مفتاح، كما يحكي عن جارته “أم ألبير” التي يطلب منها أن تسامحه. وتحمل بعض القصص التي يتضمنها الكتاب نوعا من الاعتراف من قبل المؤلف، وهو اعتراف بالمسؤولية عن وقائع حدثت لأشخاص قريبين منه، تورط هو في الكثير منها مرغما، بعض هذه الوقائع اتسم بالقسوة وبعضها الآخر كان عبثيا في تفاصيله.

لا تخلو قصة “سامحيني يا أم ألبير” التي وضعها الكاتب عنوانا للمجموعة من الشعور بالذنب تجاه هذه السيدة التي كان الكاتب طرفا في إغواء ابنها “ألبير” لقضاء ليلة في بيت سيء السمعة من أجل لعب القمار، حيث يخسر ألبير معاش والدته الأرملة بالكامل، ليختفي بعدها الفتى الساذج مع أمه من الحي نهائيا.

وترسم بقية القصص ملامح قريبة من حقبة فارقة في تاريخ التحول الاجتماعي المصري خلال القرن العشرين، وهي الحقبة التي بدت فيها بوادر التدهور على الطبقة الوسطى جنبا إلى جنب مع تنامي المد السلفي في نهاية عهد جمال عبدالناصر وتشكل الجماعات الدينية وما صاحبها من سياسات “الانفتاح الاقتصادي” كما أسماها أنور السادات. وتطالعنا على سبيل المثال حكاية “مسعد كاوتشة” الذي تعثر في الدراسة بسبب مخالطته للأشقياء، واندماجه في دنيا الجريمة حتى أصبح من الشبيحة الذين يعمل لهم حساب.

وتلمس حكاية مسعد كاوتشة جانبا هاما من أسباب الاحتقان الطائفي الذي يطل برأسه بين الحين والآخر في مصر، وكيف يعزو أصحاب التوجهات المتشددة أي خلاف بسيط بين مسلم ومسيحي إلى اختلاف العقيدة، فأول سؤال يتبادر إلى ذهن كاوتشة حين يشكو له صديقه القديم من هذه الخلافات القائمة بينه وبين رئيسته في العمل يكون عن ديانتها، وحين ينفي صديقه أي شبهة لتعصب ديني في هذا الخلاف يتهمه كاوتشة بالسذاجة، غير أن صديقه الذي كان يستبعد ذلك الأمر في البداية لا يلبث أن يستغل بدوره تلك الفكرة ويوظفها كسلاح في خلافه مع غريمته كنوع من الترهيب.

ولا تخلو القصص من مشاهد شبه سريالية، لكنها على سرياليتها كانت تدشّن مرحلة مليئة بالتناقض ولا تقل عنها غرابة، كما في حكاية “جمالات القرد”، هذه السيدة التي كانت تتاجر بكل شيء، في تناقض مع عملها كناظرة مدرسة ثانوية.

وكان مشهد جمالات القرد وهي تجلس فوق عربة تروسيكل يقودها أحد طلبة المدرسة -رغم غرابته- من المشاهد المألوفة في الحي، حتى زواجها من أحد البلطجية والذي انتهى بمقتله على يديها وتقطيع جثته لأجزاء صار خبرا اعتياديا ومكررا في صحافة تسعينات القرن الماضي وما بعدها مع انتشار هذا النوع من الجرائم.

وأسامة غريب كاتب وروائي مصري تخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة، اشتهر بالكتابة الساخرة، وصدرت له عدة كتب منها “مصر ليست أمي، دي مرات أبويا” و”افتوكالايزو” و”ابن سنية أبانوز” ورواية “همام وإيزابيلا”.

17