حوارات تكشف الذكاء الزائف

لا يكمن ضعف الكم الهائل من الحوارات التلفزيونية في أسئلة المحاورين وحدهم، بل يكشف لنا عن جيل من الفنانين المفتقدين للذكاء قبل الثقافة والمعرفة. إنهم يعرون ضحالة وعيهم على الأغلب في حوارات مكررة.
السبت 2021/07/17
الحوار التلفزيوني يكشف حقيقة الفنان

لأن صناعة السؤال فن صحافي يتطلب أكثر من الذكاء من أجل الوصول إلى المزيج الصحيح للإجابة الأكثر طلبا من الجمهور، فإن الخبرة والمعرفة والممارسة والقدرة على الحكم والمهارة كلها أمور تلعب دورا في اختيارات الصحافي لنوعية وتوقيت إطلاق السؤال.

وحقيقة الأمر، لا يكمن ضعف الكم الهائل من الحوارات التلفزيونية في أسئلة المحاورين وحدهم، بل يكشف لنا عن جيل من الفنانين المفتقدين للذكاء قبل الثقافة والمعرفة، أنهم يعرون ضحالة وعيهم على الأغلب في حوارات تلفزيونية مكررة.

فبقدر لا أهمية إطلاق سؤال يعرف المحاور إجابته مسبقا، مثلما يعرف المشاهدون ذلك، تكمن عدم أهمية ما يقوله الفنان عندما يستعين بالسطحي والمكرر والجدل والاتهامات بطريقة عاجزة في التعبير عن أفكاره وطريقة إيصالها للجمهور.

من سوء حظ الجمهور اليوم أن أكثر الحوارات التلفزيونية نجومها من الفنانين، لكنها بلا أي إضافة مفيدة، أو مساعدة على إثارة الأسئلة الجديدة.

ما الهدف من إثبات ما تعرفه بالفعل وإنفاق طاقة في الكلام في هذه العملية؟ فسطحية سؤال مثل “هل تحدثنا عن بداياتك الفنية؟” تعبر عن جهل المحاور بضيفه، تقابله على الأغلب إجابات لا تضيف شيئا عما قيل سابقا.

بدلا من ذلك يفترض أن يطلق سؤال متعلق بتحليل قوة أو ضعف بدايات الفنان، ويقابله الفنان بقراءة معاصرة لمنجز سابق وإعادة التعريف به وطريقة النظر إليه اليوم ومدى أهميته.

وبقدر إدانتي لافتقار الصحافي إلى مهارة صناعة السؤال فإنني في المقابل أشير إلى افتقار كم كبير من الفنانين للذكاء والقدرة على التعبير عن أنفسهم، فقد صار الجمهور يصاب بخيبة جراء ضعف وعي فنانين أحبهم ومحسوبين وفق التقويم المفرط بالتفاؤل على النجوم.

بإمكان أي من قراء هذا المقال أن يدافعوا عن فكرته باستعادة العشرات من الحوارات التي اكتشفوا فيها جهل فنانين معروفين. فالحوار التلفزيوني يكشف بوضوح عن الذكاء.

إذا كان التواضع هو السمة المميزة للأشخاص الأذكياء للغاية، فإن الذكاء هو نتاج للتجربة والمعرفة، والأذكياء يدركون بشكل مؤلم الأشياء التي لا يعرفونها أو لا يستطيعون القيام بها.

ووفق آلان ترابوليونيس خبير صناعة الإعلانات الذي أجرى العشرات من المقابلات مع مشاهير الفن في العالم، لا يمكن للأذكياء من الفنانين أثناء اللقاءات أن يبالغوا ويسقطوا في فخ الأحاديث الجانبية والشخصية، ولا يحتاجون لسبب معقد للتصرف وفق سريرتهم، ولا يختطفون الأسئلة بقدر ما يجيدون بكفاءة فن الإصغاء.

هذا الخبير في الإعلانات يكشف لنا بلا مواربة تراجع الذكاء وهو يحدد مواصفات الأذكياء الذين التقى بهم.

ومن السهولة بمكان عكس هذه المواصفات على كم هائل من الحوارات المتدفقة علينا في التلفزيونات العربية.

الأثرياء من الفنانين عليهم أن يُشعروا المشاهد بتواضعهم عند إثارة الأسئلة عن ثرواتهم. التواضع هنا تعبير عن أقوى درجات الذكاء لمجرد أنه متعلق بالمال.

فلدينا كوميديا استعراضية مستمرة متعلقة بذلك، لمجرد تباهي البعض بالثراء المالي، من أجل جعل المقابل يشعر بأنهم أذكى مما يتوقع مع أنهم لا يمتلكون إنجازا متعلقا باستحصال المال الذي هبط عليهم. ويطلقون أي كلام يجعل الجمهور مخطئا وأنهم على حق.

لا يمكن مثلا التشكيك بذكاء جيف بيزوس عند الحديث عن أمواله الطائلة في إدارة شركة أمازون، لكنّ واحدا من أثرى المطربين في الخليج والعالم العربي قال إنه لا يفعل شيئا سوى الأكل والنوم! عندما سُئل وهو جالس في قصره الفخم عما يقوم به بعد توقف الحفلات مع انتشار وباء كورونا.

لك أن تعرف أن هذا المطرب يحظى بشعبية وثروة هائلة وتخصص له قنوات فضائية يوميا ساعات لبث أغانيه. وبمجرد أن يبرر هذا المطرب تقاعسه عن مسؤوليته الذاتية أمام نفسه على الأقل، فقد كشف لنا حقيقة وعيه… هناك زيف حقيقي سائد.

الأذكياء من الفنانين يعرفون ويخططون لما يقدمون عليه وما يصرحون به، وقادرون على الدفاع عن منتجهم الفني، لأن الذكاء أكثر من مجرد هبة بيولوجية. الذكاء يعني الوثوق بمشاعرك أيضا. فيتعلم الأشخاص الأذكياء كيفية الوثوق بإشاراتهم الداخلية جنبا إلى جنب مع المعلومات الخارجية.

سيكون لدينا على الجانب الآخر ما تكشفه لنا أغلب الحوارات التلفزيونية مع فنانين، يتحدثون عن كل شيء من أجل إثبات حضورهم للجمهور، لكنهم في حقيقة الأمر لا يقدمون في ذلك فكرة عميقة أو جديدة، كما حدث مع ممثل مصري شهير كان يتحدث بجهل مريع عن أعمال مؤلف مسلسل شارك في بطولته! نفس هذا الفنان الشهير تحدث عن قضاء إجازته في أثينا أكثر من عشر دقائق في نفس الحوار، وكان المحاور يعبر بامتياز عن الفشل الصحافي في صناعة الأسئلة عندما استمر في إطلاق الأسئلة السطحية عن أطعمة اليونان، بوصفها عالما مجهولا للمشاهد المصري!

بينما الأذكياء هم من يقدرون وقتهم، على العكس من ذلك الفنان الذي لا يستطيع أن يرى الهدف من حديثه التلفزيوني الطويل نسبيا عن إجازته الشخصية.

يحذرنا ترابوليونيس بحكم التجربة التي عاشها في حوار نخبة من المشاهير، من “المثقف الزائف” بمجرد أن نرى أحدهم يسعى للسيطرة على محادثة ما.

ويمكن لقراء هذا المقال، على الأرجح، أن يعدوا قائمة من المشاهير العرب تحفل بهم الحوارات التلفزيونية وبنفس المواصفات التي أوجدها خبير صناعة الإعلانات للذكاء الزائف.

18